طهران تدعو الخليج إلى «تثمين فرصة» زيارة روحاني

مسؤول إيراني: التقارب مع عُمان والكويت مؤشر على ضرورة عودة العلاقات الإقليمية الودية

طهران تدعو الخليج إلى «تثمين فرصة» زيارة روحاني
TT

طهران تدعو الخليج إلى «تثمين فرصة» زيارة روحاني

طهران تدعو الخليج إلى «تثمين فرصة» زيارة روحاني

بعد نحو ثلاثة أسابيع من تسلم الرئيس الإيراني حسن روحاني رسالة من أمير الكويت عادت الحركة للمياه الراكدة في العلاقات الخليجية الإيرانية، وأعلنت طهران أنه سيقوم اليوم بجولة سريعة يبدأها من عمان قبل أن تهبط طائرته في الكويت في إطار سعي الحكومة الإيرانية لترميم العلاقات مع دول مجلس التعاون، ودعا المساعد السياسي في مكتب روحاني حميد أبو طالبي «الدول الصديقة» في الخليج إلى استغلال الفرص، وذلك في ظل المخاوف المتزايدة من طهران من شهور صعبة مقبلة مع الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.
وأعلن مكتب الرئيس الإيراني على لسان الناطق باسمه برويز إسماعيلي في وقت متأخر أول من أمس أن روحاني سيتوجه على رأس وفد رسمي رفيع يضم عددا من ممثلي القطاع الخاص، وتهدف الزيارة لبحث العلاقات الثنائية وإبرام اتفاقيات تجارية. قبل أن يوضح المساعد السياسي في مكتب الرئيسي الإيراني حميد أبو طالبي، أمس عبر خمس تغريدات نشرها في حسابه الرسمي على شبكة «تويتر» تطلعات روحاني في زيارة اليوم ومحاور مفاوضاته مع كبار المسؤولين في مسقط والكويت.
وقال أبو طالبي عبر حسابه في «تويتر» إن «مبادرة» روحاني بزيارة عمان والكويت جاءت تلبية لدعوة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وسلطان عمان قابوس بن سعيد، معتبرا الزيارة «مؤشرا على ضرورة الصداقة والأخوة الإسلامية والعودة للعلاقات الإقليمية الودية»، كما اعتبرها «إنذارا» على ضرورة «إنهاء الخلافات الدينية والصراعات الطائفية والعنف الإرهابي وقتل الأبرياء والمشردين والتوتر الإقليمي المتزايد في المنطقة».
في ثالث تغريدة قال: يمكن أن تكون زيارة روحاني «بداية» تؤكد ضرورة «وقف تدمير البلاد الإسلامية وتدمير اقتصاد المنطقة وضياع رأس المال والرفاهية في دول المنطقة». وكتب في الرابعة أن الزيارة «بشارة» على تفاهم كل الدول المحيطة بالخليج العربي في تأمين الأمن المشترك والقتال الموحد والإرهاب والعنف والتطرف. وطالب أبو طالبي دول المنطقة بـ«تثمين فرصة» زيارة روحاني، وفضل المسؤول الإيراني ختام رسائله الموجهة للجيران العرب باللغة العربية قائلا إن «الفرص تمر مر السحاب فاستغلوا فرص الخير».
ويزور روحاني مسقط، في حين لم تعرف بعد هوية السفير الإيراني منذ انتهاء مهمة السفير السابق علي أكبر سيبويه، إلا أن الحكومة الإيرانية أشادت في عدة مناسبات بدور مسقط في التوسط بين طهران وواشنطن حول الملف النووي، والذي توج بعد ثلاث سنوات في يوليو (تموز) 2015 بالتوصل إلى الاتفاق النووي.
وتنظر طهران إلى خطوة زيارة روحاني اليوم في الكويت أنها مقدمة لخطوات مقبلة قد تؤدي إلى الانفراج في الاجتماع مع جيرانها في الخليج لبحث الخلافات على طاولة المفاوضات.
وتقول إيران إنها تريد علاقات طبيعية ومتوازنة مع دول الخليج في وقت تعرضت لإدانات متزامنة من مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بسبب التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.
ويأتي توقيت الزيارة بعد مرور أسبوع من التلاسن بين الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب وإيران إثر تجربة صاروخ باليستي، وقالت مصادر أميركية إن البيت الأبيض يدرس الخطوات المقبلة التي يمكن أن تتبعها الإدارة من الاتفاق النووي بعدما وعد ترمب خلال حملته الانتخابية بإعادة النظر في الاتفاق، وتزامن ذلك مع مشروع أميركي يصنف الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية.
وخلال مقابلة مع القناة الرسمية قال نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي: «على الإدارة الأميركية أن تأخذ مصالحها الإقليمية بعين الاعتبار».
ورجحت أوساط إيرانية أن يكون اختيار توقيت الصواريخ مع بداية ترمب ردا من الحرس الثوري الساخط تجاه ضمانات قدمتها طهران للجانب الكويتي حول وعود إيرانية بالتعاون مع الدول العربية في العراق وسوريا من أجل تخفيف التوتر، ومن ضمن الوعود إعادة النظر في تعيين مستشار قائد فيلق «القدس» إيرج مسجدي في منصب السفير الإيراني لدى العراق. كما رجحت مصادر إعلامية إيرانية أن يكون المسؤول الكويتي ناقش قضية التوسط بين طهران والرياض، إلا أن المتحدث باسم الخارجية الإيراني رفض تأكيد أو نفي ذلك قبل أن يعود في آخر مؤتمر صحافي له الأسبوع الماضي وينفي وجود وساطة كويتية بين طهران والرياض.
وتعول طهران على علاقاتها مع عمان والكويت لتطبيع العلاقات مع دول مجلس التعاون ومنها السعودية والإمارات، رغم أنها أعلنت في وقت سابق عدم الحاجة للوساطة بينها وبين جيرانها لبحث الخلافات والعودة إلى العلاقات الطبيعية.
وخلال زيارة وزير الخارجية الكويتي صباح خالد الصباح قال وزير الخارجية الإيراني إن دول المنطقة بحاجة إلى الحوار والتعاون من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وتسلم روحاني رسالة من أمير الكويت في نهاية يناير (كانون الثاني) ولم تنشر تفاصيل الرسالة بعد لكن خلال هذه الفترة تبادل الطرفان رسائل تعبر عن ترحيب البلدين. وأثار تحفظ الجانبين والتصريحات المتباينة بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والمتحدث باسم الخارجية بهرام قاسمي أسئلة حول الرسالة الكويتية إلى طهران. وفي اليوم نفسه قال قاسمي إن طهران منفتحة على علاقات مع السعودية شرط أن تتخذ الرياض خطوات من أجل ذلك.
وتتعامل الحكومة الإيرانية بحذر مع الملفات الساخنة على صعيد السياسة الخارجية خشية تدخل جهات داخلية متنفذة قبل حصولها إلى نتائج.
داخليا، يحظى تخفيف التوتر مع الجوار العربي خاصة مع دول الخليج العربي أهمية بالغة لروحاني، نظرا لتأكد مشاركته في الانتخابات الرئاسية المقبلة من أجل تولي رئاسة ثانية.
ورغم وعوده بخروج إيران من العزلة الإقليمية والدولية لكن روحاني أخفق خلال السنوات الأربع الماضية من تخفيف التوتر، واتخذت علاقات إيران بدول مجلس التعاون مسار التراجع في ظل الرفض الإيراني للتجاوب مع مطالب الدول العربية بوقف تدخلاته في شؤونها الداخلية.
وكانت الصحف الإيرانية المقربة من روحاني أعربت عن تفاؤلها تجاه تصدع السور الذي ارتفع بمقاييس غير مسبوقة في جيرانها العرب منذ تفجر الربيع العربي، والعودة إلى مشاريع تصدير الثورة التي تمثلت بإطلاق مشروع «الصحوة الإسلامية» برعاية مستشار خامنئي في الشؤون الدولية علي أكبر ولايتي.
خلال الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الإيراني دعمه لمقترح الزعيم الإصلاحي محمد خاتمي. وفق ما ذكرته وسائل إعلام إصلاحية فإن المبادرة جاءت نتيجة إحساس في البيت الإصلاحي بضرورة التوصل إلى انسجام داخلي بعودة شبح الحرب إلى إيران مع وصول الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب، والتحرك البريطاني في تعزيز العلاقات مع دول الخليج.
من جانب آخر، فإن الرئيس الإيراني لا يرغب في أن يكون صاحب أسوأ سجل في العلاقات مع الجيران في مجلس التعاون الخليجي، ويتطلع روحاني لإضافة ورقة أخرى إلى ملف ترشحه في ظل مخاوف الشارع الإيراني من مواجهة إيرانية أميركية تلوح في الأفق.
ويأمل روحاني في تحسين العلاقات مع الجيران وتعزيز فرص حكومته الاقتصادية قبل توجيه أول خطاب انتخابي له خلال حملة الدفاع عن كرسي الرئاسة لأربع سنوات مقبلة. وترى حكومة روحاني أن طريقها لتشجيع الاستثمار الأجنبي في الدخول إلى الاقتصاد الإيراني يمر عبر التهدئة مع دول الخليج.



وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
TT

وزيرا خارجية السعودية والجزائر يبحثان المستجدات الإقليمية

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الجزائري أحمد عطّاف (واس)

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الجزائري أحمد عطّاف، السبت، مستجدات الأوضاع الإقليمية، بالإضافة إلى عددٍ من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

كما بحث الأمير فيصل بن فرحان والوزير أحمد عطّاف، على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026» في تركيا، العلاقات الثنائية بين البلدين.


«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.