يلين تحض بكين على «الحوار المباشر» وتعزيز التعاون في تمويل مكافحة التغير المناخي

الصين أسفت لـ«الحوادث غير المتوقعة» التي أضرت بالعلاقات مع الولايات المتحدة

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
TT

يلين تحض بكين على «الحوار المباشر» وتعزيز التعاون في تمويل مكافحة التغير المناخي

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)

بدأت الولايات المتحدة الأميركية خطوات التقرب نحو الصين، وسط ضبابية اقتصادية عالمية، تحتاج إلى التعاون الوثيق بينهما، للتغلب على التحديات الجمة في أكبر اقتصادين في العالم.

ودعت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، بكين، السبت، إلى «الحوار المباشر» مع واشنطن إذا كانت لديهما مخاوف بشأن ممارسات اقتصادية، وأكّدت أنه من الضروري أنّ تواصل الصين والولايات المتحدة العمل معاً بشأن تمويل مكافحة التغير المناخي.

وقالت يلين، التي تواصل اجتماعاتها مع كبار المسؤولين الصينيين في بكين، لنائب رئيس مجلس الدولة، هي ليفينغ، إن المستوى القياسي الذي سجلته التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين في عام 2022 على الرغم من التوترات في الآونة الأخيرة أظهر أن هناك «فرصة كبيرة أمام شركاتنا للتعاون في التجارة والاستثمار».

فيما صرح نائب رئيس الوزراء الصيني، هي ليفينغ، خلال لقائه يلين، أن بلاده تأسف لـ«الحوادث غير المتوقعة» التي أضرت بالعلاقات مع الولايات المتحدة.

وقال: «للأسف، بسبب بعض الحوادث غير المتوقعة مثل ذلك المتعلق بالمنطاد، كان هناك بعض المشاكل في تنفيذ التوافق الذي توصل إليه رئيسا الدولتين» في قمة العام الماضي. ويشير هي ليفينغ إلى حادث المنطاد الصيني الذي أسقطته الولايات المتحدة قبالة ساحلها الشرقي في فبراير وتعتقد واشنطن أنه كان يستخدم لأغراض التجسس على الولايات المتحدة.

غير أن يلين أشارت إلى أنه من المهم الاستمرار في التشاور حول مجالات الاهتمام المشترك وكذلك حول الخلافات.

وعلى الرغم من الحديث عن فك الارتباط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، تظهر بيانات حديثة علاقة تجارية قوية في جوهرها، إذ سجلت التجارة الثنائية مستوى قياسياً بلغ 690 مليار دولار العام الماضي.

وقالت يلين إن الولايات المتحدة ستواصل التعبير مباشرة عن مخاوفها إزاء ممارسات اقتصادية معينة، وستتخذ إجراءات محددة لحماية أمنها القومي. كما حثت الصين على عدم السماح لأي خلافات «أن تؤدي إلى سوء تفاهم، ولا سيما ما يتعلق بقلة الاتصالات، وهو ما يمكن أن يؤدي دون داعٍ إلى تدهور علاقتنا الاقتصادية والمالية الثنائية».

وشهدت الأعوام الماضية ارتفاعاً في حدة التوتر بين واشنطن وبكين، مع اعتبار كل من الرئيسين؛ السابق دونالد ترمب، والحالي جو بايدن، أن الصين تشكّل التهديد الأبرز على المدى الطويل لتفوق الولايات المتحدة عالمياً. إلا أن إدارة الديمقراطي بايدن سعت في الآونة الأخيرة إلى تخفيف حدة التوتر مع الصين وإدارة التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

وتأتي زيارة يلين بعد أيام معدودة من تصريحات للرئيس الصيني شي جينبينغ، تعهد فيها أن تلتزم حكومته تنفيذ الإجراءات اللازمة لحماية المستثمرين الأجانب.

ولدى الولايات المتحدة الأميركية استثمارات بمليارات الدولارات في الصين، وفي حال خروج تلك الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة من ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فمن المتوقع أن ينعكس سلباً على مؤشرات النمو الاقتصادية والبطالة، وهو ما استدعى تأكيداً من الرئيس الصيني حين قال إن «التنمية هي الأولوية القصوى للحزب الشيوعي الصيني في حكم البلاد وإنعاشها... وسنواصل تشجيع الانفتاح رفيع المستوى بقوة، وتوفير حماية أفضل لحقوق ومصالح المستثمرين الأجانب وفقاً للقانون».

وجاءت تصريحات الرئيس الصيني في ظل بيانات اقتصادية محبطة وتوقعات دون المأمول للنمو، حتى بعد رفع القيود الاحترازية لـ«كوفيد». فضلاً عن تقارير مالية تظهر تراجع جاذبية السوق الصينية للشركات الأوروبية، كان آخرها تباطؤ وتيرة نمو نشاط قطاع التصنيع في الصين خلال الشهر الماضي. وتراجع مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع الصادر عن مؤسسة كايشين إلى 50.5 نقطة مقابل 50.9 نقطة خلال مايو الماضي.

وفرضت إدارة بايدن العام الماضي قيوداً على تصدير أشباه الموصلات ومكونات التكنولوجيا الأميركية إلى الصين. وقبل ذلك، كانت قد أبقت على رسوم جمركية فرضها ترمب على منتجات تصدّرها الصين إلى الولايات المتحدة.

إصلاحات للسوق

ودعت يلين إلى إصلاحات للسوق في الصين، وانتقدت الإجراءات الصارمة التي اتخذتها بكين في الآونة الأخيرة ضد الشركات الأميركية والضوابط التي فرضتها على تصدير بعض المعادن، في حين دعاها رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ إلى «التوصل لتسوية مع الصين» وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الصحيح.

وقالت يلين للمسؤول الصيني في اجتماع: «نسعى إلى منافسة اقتصادية سليمة لا تعتمد على مبدأ الفائز يأخذ كل شيء، لكن على مجموعة من القواعد العادلة يستفيد منها البلدان بمرور الوقت». ووصفت وزارة الخزانة الاجتماع بأنه كان «صريحاً وبناء».

فيما صدر بيان من الجانب الصيني يدعو إلى تعزيز الاتصالات والتوافق بشأن القضايا الاقتصادية و«تبادل وجهات النظر العميقة والصريحة والواقعية، من أجل بث الاستقرار والطاقة الإيجابية في العلاقات الاقتصادية الصينية الأميركية».

وأضاف البيان أن «الصين تأمل أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً عقلانياً وعملياً، وأن تتوصل إلى تسوية مع الصين وتدفع العلاقات الصينية الأميركية إلى مسارها الصحيح في القريب العاجل».

وتناولت يلين أيضاً الاقتصاد الصيني المخطط مركزياً، ودعت بكين إلى العودة إلى الممارسات القائمة على السوق التي عززت نموها السريع في السنوات الماضية. وقالت لرجال الأعمال الأميركيين في بكين: «التحول نحو إصلاحات السوق سيكون في مصلحة الصين».

وأضافت: «النهج القائم على السوق ساعد في تحفيز النمو السريع في الصين وساعد على انتشال مئات الملايين من الناس من براثن الفقر. إنها قصة نجاح اقتصادي رائعة».

وأشارت يلين إلى أن الطبقة المتوسطة الهائلة والمتنامية في الصين توفر سوقاً كبيرة للسلع والخدمات الأميركية، وأكدت أن الإجراءات التي تستهدف واشنطن بها الصين تستند إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وقالت: «نسعى للتنوع وليس الفصل... فصل أكبر اقتصادين في العالم من شأنه أن يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي، وسيكون من المستحيل عملياً التعامل معه».

قضايا المناخ

وقالت يلين لمسؤولي الحكومة الصينية وخبراء المناخ إن الولايات المتحدة والصين يجب أن تتعاونا معاً لمكافحة «التهديد الوجودي» الذي يشكله تغير المناخ.

وأوضحت يلين أن التعاون السابق بين البلدين بشأن تغير المناخ جعل من الممكن إحراز تقدم عالمي مثل اتفاق باريس للمناخ عام 2015، مضيفة أن الحكومتين تريدان دعم الأسواق الناشئة والدول النامية في إطار المساعي لتحقيق الأهداف المناخية.

وقالت يلين، في كلمة تم إعدادها مسبقاً لإلقائها خلال مباحثات حول المناخ في بكين، إن «استمرار التعاون بين الولايات المتحدة والصين في تمويل أهداف المناخ أمر بالغ الأهمية».

ولطالما قالت الصين، التي تصنفها الأمم المتحدة ضمن الدول النامية، إن مسؤولية مساعدة الدول الفقيرة على تحمل تكلفة مواجهة تغير المناخ تقع على عاتق الدول المتقدمة. لكن بكين تقول إنها يمكن أن تساهم في مواجهة «الخسائر والأضرار» الناجمة عن تغير المناخ على أساس طوعي.

ونظراً لحجم البلدين، يعد التعاون بين الولايات المتحدة والصين أمراً حيوياً للجهود الدولية لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ.


مقالات ذات صلة

أميركا تستهدف المصافي الصينية وقنوات تصدير النفط

الاقتصاد خزانات النفط والغاز في مستودع للنفط بميناء في تشوهاي بالصين (رويترز)

أميركا تستهدف المصافي الصينية وقنوات تصدير النفط

تتحرك الولايات المتحدة حالياً لسدّ الثغرات المتبقية بنظام العقوبات المفروضة على إيران، في خطوة تُصعّد التوتر مع الصين عبر استهداف قنوات مالية مرتبطة بنفط طهران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد عمال يعملون في مصنع للتعدين في تشونغشان الصينية (رويترز)

اتفاق أميركي أوروبي في قطاع المعادن لمواجهة الهيمنة الصينية

وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الولايات المتحدة للتنسيق بشأن إمدادات المعادن الحيوية اللازمة، في ظل ازدياد القلق من هيمنة الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تصدّر تركمانستان التي تمتلك رابع أكبر احتياطي غاز في العالم معظم إنتاجها إلى الصين (إكس)

الصين وتركمانستان تطلقان مشروع توسعة ثاني أكبر حقل غاز في العالم

أطلقت تركمانستان والصين، أعمال توسعة الإنتاج في حقل غاز «غالكينيش» العملاق، ما يعزز مكانة بكين في قطاع الطاقة في هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات نفط بميناء بحري تابع لشركة «سينوبك» في نانتونغ بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

«سينوبك» الصينية تشتري النفط الروسي لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ذكرت مصادر تجارية عدة أن شركة «سينوبك» الصينية الحكومية للنفط اشترت شحنات من النفط الروسي؛ لتعويض إمدادات النفط الخام من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.


«تاسي» يتراجع 0.5 % إلى 11188 نقطة في آخر جلسات الأسبوع

مستثمران يتابعان شاشة التداول في «السوق المالية السعودية» (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في «السوق المالية السعودية» (رويترز)
TT

«تاسي» يتراجع 0.5 % إلى 11188 نقطة في آخر جلسات الأسبوع

مستثمران يتابعان شاشة التداول في «السوق المالية السعودية» (رويترز)
مستثمران يتابعان شاشة التداول في «السوق المالية السعودية» (رويترز)

أغلق مؤشر «سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)» جلسة الخميس على تراجع بنسبة 0.5 في المائة عند مستوى 11188 نقطة، فيما بلغت قيمة التداولات 7 مليارات ريال.

وعلى صعيد القطاع المصرفي، تراجع سهم «الراجحي» 1.15 في المائة إلى 68.55 ريال، فيما انخفض سهم «الأهلي» 1.5 في المائة إلى 39.28 ريال.

وفي سياق إعلانات النتائج المالية للربع الأول، تراجع سهم «بوبا العربية» للتأمين 4 في المائة، وبالنسبة ذاتها تراجع سهم «المطاحن الأولى».

كما انخفض سهم «أكوا» 0.5 في المائة إلى 168.2 ريال.

في المقابل، ارتفع سهم «أرامكو السعودية» الأثقل وزناً في المؤشر 0.65 في المائة إلى 27.76 ريال.

وقفز سهم «البحري» 2.7 في المائة إلى 36.96 ريال، في أعقاب إعلان الشركة ارتفاع أرباح الربع الأول لعام 2026 إلى 2.15 مليار ريال.

كما ارتفع سهم «الحفر العربية» 4 في المائة إلى 90.90 ريال.


الاقتصاد الأميركي يسجل انتعاشاً مؤقتاً في الربع الأول

عَلَم الولايات المتحدة قرب مبنى «الكابيتول» (رويترز)
عَلَم الولايات المتحدة قرب مبنى «الكابيتول» (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يسجل انتعاشاً مؤقتاً في الربع الأول

عَلَم الولايات المتحدة قرب مبنى «الكابيتول» (رويترز)
عَلَم الولايات المتحدة قرب مبنى «الكابيتول» (رويترز)

سجل الاقتصاد الأميركي انتعاشاً في الربع الأول من العام، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الحكومي، عقب فترة إغلاق حكومي مكلِّفة، إلا أن هذا التحسن يُنظَر إليه على نطاق واسع بوصفه مؤقتاً، في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود، بما ينعكس سلباً على ميزانيات الأُسر.

وأفاد مكتب التحليل الاقتصادي، التابع لوزارة التجارة، في تقديره الأولي، بأن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بمعدل سنوي قدره 2 في المائة، خلال الربع الأول، مقارنة بتباطؤ بلغ 0.5 في المائة خلال الربع السابق، حين شكّل تراجع الإنفاق الحكومي الفيدرالي عبئاً كبيراً على النمو، وفق «رويترز».

وجاءت هذه القراءة دون توقعات الاقتصاديين التي أشارت إلى نمو قدره 2.3 في المائة، مع تباين التقديرات بين انكماش طفيف ونمو قوي. وارتبط جزء من التحسن بانتعاش جزئي في الإنفاق الحكومي بعد التراجع السابق.

في المقابل، واصل الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات دعم إنفاق الشركات على المُعدات، بينما تباطأ نمو الاستهلاك الخاص، وهو المحرك الأساسي للاقتصاد الأميركي، حتى قبل تأثيرات الحرب التي رفعت أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولارات للجالون.

وتفاقم الضغط على الأُسر مع ارتفاع تكلفة المعيشة، ما انعكس سلباً على ثقة المستهلكين، في وقتٍ أظهرت فيه استطلاعات رأي تراجع الرضا عن الأداء الاقتصادي، وهو ما قد يخلق تداعيات سياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

سوق العمل والسياسة النقدية

وفي ظل هذه التطورات، من المتوقع أن يدعم النمو الحالي توجه الأسواق نحو بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما حتى عام 2027، ما لم تشهد سوق العمل تدهوراً ملحوظاً.

وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى سعر الفائدة الرئيسي ضِمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، مشيراً إلى استمرار المخاوف من التضخم.

وسجلت سوق العمل تباطؤاً نسبياً، إذ بلغ متوسط خلق الوظائف 68 ألف وظيفة شهرياً، خلال الربع الأول، مقارنة بـ20 ألف وظيفة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مع تراجع واضح عن مستويات عاميْ 2023 و2024، في ظل تأثيرات السياسات التجارية والهجرة.

كما أسهم ضعف سوق العمل في تباطؤ نمو الأجور، في حين أدت الرسوم الجمركية إلى رفع أسعار بعض السلع، رغم أن أثرها على التضخم العام بقي محدوداً نسبياً.

ويشير اقتصاديون إلى أن المستهلكين لجأوا إلى مدّخراتهم أو خفّضوها للحفاظ على مستويات الإنفاق، وهو اتجاه غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، مع تراجع معدل الادخار إلى 4 في المائة خلال فبراير (شباط) الماضي.

وحذّر محللون من أن ارتفاع التضخم قد يقلّص أثر التحفيز الضريبي المتوقع، في وقتٍ يُتوقع فيه تراجع تأثير الإعفاءات الضريبية، ما قد يؤدي إلى ضعف إضافي في الإنفاق خلال العام الحالي.

وفي الأفق، يتوقع اقتصاديون أن تبدأ تداعيات الحرب في الشرق الأوسط الضغط على النمو الاقتصادي، ابتداءً من الربع الثاني من العام.