يلين تحض بكين على «الحوار المباشر» وتعزيز التعاون في تمويل مكافحة التغير المناخي

الصين أسفت لـ«الحوادث غير المتوقعة» التي أضرت بالعلاقات مع الولايات المتحدة

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
TT

يلين تحض بكين على «الحوار المباشر» وتعزيز التعاون في تمويل مكافحة التغير المناخي

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين تلتقي نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ في بكين 8 يوليو 2023 (أ.ب)

بدأت الولايات المتحدة الأميركية خطوات التقرب نحو الصين، وسط ضبابية اقتصادية عالمية، تحتاج إلى التعاون الوثيق بينهما، للتغلب على التحديات الجمة في أكبر اقتصادين في العالم.

ودعت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، بكين، السبت، إلى «الحوار المباشر» مع واشنطن إذا كانت لديهما مخاوف بشأن ممارسات اقتصادية، وأكّدت أنه من الضروري أنّ تواصل الصين والولايات المتحدة العمل معاً بشأن تمويل مكافحة التغير المناخي.

وقالت يلين، التي تواصل اجتماعاتها مع كبار المسؤولين الصينيين في بكين، لنائب رئيس مجلس الدولة، هي ليفينغ، إن المستوى القياسي الذي سجلته التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين في عام 2022 على الرغم من التوترات في الآونة الأخيرة أظهر أن هناك «فرصة كبيرة أمام شركاتنا للتعاون في التجارة والاستثمار».

فيما صرح نائب رئيس الوزراء الصيني، هي ليفينغ، خلال لقائه يلين، أن بلاده تأسف لـ«الحوادث غير المتوقعة» التي أضرت بالعلاقات مع الولايات المتحدة.

وقال: «للأسف، بسبب بعض الحوادث غير المتوقعة مثل ذلك المتعلق بالمنطاد، كان هناك بعض المشاكل في تنفيذ التوافق الذي توصل إليه رئيسا الدولتين» في قمة العام الماضي. ويشير هي ليفينغ إلى حادث المنطاد الصيني الذي أسقطته الولايات المتحدة قبالة ساحلها الشرقي في فبراير وتعتقد واشنطن أنه كان يستخدم لأغراض التجسس على الولايات المتحدة.

غير أن يلين أشارت إلى أنه من المهم الاستمرار في التشاور حول مجالات الاهتمام المشترك وكذلك حول الخلافات.

وعلى الرغم من الحديث عن فك الارتباط الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، تظهر بيانات حديثة علاقة تجارية قوية في جوهرها، إذ سجلت التجارة الثنائية مستوى قياسياً بلغ 690 مليار دولار العام الماضي.

وقالت يلين إن الولايات المتحدة ستواصل التعبير مباشرة عن مخاوفها إزاء ممارسات اقتصادية معينة، وستتخذ إجراءات محددة لحماية أمنها القومي. كما حثت الصين على عدم السماح لأي خلافات «أن تؤدي إلى سوء تفاهم، ولا سيما ما يتعلق بقلة الاتصالات، وهو ما يمكن أن يؤدي دون داعٍ إلى تدهور علاقتنا الاقتصادية والمالية الثنائية».

وشهدت الأعوام الماضية ارتفاعاً في حدة التوتر بين واشنطن وبكين، مع اعتبار كل من الرئيسين؛ السابق دونالد ترمب، والحالي جو بايدن، أن الصين تشكّل التهديد الأبرز على المدى الطويل لتفوق الولايات المتحدة عالمياً. إلا أن إدارة الديمقراطي بايدن سعت في الآونة الأخيرة إلى تخفيف حدة التوتر مع الصين وإدارة التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

وتأتي زيارة يلين بعد أيام معدودة من تصريحات للرئيس الصيني شي جينبينغ، تعهد فيها أن تلتزم حكومته تنفيذ الإجراءات اللازمة لحماية المستثمرين الأجانب.

ولدى الولايات المتحدة الأميركية استثمارات بمليارات الدولارات في الصين، وفي حال خروج تلك الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة من ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فمن المتوقع أن ينعكس سلباً على مؤشرات النمو الاقتصادية والبطالة، وهو ما استدعى تأكيداً من الرئيس الصيني حين قال إن «التنمية هي الأولوية القصوى للحزب الشيوعي الصيني في حكم البلاد وإنعاشها... وسنواصل تشجيع الانفتاح رفيع المستوى بقوة، وتوفير حماية أفضل لحقوق ومصالح المستثمرين الأجانب وفقاً للقانون».

وجاءت تصريحات الرئيس الصيني في ظل بيانات اقتصادية محبطة وتوقعات دون المأمول للنمو، حتى بعد رفع القيود الاحترازية لـ«كوفيد». فضلاً عن تقارير مالية تظهر تراجع جاذبية السوق الصينية للشركات الأوروبية، كان آخرها تباطؤ وتيرة نمو نشاط قطاع التصنيع في الصين خلال الشهر الماضي. وتراجع مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع الصادر عن مؤسسة كايشين إلى 50.5 نقطة مقابل 50.9 نقطة خلال مايو الماضي.

وفرضت إدارة بايدن العام الماضي قيوداً على تصدير أشباه الموصلات ومكونات التكنولوجيا الأميركية إلى الصين. وقبل ذلك، كانت قد أبقت على رسوم جمركية فرضها ترمب على منتجات تصدّرها الصين إلى الولايات المتحدة.

إصلاحات للسوق

ودعت يلين إلى إصلاحات للسوق في الصين، وانتقدت الإجراءات الصارمة التي اتخذتها بكين في الآونة الأخيرة ضد الشركات الأميركية والضوابط التي فرضتها على تصدير بعض المعادن، في حين دعاها رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ إلى «التوصل لتسوية مع الصين» وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الصحيح.

وقالت يلين للمسؤول الصيني في اجتماع: «نسعى إلى منافسة اقتصادية سليمة لا تعتمد على مبدأ الفائز يأخذ كل شيء، لكن على مجموعة من القواعد العادلة يستفيد منها البلدان بمرور الوقت». ووصفت وزارة الخزانة الاجتماع بأنه كان «صريحاً وبناء».

فيما صدر بيان من الجانب الصيني يدعو إلى تعزيز الاتصالات والتوافق بشأن القضايا الاقتصادية و«تبادل وجهات النظر العميقة والصريحة والواقعية، من أجل بث الاستقرار والطاقة الإيجابية في العلاقات الاقتصادية الصينية الأميركية».

وأضاف البيان أن «الصين تأمل أن تتخذ الولايات المتحدة موقفاً عقلانياً وعملياً، وأن تتوصل إلى تسوية مع الصين وتدفع العلاقات الصينية الأميركية إلى مسارها الصحيح في القريب العاجل».

وتناولت يلين أيضاً الاقتصاد الصيني المخطط مركزياً، ودعت بكين إلى العودة إلى الممارسات القائمة على السوق التي عززت نموها السريع في السنوات الماضية. وقالت لرجال الأعمال الأميركيين في بكين: «التحول نحو إصلاحات السوق سيكون في مصلحة الصين».

وأضافت: «النهج القائم على السوق ساعد في تحفيز النمو السريع في الصين وساعد على انتشال مئات الملايين من الناس من براثن الفقر. إنها قصة نجاح اقتصادي رائعة».

وأشارت يلين إلى أن الطبقة المتوسطة الهائلة والمتنامية في الصين توفر سوقاً كبيرة للسلع والخدمات الأميركية، وأكدت أن الإجراءات التي تستهدف واشنطن بها الصين تستند إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وقالت: «نسعى للتنوع وليس الفصل... فصل أكبر اقتصادين في العالم من شأنه أن يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي، وسيكون من المستحيل عملياً التعامل معه».

قضايا المناخ

وقالت يلين لمسؤولي الحكومة الصينية وخبراء المناخ إن الولايات المتحدة والصين يجب أن تتعاونا معاً لمكافحة «التهديد الوجودي» الذي يشكله تغير المناخ.

وأوضحت يلين أن التعاون السابق بين البلدين بشأن تغير المناخ جعل من الممكن إحراز تقدم عالمي مثل اتفاق باريس للمناخ عام 2015، مضيفة أن الحكومتين تريدان دعم الأسواق الناشئة والدول النامية في إطار المساعي لتحقيق الأهداف المناخية.

وقالت يلين، في كلمة تم إعدادها مسبقاً لإلقائها خلال مباحثات حول المناخ في بكين، إن «استمرار التعاون بين الولايات المتحدة والصين في تمويل أهداف المناخ أمر بالغ الأهمية».

ولطالما قالت الصين، التي تصنفها الأمم المتحدة ضمن الدول النامية، إن مسؤولية مساعدة الدول الفقيرة على تحمل تكلفة مواجهة تغير المناخ تقع على عاتق الدول المتقدمة. لكن بكين تقول إنها يمكن أن تساهم في مواجهة «الخسائر والأضرار» الناجمة عن تغير المناخ على أساس طوعي.

ونظراً لحجم البلدين، يعد التعاون بين الولايات المتحدة والصين أمراً حيوياً للجهود الدولية لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ.


مقالات ذات صلة

«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

تحليل إخباري بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس) p-circle

«باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

يرى محللون أن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد صورة لأفق العاصمة الصينية بكين (رويترز)

الصين تحث الشركات المملوكة للدولة على تحسين استثماراتها الخارجية

دعت الصين الشركات الحكومية إلى تطوير استراتيجيات استثماراتها الخارجية وتعزيز الضمانات الأمنية وذلك في إطار سعي بكين إلى توسيع الانتشار العالمي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محطة وقود تابعة لشركة سينوبك الصينية العملاقة لتكرير النفط ببكين (رويترز)

«سينوبك» تتوقع تراجع الطلب على النفط في الصين 9 % خلال 2026

توقعت الذراع البحثية لمؤسسة (سينوبك)، أن ينخفض الطلب على النفط في الصين بمقدار 600 ألف برميل يومياً في 2026، أو ما يعادل 8.9 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مهندس يقوم بتهيئة روبوت خلال فعاليات سيميكون تايوان 2026 في تايبيه 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

محادثات متوقعة بين أميركا والصين حول سلامة الذكاء الاصطناعي في سبتمبر

تستعد أميركا والصين لمناقشة مخاطر سلامة الذكاء الاصطناعي خلال حوار مقرر في منتصف سبتمبر، وذلك في وقت تصل فيه قدرات الذكاء الاصطناعي لنقطة تحول عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يسير في محطة طاقة شمسية تحت الإنشاء بمنطقة شينجيانغ الصينية (رويترز)

قدرة الطاقة الشمسية في الصين تتخطى المحطات العاملة بالفحم للمرة الأولى

تجاوزت القدرة المركّبة لألواح الطاقة الشمسية في الصين للمرة الأولى قدرة المحطات العاملة بالفحم، على ما أعلنت الإدارة المختصة، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بكين)

أسعار النحاس تنخفض مع صعود الدولار وارتفاع تكلفة الشراء

عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
TT

أسعار النحاس تنخفض مع صعود الدولار وارتفاع تكلفة الشراء

عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)
عامل يتفقد أعمال الحفر والتطوير داخل منجم «كوبار» للنحاس تحت الأرض في ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى خلال تعاملات يوم الأربعاء، تحت ضغط ارتفاع الدولار الأميركي، الذي زاد من تكلفة شراء السلع المقومة بالعملة الأميركية للمستوردين حول العالم.

وانخفض سعر النحاس القياسي لعقود الثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.66 في المائة، ليصل إلى 14651 دولاراً للطن المتري بحلول الساعة 03:00 بتوقيت غرينيتش. كما تراجع عقد النحاس الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.23 في المائة إلى 110960 يواناً (16550.57 دولاراً) للطن، وفق «رويترز».

وجاء هذا التراجع بعد صعود الدولار الأميركي خلال تداولات متقلبة ليل الثلاثاء، وسط تأثيرات متباينة ناجمة عن تقلب أسعار النفط واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

وعادة ما يؤدي ارتفاع الدولار إلى الضغط على أسعار السلع المقومة به، مثل النحاس؛ إذ تصبح أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

ورغم هذا الضغط، لا تزال السوق تحظى بدعم من الطلب القوي في الصين، أكبر مستهلك للنحاس في العالم. فقد انخفض مؤشر «يانغشان بريميوم»، الذي يقيس شهية الصين لاستيراد النحاس، إلى 117 دولاراً للطن يوم الثلاثاء، ولكنه ظل أعلى بنسبة 62.5 في المائة مقارنة ببداية الشهر الجاري.

وكان الطلب الصيني قد تلقى دعماً من عمليات شراء استباقية قبل توقف بعض المصاهر عن العمل خلال العطلات الرسمية المقبلة، المقررة بين 25 و27 سبتمبر (أيلول)، إضافة إلى عطلة الأسبوع الذهبي الممتدة من 1 إلى 7 أكتوبر (تشرين الأول).

كما استفادت أسعار النحاس خلال الأشهر الماضية من زيادة الواردات إلى الولايات المتحدة، تحسباً لفرض رسوم جمركية محتملة على النحاس المكرر. غير أن هذا الدعم تراجع بعد تقرير أشار إلى مخاوف لدى مسؤولين أميركيين من أن تؤدي الرسوم المحتملة إلى زيادة تكاليف الإنتاج على المصنّعين المحليين.

وفي هذا السياق، أوضح محللو شركة «جينروي فيوتشرز» الصينية للوساطة أن «الواردات الأميركية الأسبوعية بدأت في التراجع»، في إشارة إلى انحسار أحد أبرز عوامل الدعم للسوق.

وفي أسواق المعادن الأخرى، ارتفع النيكل في بورصة شنغهاي بنسبة 1.16 في المائة، بعدما صعدت أسعاره في بورصة لندن مساء الثلاثاء، إثر إعلان مجمع «إندونيسيا موروالي الصناعي»، أحد أكبر مراكز إنتاج النيكل في إندونيسيا، أن نقص إمدادات المياه أجبر بعض المصاهر على خفض إنتاج الحديد الخام المحتوي على النيكل.

أما في بورصة لندن للمعادن، فقد تراجع الألمنيوم بنسبة 0.63 في المائة، والزنك 0.68 في المائة، والرصاص 0.52 في المائة، والنيكل 0.43 في المائة، والقصدير 0.38 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي، انخفض الألمنيوم بنسبة 0.14 في المائة، والزنك 0.47 في المائة والرصاص 0.4 في المائة، بينما سجل القصدير ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.11 في المائة.


صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
TT

صندوق النقد: اقتصاد سريلانكا يبدي مرونة أمام الصدمات رغم مخاطر الحرب

امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)
امرأة تمشي داخل مقر البنك المركزي السريلانكي في كولومبو بسريلانكا (رويترز)

أبدى اقتصاد سريلانكا قدرة على الصمود أمام سلسلة من الصدمات، مع تسجيله نمواً قوياً خلال الربع الثاني من العام، رغم ارتفاع التضخم إلى 8 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) نتيجة صدمة ارتفاع أسعار النفط العالمية، وفق صندوق النقد الدولي، محذراً من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط والسياسات التجارية العالمية وظاهرة «إل نينيو» تبقي المخاطر المحيطة بالاقتصاد مائلة إلى الجانب السلبي.

وقال فريق من خبراء الصندوق، في ختام زيارة إلى سريلانكا استمرت من 10 إلى 23 سبتمبر (أيلول)، إن النشاط الاقتصادي نما 4.2 في المائة في الربع الثاني من 2026، مسجلاً 11 ربعاً متتالياً من النمو القوي، بينما ارتفعت الاحتياطيات الرسمية الإجمالية إلى 6.9 مليار دولار بنهاية أغسطس.

وأشار الصندوق إلى أن توقعات التضخم لا تزال مستقرة على نطاق واسع، بينما تحافظ البنوك على مستويات جيدة من رأس المال والربحية، كما جاءت النتائج المالية خلال النصف الأول من العام قوية، واقتربت عملية إعادة هيكلة الديون من الاكتمال.

الحرب والتجارة تضغطان على التوقعات

ورغم التحسن في المؤشرات الاقتصادية، حذَّر الصندوق من مخاطر مرتبطة بعدم اليقين بشأن مدة الحرب في الشرق الأوسط وشدتها، إلى جانب تطورات السياسة التجارية العالمية وتأثيرات ظاهرة «إل نينيو».

وقال رئيس بعثة الصندوق إلى سريلانكا، إيفان باباجيورجيو، إن الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي في بيئة معرضة للصدمات يتطلب التزاماً ثابتاً بالسياسات والإصلاحات الحذرة، بهدف إعادة بناء الهوامش المالية والخارجية، والحفاظ على استقرار الأسعار، وتعزيز الحوكمة، إلى جانب تقوية شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.

ودعا الصندوق إلى وضع وتنفيذ استراتيجية متوسطة الأجل للإيرادات بهدف تعزيز الإيرادات الحكومية، مع تحسين كفاءة وعدالة النظام الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وترشيد الإعفاءات والحوافز، إلى جانب تعزيز إدارة الإيرادات لتحسين الامتثال الضريبي وتحقيق مكاسب مستدامة.

كما شدد على أهمية مواصلة تسعير الطاقة وفق مبدأ استرداد التكلفة، للحد من المخاطر المالية الناجمة عن الشركات المملوكة للدولة، ومعالجة العقبات التي تعوق تنفيذ الإنفاق الرأسمالي.

الإبقاء على هدف التضخم عند 5 %

وفي السياسة النقدية، رأى الصندوق أن على البنك المركزي أن يكون مستعداً للتعامل مع ضغوط التضخم، والحفاظ على استقرار الأسعار ضمن إطار استهداف التضخم المرن.

كما دعا إلى مزيد من المرونة في سعر الصرف، للمساعدة في امتصاص الصدمات ودعم تراكم الاحتياطيات. وقال إنه سيكون من الحكمة، عند إجراء المراجعة القانونية الأولى، الإبقاء على هدف التضخم عند 5 في المائة ونطاق المساءلة الحالي.

وأوضح الصندوق أن الهدف الحالي يوفر لسريلانكا المرونة اللازمة في مواجهة التقلبات الكبيرة في أسعار الغذاء والطاقة؛ مشيراً إلى أنه يمكن النظر في الانتقال إلى هدف أقل في المراجعة المقبلة، بعد بناء سجل من التضخم المنخفض والمستقر.

من الاستقرار إلى التحول

وأكد الصندوق أن الانتقال من مرحلة تثبيت الاقتصاد إلى مرحلة التحول يتطلب استمرار الزخم في الإصلاحات الهيكلية، لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، بما في ذلك تحرير التجارة، وتحديث أنظمة الأعمال والعمل، وتوسيع الوصول إلى التمويل، وتسريع التحول الرقمي.

وأشار إلى أن ترسيخ سجل من السياسات السليمة وتنفيذ الإصلاحات سيساعد سريلانكا على تعزيز قدرتها على الصمود واستعادة الثقة بصورة مستدامة، ورفع مستويات المعيشة من خلال نمو قوي وشامل.

وجاءت زيارة فريق الصندوق في إطار مباحثات المراجعة السابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد، إلى جانب مشاورات المادة الرابعة لعام 2026.

وقال الصندوق إن المناقشات ستتواصل خلال الفترة القريبة، بهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن السياسات والمعايير اللازمة لاستكمال المراجعة السابعة.


الصكوك والسندات السعودية تفتح مساراً جديداً للوصول إلى السيولة

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
TT

الصكوك والسندات السعودية تفتح مساراً جديداً للوصول إلى السيولة

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

​تدخل سوق الصكوك والسندات السعودية المقوّمة بالريال مرحلة جديدة في تطوير التداول الثانوي، مع ربط تنفيذ الصفقات إلكترونياً بعمليات المقاصة والتسوية داخل السوق المحلية.

ولا تقتصر دلالة الخطوة على رقمنة تنفيذ الصفقات؛ بل تمتد إلى تسهيل الوصول إلى السيولة وتحسين اكتشاف الأسعار وتقليص الإجراءات اليدوية. وتبرز أهمية هذا الربط أيضاً في تجارب أسواق دولية طوّرت التداول الإلكتروني بالتوازي مع تكامل البنية المحلية لما بعد التداول.

وتأتي الآلية الجديدة مع إتاحة التداول الإلكتروني للمستثمرين والمتعاملين المحليين عبر نظام تداول بديل تديره «تريدويب»، إلى جانب المسار الذي أُتيح للمستثمرين الدوليين منذ إطلاق النظام في السعودية العام الماضي.

وأفادت «تريدويب» (Tradeweb) الأميركية، المشغِّلة في السعودية لنظام تداول بديل مرخص من هيئة السوق المالية لتداول الصكوك وأدوات الدين، بأن «جي آي بي كابيتال» والبنك السعودي الأول نفذا أول صفقة محلية عبر النظام، بينما أُحيلت تفاصيل الصفقة إلى شركة مركز مقاصة الأوراق المالية (مقاصة) لاستكمال إجراءات ما بعد التداول، ثم إلى شركة مركز إيداع الأوراق المالية (إيداع) لإتمام التسوية.

وتختلف الآلية الجديدة عن مجرد إضافة قناة إلكترونية لتنفيذ الصفقات؛ إذ تربط مراحل التنفيذ وما بعد التداول ضمن مسار واحد. ويتيح النظام للمستثمر المحلي طلب عروض أسعار من المتعاملين المؤهلين ومقارنتها إلكترونياً، قبل إرسال تفاصيل الصفقة المنفذة إلى «مقاصة» التي تتولى إصدار تعليمات التسوية إلى «إيداع». وتقتصر المشاركة على المستثمرين المحترفين والمتعاملين المحليين المستوفين متطلبات التسجيل والحسابات لدى الجهات المعنية.

وقبل إطلاق الآلية الجديدة، كانت عملية تنفيذ الصفقات والتسوية المحلية تتم عبر مسارات منفصلة، ما قد يتطلب نقل تفاصيل الصفقة أو إدخالها بين أنظمة مختلفة. أما النموذج الجديد، فيوفر سجلاً إلكترونياً متصلاً من تنفيذ الصفقة إلى مراحل ما بعد التداول، بما يقلل تكرار إدخال البيانات والتدخل اليدوي، ويحسّن قابلية تتبع العملية وتدقيقها، من دون تغيير طبيعة الصفقات الثنائية أو ترتيبات التسوية المحلية المعمول بها.

وقال المدير العام والرئيس المشارك للأسواق العالمية في «تريدويب»، إنريكو بروني، لـ«الشرق الأوسط»، إن التداول الإلكتروني لا يخلق السيولة بحد ذاته، ولكنه يجعل السيولة القائمة أسهل في الوصول والعثور عليها.

وأوضح أن آلية طلب عروض الأسعار تتيح للمستثمرين مقارنة الأسعار المقدمة من المتعاملين المؤهلين من خلال عملية موحدة وقابلة للتتبع، مضيفاً أن زيادة عدد العملاء والمتعاملين المستخدمين للآلية يمكن أن تدعم -بمرور الوقت- كفاءة اكتشاف الأسعار وتعميق السوق الثانوية.

المدير العام والرئيس المشارك للأسواق العالمية في «تريدويب» إنريكو بروني (تريدويب)

من السوق الدولية إلى التداول المحلي

وتأتي الخطوة بعد إطلاق نظام التداول البديل في السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، والذي أتاح في مرحلته الأولى للمستثمرين الدوليين التداول الإلكتروني في الصكوك وأدوات الدين المقوّمة بالريال. وشهدت المرحلة الأولى صفقات بين مؤسسات دولية، من بينها «بلاك روك» و«بي إن بي باريبا» و«غولدمان ساكس».

ومع إضافة المسار المحلي، أصبح النظام يتيح قناة إلكترونية للمؤسسات والمتعاملين داخل السعودية، مع إبقاء عمليات ما بعد التداول والتسوية ضمن البنية التحتية المحلية. ويعني ذلك أن عملية تنفيذ الصفقة يمكن أن تبدأ إلكترونياً من طلب عروض الأسعار، وتنتهي ضمن مسار محلي للمقاصة والتسوية.

ولا تزال المنصة في مرحلة مبكرة من تطورها، ولم يقدم بروني بيانات محددة عن أحجام التداول منذ إطلاقها. وقال إن النشاط بدأ في التركيز على إتاحة أدوات الدين المقوّمة بالريال للمستثمرين الدوليين، قبل إضافة مسار للتداول بين المشاركين المحليين.

السيولة واكتشاف الأسعار

ولا يرى بروني أن التحول إلى التداول الإلكتروني يخلق السيولة من تلقاء نفسه، وإنما يمكن أن يجعل السيولة المتاحة أصلاً أسهل في الوصول إليها. ومع اتساع قاعدة المشاركين، يمكن لتوحيد آلية طلب عروض الأسعار ومقارنة عروض المتعاملين أن يساعد في تحسين اكتشاف الأسعار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مع اتساع سوق الدين بالريال السعودي وزيادة مشاركة المستثمرين الدوليين. ومن المنتظر أن تدخل أدوات الدين الحكومية السعودية في مؤشر «جي بي مورغان» للسندات الحكومية للأسواق الناشئة على مراحل، بدءاً من يناير (كانون الثاني) 2027، وهو ما يوسّع قاعدة المستثمرين الذين يتتبعون المؤشر أو يستثمرون في أدواته.

وقد يمثل اتساع قاعدة المستثمرين الدوليين، إلى جانب نمو المشاركة المحلية، عاملاً في زيادة الحاجة إلى آليات أكثر كفاءة للوصول إلى سيولة المتعاملين واكتشاف الأسعار؛ خصوصاً مع تطور السوق الثانوية.

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

مجالات للتوسع

ولا تقتصر فرص زيادة التداول الإلكتروني مستقبلاً على الصكوك الحكومية وأدوات الدين المقوّمة بالريال؛ إذ تشمل المجالات المحتملة السندات المؤسسية واتفاقيات إعادة الشراء والمشتقات، وفق ما ذكره بروني، على أن يرتبط إدخال هذه الأدوات بطلب العملاء وتوفر السيولة والموافقات التنظيمية اللازمة. وكانت هيئة السوق المالية قد رخصت «تريدويب» لمزاولة نشاط السوق في شكل نظام تداول بديل للصكوك وأدوات الدين.

وتتيح البنية الحالية إضافة منتجات وآليات تداول أخرى، مع الحفاظ على هياكل الحسابات وترتيبات التسوية وممارسات التداول المعمول بها في السوق السعودية، وفق الشركة.

ويقول بروني إن نجاح الآلية خلال العامين أو الثلاثة المقبلة لن يقاس بحجم تداول محدد، وإنما باتساع قاعدة المستثمرين المحليين والدوليين المستخدمين لها بصورة منتظمة، ونمو شبكة مزودي السيولة، واتساع نطاق الأدوات المتداولة.

وبذلك يتركز أثر المسار الجديد على الجانب التشغيلي من السوق الثانوية، عبر تقليص الفاصل بين تنفيذ الصفقة وتسويتها، وتسهيل الوصول إلى السيولة المحلية، بما قد يدعم تطور تداول الصكوك والسندات المقوّمة بالريال السعودي مع اتساع قاعدة المشاركين.