شركات دولية مهتمة بالاستثمار في تكنولوجيا الفضاء في السعودية

1.1 تريليون دولار نمواً عالمياً متوقعاً لاقتصاد هذا القطاع في 2030

رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني أثناء وصولهما إلى محطة الفضاء الدولية للبدء في مهمتهما العلمية في مايو (واس)
رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني أثناء وصولهما إلى محطة الفضاء الدولية للبدء في مهمتهما العلمية في مايو (واس)
TT

شركات دولية مهتمة بالاستثمار في تكنولوجيا الفضاء في السعودية

رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني أثناء وصولهما إلى محطة الفضاء الدولية للبدء في مهمتهما العلمية في مايو (واس)
رائدا الفضاء السعوديان ريانة برناوي وعلي القرني أثناء وصولهما إلى محطة الفضاء الدولية للبدء في مهمتهما العلمية في مايو (واس)

في وقت تعزز فيه السعودية توجهها الاستراتيجي لتمكين قطاع الفضاء، كأحد أهم مقومات تنويع الاقتصاد وتجويد الحياة، تبدي شركات عالمية متخصصة في تكنولوجيا صناعة الفضاء اهتماماً بالاستثمار بهذا القطاع في المملكة وإطلاق شراكات مع نظيراتها السعودية؛ إذ يُتوقع أن يشهد عام 2024 ضخ استثمارات مليارية في هذا القطاع واستكشاف الفرص الواعدة في مجال الفضاء.

وكشفت معلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أن شركات «أستروسات» البريطانية، و«بلاك شارك» النمساوية و«سي 3» الأميركية تخطط للدخول إلى السوق السعودية لتكون المملكة مركزاً رئيسياً لتطوير مشاريع الفضاء في منطقة الشرق الأوسط.

وكان «بنك أوف أميركا» للأبحاث العالمية قدّر في تقرير له هذا العام إجمالي اقتصاد الفضاء العالمي في 2021 بما قيمته 469 مليار دولار، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 62.8 في المائة عن تقديرات عام 2011 البالغة 288 مليار دولار. ورجّح أن يستمر اقتصاد الفضاء العالمي في النمو إلى نحو 1.1 تريليون دولار بحلول عام 2030.

وكانت المملكة شهدت في الحادي والعشرين من مايو (أيار) الماضي انطلاق رائديها ريانة برناوي وعلي القرني، في رحلة علمية إلى محطة الفضاء الدولية، وهو ما جسّد حدثاً تاريخياً للمملكة وللعالم على حد سواء.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، وافق مجلس الوزراء على تحويل الهيئة السعودية للفضاء إلى وكالة الفضاء السعودية، فيما يمثل نقلة نوعية في دعم الجهود الوطنية المبذولة لتطوير قطاع الفضاء في المملكة، وتحفيز البحث والابتكار فيه.

وكان مجلس الوزراء أقر في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2022، إنشاء مجلس باسم «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقرر تعديل اسم «هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات» لتكون «هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية».

جذب الاستثمار الفضائي

عبد الله بن زيد المليحي، وهو أحد المستثمرين السعوديين في قطاع الفضاء في السعودية، يتوقع أن يحقق عام 2024 نقلة نوعية في تكنولوجيا صناعة الفضاء في المملكة. ويكشف عن رغبة كبرى الشركات العالمية المتخصصة في الدخول إلى السوق السعودية وتقديم خبراتها وتقنياتها في هذا المجال، وعن توجهٍ لبعض الشركات الأوروبية والأميركية والصينية للدخول في استثمارات مباشرة في السعودية لكونها أصبحت وجهة عالمية واعدة للاستثمار في الفضاء. كما يتوقع ضخ استثمارات محلية وأجنبية جديدة في مشاريع التقنيات والذكاء الاصطناعي وصناعة تكنولوجيا الفضاء بالمملكة قبل نهاية هذا العام.

وكشف في هذا الإطار أن شركة «التميز للتقنية» التي يرأسها، تخطط لتأسيس شركة سعودية لتطوير مشاريع الفضاء بمشاركة شركات عالمية متخصصة.

ونسب المليحي، إلى تقرير ‏«The Space Foundation»، دخول أكثر من ألف مركبة فضائية في عالم الفضاء، بلغت مداراتها في النصف الأول ‏من عام 2022، ما يفوق ما تم إطلاقه في أول 52 عاماً من استكشاف الفضاء ما بين عامي 1957 و2009. وأكد أن مجال الفضاء يكتنز فرصاً واعدة، ستنوع الاقتصادين المحلي والعالمي، الأمر الذي حدا بالعديد من شركات تكنولوجيا الفضاء، لاستكشاف فرص الاستثمار بالمملكة انسجاماً مع توجهات «رؤية 2030».

استكشاف الفرص الواعدة

من جهته، أكد الدكتور أسامة بن غانم العبيدي، المستشار وأستاذ القانون التجاري بمعهد الرياض للإدارة، أن الحكومة السعودية أولت اهتماماً كبيراً لقطاع الفضاء؛ إذ عملت على إنشاء الهيئة السعودية للفضاء، ومن ثم المجلس الأعلى للفضاء، مدللاً على أن إرسال السعودية رائدي فضاء إلى المحطة الفضائية الدولية يعني استراتيجية التوجه، مشيراً إلى أن القطاع يعد محوراً منوعاً للاقتصاد محلياً وإقليمياً ودولياً.

وفق العبيدي، يوجد العديد من الفرص للدول التي ترغب في الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وعلى رأسها السعودية، مؤكداً أن هذا التوجه يدعم مساهمة المملكة في قطاع الفضاء واستثمار العلوم والبحث العلمي والابتكار، كأحد أهم مقومات التميز في هذا الجانب، مشيراً إلى أن الرياض تسعى في ضوء «رؤية 2030» إلى حجز موقعها المناسب على الساحة العالمية في هذا القطاع الحيوي.

وتوقع العبيدي أن تشهد الفترة المقبلة، جذب العديد من الشركات العالمية التي تنشط في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الفضائي، فضلاً عن جذب الاستثمارات والصناعات المرتبطة بصناعة الفضاء، لتمكين نمو القطاع عبر توفير البنية التحتية المناسبة، لافتاً إلى أن التوجه السعودي لتأهيل رواد فضاء للمشاركة في التجارب العلمية والمهام الفضائية، يصب في هذا الاتجاه.

كما لفت العبيدي إلى أن المملكة تهدف إلى إطلاق عدد من الأقمار الاصطناعية للفضاء لخدمة الاتصالات الفضائية المتعددة، في حين تعمل الهيئة السعودية للفضاء على استقطاب عدد من الشركات الناشئة في مجالات الفضاء والاستكشاف واتصالات الأقمار الاصطناعية والفضاء.

تعزيز الاقتصاد الفضائي

رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان بالمملكة، الدكتور عبد الرحمن باعشن، شدد من جهته على أنه باتخاذها للسياسات الاقتصادية المنوعة للموارد، فإن الاستراتيجية السعودية تعمل على تمكين اقتصاد الفضاء في البلاد، في وقت أخذ فيه القطاع يلعب دوراً معززاً للاقتصاد العالمي، مع ارتباطه الوثيق بالصناعات التكنولوجية في مختلف حقول الإنتاج والرعاية وجودة الحياة.

ولفت باعشن إلى أن السعودية، اتخذت خطوات جبارة لتعزيز اقتصادات الفضاء، تنسجم مع التوجه العام لاستدامة التنمية، موضحاً أن إنشاء مركز خاص بالذكاء الاصطناعي لا ينفصل عن الاهتمام بقطاع الفضاء، لكونه يسهم بقوة في تعزيز الاقتصاد الرقمي الفضائي. وأكد أن هذا التوجه يعد أحد أهم منجزات «رؤية السعودية»، لكونها سياسة اقتصادية صناعية فضائية منوعة للاقتصاد، مع تحسين الجهود البحثية وتحفيز قطاع العلوم والابتكار.

وتوقع باعشن أن تنمو الاستثمارات في قطاع الفضاء، في وقت تبحث فيه العديد من الشركات العالمية التي تعمل في تقنيات الفضاء، عن موضع قدم لها في السوق السعودية، وإنشاء مكاتب إقليمية تخدم التوجه الوطني والاقتصاد العالمي. كما توقع أن تحتل المملكة موقعاً مرموقاً في المستقبل القريب في لائحة أكثر الدول تقدماً في صناعة الفضاء، والمستفيد الأكبر من التكنولوجيا الحديثة، عادّاً أن ذلك سيسهم بقوة في تحقيق برامج المملكة وجهودها لتعزيز الاقتصاد الفضائي الرقمي.


مقالات ذات صلة

40 دقيقة من الصمت… لماذا تفقد «ناسا» الاتصال مع روادها خلف القمر؟

تكنولوجيا مشهد «غروب الأرض» خلف القمر خلال مهمة «أرتميس 2» التي حطمت الرقم القياسي لبُعد البشر عن الأرض (أ.ف.ب)

40 دقيقة من الصمت… لماذا تفقد «ناسا» الاتصال مع روادها خلف القمر؟

انقطاع الاتصال خلف القمر ظاهرة طبيعية بسبب غياب خط النظر ما يفرض اعتماداً على الأنظمة الذاتية رغم التقدم التكنولوجي.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق تحت العتمة يتجمَّع ما تبقّى من الزمن (وكالة الفضاء الأوروبية)

خريطة جديدة تُظهر أماكن الجليد على القمر

كشف فريق دولي عن توزيع أكثر دقة للجليد على سطح القمر، ممّا قد يساعد روّاد الفضاء مستقبلاً على تحديد أفضل الأماكن للحصول على المياه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

«أرتيميس 2» في مدار القمر

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لقطة من بث مباشر لوكالة الطيران والفضاء الأميركية «ناسا» فيها رواد فضاء مهمة «أرتميس 2» (أ.ف.ب)

«وثبة عملاقة» للبشرية تدخل «أرتيميس 2» في مدار القمر

وثبة عملاقة للبشرية تُمكِّن الإنسان من رؤية أجزاء من القمر لم ترَها العين المجردة من قبل.

علي بردى (واشنطن)
علوم طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

اجتاز رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس 2»، الاثنين، أبعد نقطة وصل إليها رواد «أبولو» عن الأرض عام 1970، ليحلقوا فوق مناطق غير مكتشفة من القمر.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.