تطورات الاقتصاد السعودي تختبر قدرات مجالس الأعمال على المواكبة

مختصون لـ «الشرق الأوسط» : الطاقة الخضراء والصناعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي تتصدر الشراكات المطلوبة

أعلام السعودية في أحد الطرق التجارية بالعاصمة الرياض. (الشرق الأوسط)
أعلام السعودية في أحد الطرق التجارية بالعاصمة الرياض. (الشرق الأوسط)
TT

تطورات الاقتصاد السعودي تختبر قدرات مجالس الأعمال على المواكبة

أعلام السعودية في أحد الطرق التجارية بالعاصمة الرياض. (الشرق الأوسط)
أعلام السعودية في أحد الطرق التجارية بالعاصمة الرياض. (الشرق الأوسط)

في ظل التوجه السعودي لتنويع الاقتصاد وتوطين الصناعات الجديدة وتكنولوجيا الطاقة الخضراء والأمونيا والهيدروجين والمناخ والذكاء الاصطناعي، شدد مختصون على ضرورة أن تتصدر مجالس الأعمال التي تندرج تحت عباءة اتحاد الغرف السعودية، الدور المطلوب لمواكبة المتغيرات الجديدة في التوجه الاقتصادي والصناعي النوعي الحديث.

وشدد المختصون على ضرورة تبني مجالس الأعمال خريطة طريق عمل تمكّنها من جلب أفضل وأكبر الاستثمارات والشراكات النوعية المحققة للأهداف المطلوبة، وصناعة أفضل المنتجات ذات الجودة المنافسة عالمياً، وتعمل على نقل أفضل التجارب العالمية المبتكرة في مختلف المجالات، لا سيما مجال الفضاء والتكنولوجيا.

تنمية العلاقات التجارية

قال فضل بن سعد البوعينين، عضو مجلس الشورى: «لمجالس الأعمال دور مهم ورئيسي في تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتدفق الاستثمارات بين السعودية ودول العالم، كما أنها تعزز التعاون المشترك، وتسهم في ترجمة الفرص التجارية والاستثمارية إلى شراكات محسوسة ونوعية».

وأضاف البوعينين: «كلما حظيت مجالس الأعمال برعاية القيادة وتوجيهها، يصبح دورها أكثر فاعلية في التنمية عموماً، فالسعودية حريصة على تعزيز دور القطاع الخاص من خلال مجالس الأعمال المشتركة، ويتنامى دعمها وفق رؤية حكومية لتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بعض الدول الشقيقة والصديقة لتتحول تلك المجالس إلى جسر للتنمية وتدفق الاستثمارات وفق رؤية شاملة».

وزاد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن من ضمن القطاع الخاص تأتي الشركات الكبرى التي تسيطر الحكومة على النسبة الأكبر من ملكيتها، وبالتالي يتمازج القرار الاقتصادي مع القرار التنموي السيادي، وبما يحقق المصلحة العامة.

وتابع: «وفقاً لذلك، أعتقد أن هناك تفاوتاً كبيراً بين أداء مجالس الأعمال؛ فبعضها يتميز بكفاءة عالية ونجح في استثمار الفرص وتحويلها إلى شراكات نوعية معززة للقطاع الخاص، والتنمية المشتركة، وحجم الاستثمارات والتبادل التجاري».

وأقر البوعينين، في الوقت نفسه، بأن كثيراً من مجالس الأعمال عجزت عن تحقيق أهدافها التي أُنشِئت من أجلها، وتحولت إلى مجالس بروتوكولية وبعيدة كل البعد عن مد جسور الشراكات الاقتصادية والتجارية التي يُعول عليها الكثير، الأمر الذي يستدعي هيكلتها بشكل ينسجم مع متغيرات المرحلة والتوجه الاقتصادي السعودي.

الطاقة الخضراء

وعن التوجهات الجديدة التي من المفترض أن تركز عليها مجالس الأعمال، شدد البوعينين على ضرورة العمل على استكشاف فرص تنمية الاقتصاد الأخضر، بوصفها من الأهداف الرئيسية للبلاد، مبيناً أن هناك حزمة مبادرات، من استثمارات مالية تزيد قيمتها على700 مليار ريال (186.6 مليار دولار).

وفي رأي البوعينين، فإن ذلك يعني التوسع في الاستثمارات على جانبين رئيسيين؛ الأول في تعزيز مصادر الطاقة وبما يضمن استدامة الإمدادات واستقرار الأسواق، والثاني تنمية الاقتصاد الأخضر المعزز لحماية البيئة وصحة الإنسان، وللجهود الموجهة لتحقيق الحياد الكربوني على المدى البعيد.

وأضاف: «على سبيل المثال لا الحصر يُعتبر مستقبل الطاقة والمياه من القطاعات التسعة المستهدفة في مدينة نيوم، ومن الطبيعي أن تكون الطاقة النظيفة والمتجددة بأنواعها في مقدمة متطلبات المستقبل التي لا يمكن الاستغناء عنها، والمتوقع أن تكون المنافس القوي للطاقة الأحفورية، خصوصاً أن الهيدروجين المزمع إنتاجه في (نيوم) يشكل أحد أنواع الوقود المؤثر في مستقبل قطاع النقل العالمي».

ولفت عضو مجلس الشورى السعودي إلى أن إنجاز مشروع «مصنع الهيدروجين الأخضر»، الذي يُعدّ أكبر مشروع هيدروجين أخضر في العالم، وتبلغ تكلفته 5 مليارات دولار، سيمكّن المملكة من تصدير الوقود النظيف في غضون بضعة أعوام مقبلة، مشيراً إلى أن تنويع مصادر الاقتصاد يُعدّ الهدف الأول لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤكداً أن إنتاج الهيدروجين جزء رئيسي من استراتيجيته.

تنويع الاقتصاد من جهته، قال الدكتور محمد العجلان رئيس مجلس الأعمال السعودي الصيني لـ«الشرق الأوسط»: «في البداية، من المهم الإشارة إلى أن السعودية، وفي ضوء (رؤية 2030)، تتجه إلى تنويع الاقتصاد وخلق فرص أكبر للاستثمار، فضلاً عن أن المملكة تتخذ خطوات جادة نحو تحفيز أدوات جذب الاستثمارات العالمية، ورفع مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي».

ولفت العجلان إلى أن كل المستهدفات تتحقق اليوم على أرض الواقع، ضارباً مثلاً بأن كثيراً من الشركات العالمية بدأت نقل مقارها الإقليمية إلى العاصمة السعودية (الرياض)، بل إن كثيراً من هذه الشركات لم تكتفِ بنقل المقار الإقليمية فقط، بل إنها اتجهت نحو تعميق الشراكات مع مستثمرين سعوديين، وكثير منها بدأ بإطلاق مشاريع جديدة على أرض المملكة؛ كيف لا يكون ذلك والاقتصاد السعودي الأعلى نمواً بين مجموعة دول «العشرين» في 2022.

وفيما يخص أهم مشاريع مجلس الأعمال السعودي الصيني، قال العجلان: «أستطيع أن أؤكد لك أننا نعمل بكل حيوية على تحقيق طموحات البلدين الصديقين؛ فالصين الشريك التجاري الأكبر للسعودية، ونحن في المملكة ننظر دائماً للصين على أنها شريك قوي وحيوي وموثوق، وتم خلال الفترة الماضية توقيع العديد من الاتفاقيات بين البلدين، ونسعى إلى تحقيق مستهدفات هذه الاتفاقيات، والمساهمة في تنفيذها».

وأوضح العجلان أن حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين بلغ، في 2022، نحو 400 مليار ريال (106.6 مليار دولار)، محققاً قفزة بلغت نحو 30 في المائة بالمقارنة مع عام 2021، مبيناً أن لصادرات المملكة من النفط إلى الصين دوراً في ذلك، مشدداً على ضرورة عدم إغفال أن جزءاً مهماً من هذا الرقم هو للقطاع غير النفطي، موضحاً أن الواردات الصينية إلى السوق السعودية متنوعة، مثل قطاع السيارات، الذي شهد نمواً في هذه الواردات خلال العام الماضي.

وشدد العجلان على أن الاستثمارات المشتركة بين البلدين تتركز في الصناعات البتروكيماوية، والصناعات العسكرية، وصناعة المستلزمات الطبية، والصناعات البحرية، والصناعات التعدينية، وصناعات الطاقة المتجددة، واستثمارات متنوعة أخرى في كثير من المجالات، مشيراً إلى أن العلاقات المميزة بين البلدين الصديقين أثمرت أيضاً كثيراً من المشاريع والاستثمارات الحيوية، وتعزز من عام لآخر من حجم التبادل التجاري.

تنافسية المنتج الوطني

من ناحيته، شدد الدكتور عبد الرحمن باعشن رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، بجازان السعودية، على أن التنويع الاقتصادي والتوجه الرقمي وتنافسية المنتج الوطني والتوجه السعودي لتوطين تقنيات أعمال الطاقة الخضراء والهيدروجين والأمونيا والمناخ والصناعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، وضعت مجالس الأعمال في المملكة أمام محك رئيسي ودور وطني بامتياز.

ويعتقد باعشن أن التوجهات السعودية لجذب الاستثمار النوعي والشراكات النوعية والمشروعات الجديدة والواعدة، وتقنين الصناعات الجديدة، والروبوتات، وضعت مجالس الأعمال أمام اختبار لقياس مدى قدراتها على التجاوب مع مستحقات المتغيرات السعودية، للعمل وفق خريطة طريق تسهم في تحقيق «رؤية 2030»، وفق الموجهات والمبادرات المعلنة.

ويعتقد أن عدداً من مجالس الأعمال استطاعت أن تعمل وفق هذه الموجهات، ونجحت في تحقيق بعضها، بينما بعضها متوسط النشاط يحتاج لمزيد من التحفيز، مقراً في الوقت نفسه بأن قدرات مجالس الأعمال تُقاس بمستوى العلاقات الثنائية بين المملكة والبلدان المعنية وحجمها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، حتى تستطيع عقد الصفقات النوعية، وجذب الاستثمارات المطلوبة.

ويرى رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية أهمية التنبُّه لاختيارات الشراكات التي تثمر ليس فقط توطين المنتجات والصناعات، وإنما أيضاً تهتم بضرورة رفع مستوى جودة المنتج السعودي لدعم تنافسيته في الأسواق العالمية، وبالتالي زيادة الميزان التجاري لصالح السعودية، وتثبيت السمعة التجارية والصناعية النوعية للسوق السعودية.

نقل التجارب العالمية

في الإطار نفسه، شدد رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، وهو رأس عدة مجالس أعمال في دورات سابقة، على أهمية تنشيط مجالس الأعمال التي ترتبط بدول لها إنتاج صناعي وتقني وعلمي وبحثي مميز، لا سيما بعض دول مجموعة «العشرين»، حتى تتمكن من جلب الخبرات والتجارب العالمية المبتكرة في المجالات التي تمثل ركائز مهمة في التوجه السعودي، وفق «رؤية 2030».

ويعتقد المليحي أن مجالس الأعمال السعودية الأميركية، والسعودية الصينية، والسعودية الأوروبية، تأتي في قائمة اللائحة للمجالس المعنية بالإسهام في تحقيق الرؤية السعودية 2030، جنباً إلى جنب مع السياسات السعودية الرسمية العامة، خصوصاً التوجه للاستثمارات النوعية الجديدة، كمجال الاستثمار في مجال الفضاء والبيئة والمناخ والاقتصاد الأخضر والهيدروجين الأخضر والأمونيا.

ومع ذلك، أقر المليحي ببعض التحديات التي تواجه بعض مجالس الأعمال، مع أهمية توفير قواعد للبيانات التي تسهم في اكتمال الرؤية المحددة لأي مشروع اتفاقيات أو شراكات ومدى الحاجة إليها، لأنه في نهاية المطاف، وفق المليحي، تسهم في جوانب أخرى، مثل زيادة التجارة البينية وتصدير المنتجات السعودية إلى أسواق جديدة، لتصبح سنداً داعماً لسياسات التنويع الاقتصادي والتوجه الرقمي وتنافسية المنتج الوطني.


مقالات ذات صلة

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

خاص منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز) p-circle

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

«موديز» تمنح تصنيف السعودية حصانة النظرة «المستقرة» رغم الرياح الجيوسياسية

حمل الإعلان الأخير لوكالة «موديز» تثبيت التصنيف الائتماني للسعودية عند «إيه إيه 3» (Aa3) مع إبقاء النظرة المستقبلية «مستقرة»، دلالات عميقة تجاوزت التصنيف.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المكتب المخصص لأولى رحلات «طيران ناس» المتجهة من الرياض إلى ميلانو (طيران ناس)

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

أعلن «طيران ناس» عن تسيير رحلات مباشرة تربط العاصمة السعودية الرياض بمدينة ميلانو الإيطالية، وذلك بالتعاون مع «برنامج الربط الجوي»، و«الهيئة السعودية للسياحة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)

ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

نجحت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست في إبرام اتفاقية تجارة حرة تاريخية وشاملة بعد سنوات من المفاوضات. فما أبرز بنودها؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن بحرية في ميناء ينبع الواقع على البحر الأحمر (واس)

أنابيب السعودية ترفع صادرات النفط 37.4 % وتقفز بفائض ميزانها التجاري لأعلى مستوى منذ 2022

جاءت القفزة القياسية في فائض الميزان التجاري السعودي خلال مارس (آذار) الماضي مدفوعة بزخم قوي في الصادرات النفطية التي ارتفعت بنسبة 37.4 في المائة.

بندر مسلم (الرياض)

انخفاض أسعار النفط بأكثر من 5% وسط آمال بالتوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران

مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

انخفاض أسعار النفط بأكثر من 5% وسط آمال بالتوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران

مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مدمرة أميركية تفرض حصاراً بحرياً على ناقلة نفط إيرانية أثناء محاولتها الإبحار نحو ميناء إيراني، في 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انخفضت أسعار النفط بأكثر من 5 في المائة في التعاملات الآسيوية المبكرة، اليوم (الاثنين)، وسط تزايد الآمال بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، على الرغم من تصريحات للرئيس دونالد ترمب تقلل من احتمال حدوث ذلك بشكل وشيك.

وقرابة الساعة 11,00 مساء بتوقيت غرينتش الأحد، انخفض سعر خام برنت بنسبة 5,14 في المائة ليصل إلى 98,22 دولارا للبرميل، بينما انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 5,21 في المائة ليصل إلى 91,57 دولارا للبرميل.

وقلل ترمب من التوقعات بالتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، حيث كتب على منصته تروث سوشال أن «المفاوضات تجري في شكل منظم وبنّاء، وقد أبلغت من يمثلونني عدم التسرع في إبرام اتفاق، فالوقت في صالحنا».

واندلعت الحرب بعد أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 فبراير (شباط)، لترد طهران بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت دولا عدة في المنطقة.

وتلتزم الولايات المتحدة وإيران بوقف لإطلاق النار منذ 8 أبريل (نيسان)، بينما يسعى الوسطاء للتوصل إلى تسوية بين الطرفين في ظل مواصلة إيران فرض قيود على حركة الشحن في مضيق هرمز، وواشنطن محاصرة الموانئ الإيرانية.


تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.