في وقت تعزز فيه السعودية توجهها الاستراتيجي لتمكين قطاع الفضاء، كأحد أهم مقومات تنويع الاقتصاد وتجويد الحياة، تبدي شركات عالمية متخصصة في تكنولوجيا صناعة الفضاء اهتماماً بالاستثمار بهذا القطاع في المملكة وإطلاق شراكات مع نظيراتها السعودية؛ إذ يُتوقع أن يشهد عام 2024 ضخ استثمارات مليارية في هذا القطاع واستكشاف الفرص الواعدة في مجال الفضاء.
وكشفت معلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أن شركات «أستروسات» البريطانية، و«بلاك شارك» النمساوية و«سي 3» الأميركية تخطط للدخول إلى السوق السعودية لتكون المملكة مركزاً رئيسياً لتطوير مشاريع الفضاء في منطقة الشرق الأوسط.
وكان «بنك أوف أميركا» للأبحاث العالمية قدّر في تقرير له هذا العام إجمالي اقتصاد الفضاء العالمي في 2021 بما قيمته 469 مليار دولار، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 62.8 في المائة عن تقديرات عام 2011 البالغة 288 مليار دولار. ورجّح أن يستمر اقتصاد الفضاء العالمي في النمو إلى نحو 1.1 تريليون دولار بحلول عام 2030.
وكانت المملكة شهدت في الحادي والعشرين من مايو (أيار) الماضي انطلاق رائديها ريانة برناوي وعلي القرني، في رحلة علمية إلى محطة الفضاء الدولية، وهو ما جسّد حدثاً تاريخياً للمملكة وللعالم على حد سواء.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، وافق مجلس الوزراء على تحويل الهيئة السعودية للفضاء إلى وكالة الفضاء السعودية، فيما يمثل نقلة نوعية في دعم الجهود الوطنية المبذولة لتطوير قطاع الفضاء في المملكة، وتحفيز البحث والابتكار فيه.
وكان مجلس الوزراء أقر في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2022، إنشاء مجلس باسم «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقرر تعديل اسم «هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات» لتكون «هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية».
جذب الاستثمار الفضائي
عبد الله بن زيد المليحي، وهو أحد المستثمرين السعوديين في قطاع الفضاء في السعودية، يتوقع أن يحقق عام 2024 نقلة نوعية في تكنولوجيا صناعة الفضاء في المملكة. ويكشف عن رغبة كبرى الشركات العالمية المتخصصة في الدخول إلى السوق السعودية وتقديم خبراتها وتقنياتها في هذا المجال، وعن توجهٍ لبعض الشركات الأوروبية والأميركية والصينية للدخول في استثمارات مباشرة في السعودية لكونها أصبحت وجهة عالمية واعدة للاستثمار في الفضاء. كما يتوقع ضخ استثمارات محلية وأجنبية جديدة في مشاريع التقنيات والذكاء الاصطناعي وصناعة تكنولوجيا الفضاء بالمملكة قبل نهاية هذا العام.
وكشف في هذا الإطار أن شركة «التميز للتقنية» التي يرأسها، تخطط لتأسيس شركة سعودية لتطوير مشاريع الفضاء بمشاركة شركات عالمية متخصصة.
ونسب المليحي، إلى تقرير «The Space Foundation»، دخول أكثر من ألف مركبة فضائية في عالم الفضاء، بلغت مداراتها في النصف الأول من عام 2022، ما يفوق ما تم إطلاقه في أول 52 عاماً من استكشاف الفضاء ما بين عامي 1957 و2009. وأكد أن مجال الفضاء يكتنز فرصاً واعدة، ستنوع الاقتصادين المحلي والعالمي، الأمر الذي حدا بالعديد من شركات تكنولوجيا الفضاء، لاستكشاف فرص الاستثمار بالمملكة انسجاماً مع توجهات «رؤية 2030».
استكشاف الفرص الواعدة
من جهته، أكد الدكتور أسامة بن غانم العبيدي، المستشار وأستاذ القانون التجاري بمعهد الرياض للإدارة، أن الحكومة السعودية أولت اهتماماً كبيراً لقطاع الفضاء؛ إذ عملت على إنشاء الهيئة السعودية للفضاء، ومن ثم المجلس الأعلى للفضاء، مدللاً على أن إرسال السعودية رائدي فضاء إلى المحطة الفضائية الدولية يعني استراتيجية التوجه، مشيراً إلى أن القطاع يعد محوراً منوعاً للاقتصاد محلياً وإقليمياً ودولياً.
وفق العبيدي، يوجد العديد من الفرص للدول التي ترغب في الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وعلى رأسها السعودية، مؤكداً أن هذا التوجه يدعم مساهمة المملكة في قطاع الفضاء واستثمار العلوم والبحث العلمي والابتكار، كأحد أهم مقومات التميز في هذا الجانب، مشيراً إلى أن الرياض تسعى في ضوء «رؤية 2030» إلى حجز موقعها المناسب على الساحة العالمية في هذا القطاع الحيوي.
وتوقع العبيدي أن تشهد الفترة المقبلة، جذب العديد من الشركات العالمية التي تنشط في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الفضائي، فضلاً عن جذب الاستثمارات والصناعات المرتبطة بصناعة الفضاء، لتمكين نمو القطاع عبر توفير البنية التحتية المناسبة، لافتاً إلى أن التوجه السعودي لتأهيل رواد فضاء للمشاركة في التجارب العلمية والمهام الفضائية، يصب في هذا الاتجاه.
كما لفت العبيدي إلى أن المملكة تهدف إلى إطلاق عدد من الأقمار الاصطناعية للفضاء لخدمة الاتصالات الفضائية المتعددة، في حين تعمل الهيئة السعودية للفضاء على استقطاب عدد من الشركات الناشئة في مجالات الفضاء والاستكشاف واتصالات الأقمار الاصطناعية والفضاء.
تعزيز الاقتصاد الفضائي
رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان بالمملكة، الدكتور عبد الرحمن باعشن، شدد من جهته على أنه باتخاذها للسياسات الاقتصادية المنوعة للموارد، فإن الاستراتيجية السعودية تعمل على تمكين اقتصاد الفضاء في البلاد، في وقت أخذ فيه القطاع يلعب دوراً معززاً للاقتصاد العالمي، مع ارتباطه الوثيق بالصناعات التكنولوجية في مختلف حقول الإنتاج والرعاية وجودة الحياة.
ولفت باعشن إلى أن السعودية، اتخذت خطوات جبارة لتعزيز اقتصادات الفضاء، تنسجم مع التوجه العام لاستدامة التنمية، موضحاً أن إنشاء مركز خاص بالذكاء الاصطناعي لا ينفصل عن الاهتمام بقطاع الفضاء، لكونه يسهم بقوة في تعزيز الاقتصاد الرقمي الفضائي. وأكد أن هذا التوجه يعد أحد أهم منجزات «رؤية السعودية»، لكونها سياسة اقتصادية صناعية فضائية منوعة للاقتصاد، مع تحسين الجهود البحثية وتحفيز قطاع العلوم والابتكار.
وتوقع باعشن أن تنمو الاستثمارات في قطاع الفضاء، في وقت تبحث فيه العديد من الشركات العالمية التي تعمل في تقنيات الفضاء، عن موضع قدم لها في السوق السعودية، وإنشاء مكاتب إقليمية تخدم التوجه الوطني والاقتصاد العالمي. كما توقع أن تحتل المملكة موقعاً مرموقاً في المستقبل القريب في لائحة أكثر الدول تقدماً في صناعة الفضاء، والمستفيد الأكبر من التكنولوجيا الحديثة، عادّاً أن ذلك سيسهم بقوة في تحقيق برامج المملكة وجهودها لتعزيز الاقتصاد الفضائي الرقمي.



