الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

الشكوك تسبب نزفاً بصناديق الأسهم والسندات العالمية

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
TT

الفيدرالي يصدم الجميع: طريق التضخم لا تزال طويلة

أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)
أحد المتداولين في وول ستريت يتابع مؤشرات الأسهم بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في بث مباشر من منتدى جاكسون هول (أ.ف.ب)

ما إن بدأ رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) كلمته في منتدى البنوك المركزية المنعقد في بلدة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية، حتى بدأ تراجع كبير لكل من الدولار وعوائد السندات في الأسواق العالمية، فبدلا من أن يفتح بابا أمام احتمال التوقف عن التشديد النقدي، أكد أن الطريق لا يزال طويلا... ومع استمرار حديثه عن عدم اليقين، عادت الدولار والسندات إلى القفز عاليا، مع اتجاه المستثمرين لمزيد من التحوط.

وأكد باول في الخطاب الذي تمت مراقبته من كثب أن استمرار مرونة الاقتصاد الأميركي قد يتطلب مزيدا من الزيادات في أسعار الفائدة... مشيرا إلى أن الاقتصاد ينمو بشكل أسرع من المتوقع، وأن المستهلكين استمروا في الإنفاق بسرعة، وهي اتجاهات يمكن أن تبقي ضغوط التضخم مرتفعة. كما كرر تصميم بنك الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء سعر الفائدة الرئيسي مرتفعاً حتى يتم تخفيض زيادات الأسعار إلى هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وقال باول: «نحن على استعداد لرفع أسعار الفائدة أكثر إذا كان ذلك مناسباً، ونعتزم الإبقاء على السياسة عند مستوى مقيد حتى نكون واثقين من أن التضخم يتحرك بشكل مستدام نحو هدفنا».

وقد سلط خطابه الضوء على الشكوك المحيطة بالاقتصاد، ومدى تعقيد استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لها... وكان ذلك بمثابة تناقض حاد مع تصريحات جاكسون هول قبل عام، عندما حذر بصراحة وول ستريت من أن البنك المركزي سيواصل حملته المتشددة في رفع الفائدة لكبح جماح الأسعار المرتفعة، بحسب «أسوشييتد برس».

وقال باول أيضاً إن بنك الاحتياطي الفيدرالي يعتقد أن سعر الفائدة الرئيسي مرتفع بما يكفي لتقييد الاقتصاد وتهدئة النمو والتوظيف والتضخم؛ لكنه قال إنه من الصعب معرفة مدى ارتفاع تكاليف الاقتراض لتقييد الاقتصاد: «وبالتالي هناك دائما عدم يقين» حول مدى فاعلية سياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض التضخم.

وقال باول إنه نتيجة لذلك، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي «سيتحرك بحذر عندما نقرر ما إذا كنا سنزيد من تشديد السياسة النقدية أو - بدلاً من ذلك - نبقي سعر الفائدة ثابتاً وننتظر المزيد من البيانات».

أوضاع مربكة

ومنذ تحدث باول في مؤتمر جاكسون هول العام الماضي، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي إلى أعلى مستوى له منذ 22 عاما عند 5.4 في المائة. ومن ذروة بلغت 9.1 في المائة في يونيو (حزيران) 2022، تباطأ التضخم إلى 3.2 في المائة الشهر الماضي، وإن كان لا يزال أعلى من هدف بنك الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

لكن معدلات القروض المرتفعة بشكل كبير جعلت من الصعب على الأميركيين شراء منزل أو سيارة أو تمويل الشركات للتوسعات. ولا تزال عناصر مثل الإيجار ووجبات المطاعم والخدمات الأخرى أكثر تكلفة. وظل التضخم «الأساسي»، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، مرتفعا على الرغم من قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة 11 مرة ابتداء من مارس (آذار) 2022،

ومع ذلك، فقد تحرك الاقتصاد الشامل للأمام. وظل سوق التوظيف سليما، الأمر الذي أربك الاقتصاديين الذين توقعوا أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تسريح العمال على نطاق واسع والركود. ويستمر الإنفاق الاستهلاكي في النمو بمعدل صحي. ويقف معدل البطالة في الولايات المتحدة عند المستوى الذي كان عليه بالضبط عندما تحدث باول في العام الماضي، 3.5 في المائة، وهو أعلى بالكاد من أدنى مستوى له منذ نصف قرن.

في يونيو الماضي، عندما أصدر صناع السياسات الثمانية عشر في بنك الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم ربع السنوية آخر مرة، توقعوا أنهم سيرفعون أسعار الفائدة مرة أخرى هذا العام. لكن ربما تغير هذا التوقع في ضوء قراءات التضخم المعتدلة التي أصدرتها الحكومة في الأسابيع الأخيرة. وسيقوم المسؤولون بتحديث توقعاتهم لأسعار الفائدة عندما يجتمعون في الفترة من 19 إلى 20 سبتمبر (أيلول) المقبل.

انقلاب التوقعات

وقام العديد من الاقتصاديين بتأجيل أو عكس توقعاتهم السابقة للركود في الولايات المتحدة. وازداد التفاؤل بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف ينفذ «هبوطاً ناعماً» صعباً، حيث يتمكن من خفض التضخم إلى المستوى المستهدف من دون التسبب في ركود حاد.

ولا يتصور العديد من المتداولين في الأسواق المالية هبوطاً سلساً فحسب، بل يتصورون تسارعاً في النمو. وقد ساعدت هذه التوقعات في زيادة عائدات السندات، لا سيما سندات الخزانة لأجل 10 سنوات، التي تؤثر بشكل كبير على أسعار الرهن العقاري طويل الأجل. وبناء على ذلك، بلغ متوسط سعر الفائدة الثابت على الرهن العقاري لمدة 30 عاما 7.23 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 22 عاما. كما ارتفعت أسعار قروض السيارات وبطاقات الائتمان، وقد تؤدي إلى إضعاف الاقتراض والإنفاق الاستهلاكي، شريان الحياة للاقتصاد.

تخارجات قياسية من الأسهم والسندات

ووسط هذا المشهد المربك، شهدت صناديق الأسهم والسندات العالمية انسحابات كبيرة في الأسبوع الأخير، وسط مخاوف من أن البيانات الاقتصادية الأميركية القوية قد تبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة.

وتجنب المستثمرون أيضاً وضع الأموال في الأصول ذات المخاطر العالية قبل خطاب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر جاكسون هول؛ حيث كان يسود التوقع بمزيد من التلميحات حول توقعات أسعار الفائدة من صناع السياسات.

وفقاً لبيانات «ريفنتيف»، باع المستثمرون ما قيمته 11.1 مليار دولار صافية من صناديق الأسهم العالمية، وهو أكبر حجم في أسبوع منذ أكثر من شهرين. كما سحبوا صافي 3.1 مليار دولار من صناديق السندات العالمية، وهو أكبر صافي بيع أسبوعي في نحو ثمانية أشهر.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ 16 عاماً خلال الأسبوع؛ حيث أشارت القراءات الاقتصادية من الولايات المتحدة، مثل الوظائف والاستهلاك، إلى نمو أقوى، ما دفع المستثمرين إلى تقليص توقعاتهم لتخفيف السياسة العام المقبل.

وشهدت صناديق الأسهم الأميركية والأوروبية تدفقات خارجة بنحو 11.07 و1.52 مليار دولار على التوالي، لكن الصناديق الآسيوية شهدت صافي مشتريات بقيمة 1.14 مليار دولار.

وحسب القطاع، شهدت الصناديق المالية والتكنولوجيا والصناديق الاستهلاكية الأساسية صافي مبيعات يقدر بنحو 734 و702 و357 مليون دولار على التوالي.

ومن بين صناديق السندات، شهدت الصناديق العالمية ذات العائد المرتفع تدفقات خارجية أسبوعية بقيمة نحو 1.96 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، اجتذبت صناديق السندات الحكومية وسندات الشركات 2.03 مليار دولار و209 ملايين دولار من التدفقات الداخلة على التوالي.

وفي السلع، قلص المستثمرون مراكزهم في صناديق المعادن الثمينة للأسبوع الثالث عشر على التوالي، مع صافي مبيعات بقيمة 675 مليون دولار. كما خسرت صناديق الطاقة 164 مليون دولار من التدفقات الخارجة.

وأظهرت بيانات صناديق الأسواق الناشئة أن صناديق الأسهم واجهت صافي بيع بقيمة 2.02 مليار دولار، وهو الأكبر في أحد عشر أسبوعا، في حين سجلت صناديق السندات 658 مليون دولار من صافي المبيعات.

حذر واسع النطاق

وقبيل انطلاق أعمال اجتماع جاكسون هول، توخى المستثمرون الحذر في الأسواق، فيما واصل ارتفاع عائدات السندات الضغط على الأسهم، مدفوعة على وجه الخصوص بمكاسب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وفتحت الأسهم الأميركية على ارتفاع يوم الجمعة، وزاد المؤشر داو جونز الصناعي 117.64 نقطة أي 0.34 في المائة عند الفتح إلى 34217.06 نقطة. وارتفع المؤشر ستاندرد أند بورز 500 عند الفتح 13.07 نقطة أي 0.30 في المائة إلى 4389.38 نقطة، وارتفع المؤشر ناسداك المجمع 50.40 نقطة أي 0.37 في المائة إلى 13514.37 عند الفتح.

ولكن على الجانب الآخر ارتفعت عائدات السندات صباح الجمعة على مستوى أوروبا، إذ زادت عائدات السندات الألمانية القياسية في القارة إلى 2.54 في المائة، وتراجعت أسهم الشركات العقارية شديدة التأثر بأسعار الفائدة 0.1 في المائة.

وتراجع اليورو إلى أدنى مستوى منذ منتصف يونيو (حزيران) يوم الجمعة متأثرا بازدياد التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يوقف قريبا رفع أسعار الفائدة، بينما ارتفع الدولار.

ونقلت «رويترز» عن ثمانية مصادر مطلعة أن واضعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي يشعرون بقلق متزايد من ضعف آفاق النمو، وأن النقاش لا يزال مفتوحا؛ إلا أن الزخم للتوقف مؤقتا عن رفع أسعار الفائدة يزداد.

وتراجع اليورو إلى مستوى منخفض جديد بعد هذا التقرير، ليسجل أدنى مستوى منذ منتصف يونيو عند 1.0766 دولار تقريبا، وانخفض اليورو 0.3 في المائة في أحدث تعاملات الجمعة.

وصعد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات رئيسية أخرى، إلى أعلى مستوى منذ السابع من يونيو عند 104.25 نقطة. وارتفع المؤشر بأكثر من اثنين في المائة في أغسطس (آب) الحالي متجها إلى إنهاء سلسلة خسائر استمرت شهرين.

وتأثر اليورو والجنيه الإسترليني بشكل سلبي هذا الأسبوع بسبب بيانات النشاط التجاري الضعيفة التي دفعت المستثمرين إلى خفض توقعاتهم لمزيد من رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو وبريطانيا.

ولامس الإسترليني أدنى مستوى منذ يونيو عند نحو 1.2560 دولار، قبل أن يقلص خسائره إلى نحو 1.2591 دولار. وتراجع الإسترليني واحدا في المائة تقريبا هذا الأسبوع ويقترب من تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي في خمسة أسابيع.

وتراجعت أسعار الذهب الجمعة مع ارتفاع الدولار إلى أعلى مستوى في عشرة أسابيع، لكن المعدن النفيس كان يتجه إلى تسجيل أفضل أداء في ستة أسابيع. وانخفض الذهب 0.2 في المائة إلى 1913.10 دولار للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0527 بتوقيت غرينتش. كما انخفضت العقود الآجلة الأميركية للذهب 0.3 في المائة إلى 1941.30 دولار.

وارتفع الذهب نحو 1.3 في المائة منذ بداية الأسبوع، الذي يمكن أن يكون أول أسبوع من المكاسب هذا الشهر، مع صعود الأسعار إلى أعلى مستوى منذ العاشر من أغسطس يوم الخميس.

وقال مات سيمبسون، كبير المحللين في سيتي إندكس «من الممكن أن يعيد باول الذهب إلى 1900 دولار، ويمكن أن يرفعه إلى 1940 دولارا». وأضاف: «من الواضح أن قوة الدولار بمثابة رياح معاكسة للذهب».


مقالات ذات صلة

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

ذكرت الحكومة اليابانية أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد خلال الفصول القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن خلافات كبير لا تزال قائمة بين معظم الدول والولايات المتحدة والهند، فيما يخص مناقشة الإصلاحات بمنظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي (الكاميرون))

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.