روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

السفير الأميركي السابق في دمشق أكد أنه لا روسيا ولا أميركا ولا «الأطلسي» مع إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب سوريا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا
TT

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

روبرت فورد لـ«الشرق الأوسط»: لا حل لمشكلة «داعش» ما دام الأسد رئيسًا

يرى السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد، أن المفاوضات لحل الأزمة السورية التي اقترحتها خطة فيينا، ستكون صعبة جدًا، وأنه لا حل لمشكلة «داعش» طالما ظل الأسد رئيسًا.
وقال فورد: ليس التدخل الروسي أو إسقاط تركيا لطائرة روسية الذي غيّر اللعبة في سوريا، بل التدخل الإيراني وإرسال حزب الله اللبناني إلى القصير. ولولا ذلك، لكان انتهى حكم بشار الأسد.
وأكد أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، وشكك بإمكانية تحقيق ذلك مع «جبهة النصرة»، واقترح أن تطلب «الجبهة الإسلامية» من مقاتلي «النصرة» السوريين الانضمام إليها وترك «القاعدة»، عندها سيضطر قادة «النصرة» للعودة كل إلى بلاده. ورأى فورد أن الجيش السوري تعب جدًا، ولا يستطيع حتى استرجاع الغوطة الشرقية: «وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بداعش». ولفت إلى ضرورة البدء في التفكير بما سيحدث إذا رفض الأسد التسوية السياسية «قد يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض»، لكنه رأى أنه من الضروري أثناء المفاوضات بحث الأمن المحلي للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين. وصل فورد إلى دمشق في يناير (كانون الثاني) 2011. وغادر السفارة في فبراير (شباط) 2014. قبل ذلك كان سفيرًا في الجزائر. وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته {الشرق الأوسط} مع روبرت فورد:

* هل كنت مرتاحًا لتصريحات الرئيسين باراك أوباما وفرنسوا هولاند بأن تنظيم داعش خطير، إنما الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يرحل؟
- لم أطلع على تفاصيل التصريحات، إنما رأيي هو أنه لا حل لمشكلة «داعش»، وللمجندين الذين ينضمون إليها في سوريا، طالما ظل بشار الأسد رئيسًا.
* ما كان دوره في إطلاق العنان للإرهاب والإرهابيين؟
- الحكومة السورية، أولا الأب حافظ الأسد ثم الابن بشار، على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عدة عقود. دورهما في دعم منظمات إرهابية في دول مثل لبنان أو العراق معروف. واتصالاتهما مع «الجهاد الإسلامي الفلسطيني» وحزب الله في لبنان وأيضا «القاعدة» في العراق عندما كانت القوات الأميركية في العراق، كلها أمور معروفة وواضحة. أنا لا أقول: إن بشار الأسد أوجد «داعش»، لكنه بكل تأكيد أحد العوامل التي أدت إلى وجود هذا التنظيم.
* لكن بالنسبة إلى الحرب الدائرة في سوريا، ما كان دور الأسد بالتحديد بالنسبة إلى الإرهاب، خصوصًا أنه بدأ بتهديد العالم بأنه سيعاني من الإرهاب في الأيام الأولى للحرب؟
- مفتي سوريا الشيخ بدر الدين حسون، هدد بأن الإرهابيين والانتحاريين سيصلون أوروبا والولايات المتحدة. قال هذا عام 2011. لا أعتقد أن حكومة بشار الأسد مسؤولة عن انفجارات باريس أو أنقرة أو سيناء، لكن هذه الحكومة مسؤولة عن إيجاد «القاعدة» في العراق، أيضا. عام 2011 أطلقت سراح عدد من المتطرفين، فانضموا إلى المعارضة المتطرفة. وأعتقد أن الحكومة كانت تعرف ذلك.
* هل تعتقد أن سوريا ستورط العالم تدريجيًا بحرب عالمية ثالثة، كما شاهدنا ما حدث بين تركيا وروسيا، وتحذير الأخيرة بأنها ستسقط أي طائرة في الأجواء السورية تعرقل عملياتها؟
- من المؤكد أن الوضع في سوريا يزداد صعوبة، لكن لا أعتقد أن روسيا أو الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي يريدون إشعال حرب عالمية ثالثة بسبب النزاع السوري، ما سنراه أنشطة إضافية روسية داخل سوريا، سنرى أيضا جهودًا دبلوماسية حثيثة لوضع حد لهذا النزاع. لا أقول: إن هذه الجهود ستؤدي سريعًا إلى الحل إنما ستُبذل جهود أكثر.
* ما الذي غيّر اللعبة في سوريا، التدخل الروسي أو العمليات الإرهابية في باريس؟
- لا أعتقد أن أيا منهما غيّر اللعبة. التدخل الروسي لم يُغير بشكل كبير الوضع على الأرض، فحرب الاستنزاف مستمرة. أعتقد أن المغيّر الأساسي للعبة في سوريا كان التدخل الإيراني بإرسال الميليشيات الشيعية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من عام 2013.
* تقصد حزب الله
- صحيح، عندما تدخلوا في القصير. لو أن إيران لم تتدخل، لربما الأسد أنهى الحرب في عام 2013 أو بداية 2014. لكن التدخل الإيراني أطال الحرب، وكثرت ساحات المعارك التي انخرطت فيها ميليشيات عراقية ولبنانية في حلب ودرعا والقلمون والرقة.
* ألا يوجد مقاتلون من الباسيج الإيراني أم فقط مستشارون عسكريون؟
- شخصيًا لم أطلع على إثباتات مقنعة، إنما ما أستطيع قوله: إن الحرس الثوري الإيراني خسر ما لا يقل عن 5 جنرالات، وضباطًا كبارا. عندما يخسرون ضباطًا بهذه الرتبة، فإنه يعني أن الجنرالات كانوا على الخطوط القتالية الأولى، لذلك يجب أن يكون هناك مقاتلون، ليسوا بالضرورة جنودا إيرانيين، إنما نتابع المآتم في إيران. الذي حصل خلال سنوات حرب الاستنزاف أن الجيش السوري ازداد ضعفًا، وللتعويض ترسل إيران جنودًا شيعة من لبنان والعراق والأفغان اللاجئين الذين يعيشون في إيران مع بعض الإيرانيين، والآن يتلقون دعمًا عسكريًا جويًا من الروس.
* أنت تردد دائمًا، أن الأغلبية تنتصر في النهاية. من هي الأغلبية الآن: روسيا وإيران وحلفاؤهما أم التحالف الدولي؟
- لا تزال المعارضة السورية المسلحة تشكل الأغلبية، هناك جنود سنة أكثر لمحاربة الشيعة. المشكلة مع المعارضة المسلحة أن عدد أفرادها يفوق كمية تسلحها. من الواضح أنها تلقت أخيرًا المزيد من الأسلحة وربما رأيت كيف أن المعارضة أسقطت طائرة هليكوبتر روسية. القتال قوي، وببساطة، السبب لتدخل روسيا في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) كان من أجل منع سقوط حكومة الأسد وحلفائها الإيرانيين.
* لكن لماذا يريد الروس إنقاذ الأسد؟
- أعتقد أنك يجب أن تسألي الروس. وما أعتقده أن الروس حسب إعلانهم أنهم يريدون محاربة «داعش»، لكن أغلبية عملياتهم ضد الثوار الذين يقاتلون الأسد. والطائرة التي أسقطت إضافة إلى الهليكوبتر تشيران إلى أن الروس يتحركون في منطقة لا وجود لـ«داعش» فيها.
* ألا تعتقد أن الأسد محظوظ. لديه الغرب يقصف «داعش» وروسيا وإيران وحزب الله يقاتلون المعارضة. إلى أي مدى حسب اعتقادك سيحمي الحظ الأسد؟
- أعتقد أن بشار الأسد اتخذ قرارات رهيبة عامي 2011 و2012. لأنه كان يمكن للصراع أن يجد حلاً ببساطة بتقديم بعض التنازلات قبل أن يلجأ الشعب إلى السلاح. لا أعرف ما إذا كان للحظ دور. كل الدول ارتكبت أخطاء. لكن لا أعرف ما إذا كان الأسد محظوظًا أم لا، ما أعرفه أن سوريا حظها سيئ.
* من هي الدولة التي ارتكبت الخطأ الأكبر في سوريا؟
- عدة دول، روسيا، إيران، أميركا... لكن الخطأ الأكبر ارتكبته الحكومة السورية. سأعطيك مثلين. عندما بدأت الانتفاضة في سوريا، أول مظاهرة لم تكن في درعا بل في دمشق في ساحة الحرية في 11 فبراير 2011، حدثت بعد مرور ثلاثة أسابيع من وصولي إلى السفارة الأميركية، تظاهر الناس ضد تعسف شرطة السير، عندها توجه وزير الداخلية إلى المتظاهرين ووعدهم بمعاقبة الضابط المسؤول وطلب منهم التوقف عن التظاهر ففعلوا. شعرت بأن الحكومة السورية قامت بمهمة جيدة، لكن للأسف، بعد 3 أسابيع أطلقت الحكومة النار على متظاهري درعا بعدما أوقفت الشرطة أطفالا. إذن أكبر خطأ ارتكبته الحكومة السورية باللجوء إلى العنف ضد مظاهرات سلمية. لم يكن الشعب يطالب بإسقاط النظام في بداية الاعتصام. لم يبدأوا بهذه المطالبة إلا في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) بعد مقتل الكثير من الناس. لهذا، يمكننا القول: إن تركيا أخطأت، كذلك روسيا، وأميركا، لكن الخطأ الأكبر كان على يد الحكومة السورية.
* بعد عمليات باريس، قال بعض الخبراء العسكريين، كون الغرب لن ينشر قوات برية في سوريا، فإن المقاتلين الذين أثبتوا أنفسهم هم الأكراد والقوات النظامية السورية؟
- أنا لا أتفق مع المحللين القائلين بأن الأكراد السوريين هم أفضل من يقاتل «داعش». صحيح أن الأكراد السوريين قاتلوا بشدة ضد «داعش»، وتكبدوا الكثير من الضحايا، لكن ليس دقيقًا أنهم أفضل من يقاتل «داعش»، بل هم الوحيدون الذين قاتلوا «داعش» وحصلوا على دعم جوي أميركي مباشر. غيرهم على الأرض لم يتلق هذا الدعم الجوي ولو حصلوا، لفعلوا الأفضل.
الحكومة الأميركية مترددة في توفير الدعم الجوي لأي من المجموعات العربية التي تقاتل الحكومة السورية و«داعش».
* ماذا بالنسبة إلى الجيش السوري؟
- بشأن إثبات نفسه أمام «داعش»؟
* نعم وقوته كجيش على الأرض؟
- أعتقد أن الجيش السوري قاتل جيدًا في بعض المناطق مثل دير الزور، غلب «داعش» عدة مرات، لكن الجيش السوري صار ضعيفًا جدًا حتى على استرجاع الغوطة الشرقية، بالتالي كيف يستطيع الذهاب إلى تدمر، إلى مدينة دير الزور، هذا مستحيل، ولن يحصل. وبالتأكيد لن يكون قادرًا على إلحاق الهزيمة بـ«داعش».
* حتى مع غطاء جوي أميركي؟
- القوة العسكرية الأميركية الجوية تساعد ولكن لا أعتقد أن للجيش السوري القدرة على استرجاع الجزء الشرقي من الغوطة. هناك حاجة لحكومة جديدة تستطيع أن تأتي بسوريين عرب وأكراد ليقاتلوا إلى جانب الجيش السوري في مواجهة «داعش». ومن الواضح أن بشار الأسد لا يستطيع أن يقنع السوريين لينضموا إليه ضد «داعش». إنه يحاول منذ 4 سنوات وفشل.
* لاحظنا، أن خطة السلام التي وافقت عليها 17 دولة في فيينا، لم تأت على ذكر مستقبل الأسد، أشارت إلى انتخابات حرة وعادلة بعد دستور جديد خلال فترة 18 شهرًا. سؤالي هو: هل الانتخابات تقرر رئيسًا جديدًا أم برلمانًا جديدًا؟
- أعتقد أن فكرة إجراء انتخابات في سوريا خلال 18 شهرًا، من الصعب تخيلها. كنت في العراق عندما قرر الأميركيون إجراء انتخابات، وكان أمرا مستحيلاً. والظروف في سوريا أصعب بكثير. إذ كيف ستكون هناك انتخابات في دولة مدمرة بالكامل تقريبًا، كيف يمكن تسجيل الناخبين؟ أو تسجيل النازحين، أو تسجيل اللاجئين؟ هذا أمر شديد الصعوبة. ثم يجب أن تكون هناك بنى تحتية لإدارة الانتخابات كالاتصالات مثلاً.
أغلب المدن السورية تحصل على ساعات قليلة من الكهرباء، وأخيرًا وهذه المشكلة الكبرى، كيف يمكن إجراء الانتخابات في سوريا حيث هناك 4 وكالات استخباراتية مختلفة. هناك: الأمن العسكري، الأمن الجوي، الأمن العام والأمن السياسي. كل واحد من هذه الأجهزة لن يقبل بانتخابات حرة.
* هذا يعني أنك لا تعتبر أن الانتخابات التي جاءت بالأسد رئيسًا كانت حرة؟
- أول مرة خاض الانتخابات حصل على 99 في المائة، المرة الثانية على 98 في المائة، والمرة الثالثة أثناء الحرب الأهلية 80 في المائة. بالطبع لا أعتبر أنها كانت حرة.
* لكن، لاحظنا أيضا أنه لا الأطراف المعارضة ولا الحكومة السورية دعما استراتيجية فيينا، كونها تطلب من كل الأطراف المتحاربة التوصل إلى وقف لإطلاق النار. ووزير الخارجية الأميركي جون كيري كان سعيدًا وهو يزف خبر وقف إطلاق النار خلال أسبوعين أو ثلاثة. ثم إن هذه الاستراتيجية ستؤسس لحكومة انتقالية؟
- أعرف الوزير كيري جيدًا، هو رجل ذكي جدًا ومستقيم، وهو رجل يؤمن بأن علينا أن نكون متفائلين أثناء العمل الدبلوماسي. لكنني أعتقد أن الوزير كيري يدرك جيدًا صعوبة العملية.
* لكنك أشرت في بداية الحديث إلى جهود ستبذل لإيجاد حل لهذه المشكلة. من الذي سيحلها وكيف ستجد حلاً؟
- الحل يجب أن يأتي عبر مسارين متلازمين. الأول يجب التوصل إلى اتفاق بين الدول الرئيسية الخمس وهي: تركيا، والسعودية، وإيران والولايات المتحدة وروسيا. يجب أن يتوصلوا إلى اتفاق بينهم حول إطار العمل للحل السياسي. ليسوا بحاجة إلى التفاوض حول كل التفاصيل. ثم يأتي المسار الثاني الذي يجب أن يضم سوريين فقط من المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية والحكومة السورية. هنا يجب أن نتفق على كيفية انضمام الأكراد السوريين. فهل أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو مع الحكومة أو مع المعارضة. ربما يقتضي ذلك وفدين منفصلين.
هذه الأطراف عليها أن تتفاوض حول مستقبل سوريا، ليس من المعقول أن تقرر أميركا أو روسيا أو تركيا أو السعودية وإيران الرئيس السوري المقبل. هذه الدول الخمس يجب أن تدرك ذلك، وتترك الأمر للسوريين. هل تعرفين العبارة العربية: أهل مكة أدرى بشعابها. علينا أن نتذكر هذا بالنسبة إلى سوريا، إنما على هذه الدول أن تشجيع أصدقاءها السوريين على الدخول إلى القاعة والجلوس حول الطاولة وربما على الدول هذه أن تقف خارج الباب، حتى إذا ما طرف سوري غضب وخرج من قاعة المفاوضات، تتدخل الدولة المعنية وتقنعه بأنه لا يستطيع الخروج بل عليه العودة.
* كما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت مع ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الراحل؟
- تمامًا. لا أعرف ما إذا كان هذا الطرح سينجح وهذه ليست ضمانة للنجاح، بل هذه هي الطريقة الوحيدة للاتفاق على الحل الدبلوماسي. أما الدول الخارجية أميركا، روسيا، السعودية، تركيا وإيران فعليها أن تتفق على قائمة من القضايا التي على السوريين أن يتفقوا على تفاصيلها. ما هي الحكومة الجديدة؟ ما هي القيادة العليا لهذه الحكومة؟ ماذا سيحصل بالنسبة إلى المساعدات الإنسانية؟ ماذا سيحل بالسجناء السياسيين؟ كيف سيتم العمل على دستور جديد ومتى؟ كيف يضعون هيكلية للعلاقة بينهم وبين فرق أجنبية تقاتل على أرضهم، مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وحزب الله اللبناني و«كتائب حزب الله» العراقي إلخ.. السوريون يجب أن يتفقوا حول كل هذا. لا تستطيع إيران أن تملي على المعارضة المسلحة بأن عليها أن تقبل بـ«كتائب حزب الله» العراقية في سوريا. الإيرانيون لا يستطيعون أن يفرضوا ذلك لأن القتال سوف يستمر عندها ولن يكون هناك سلام. لهذا يجب أن يكون هناك اتفاقات بين الجانب السوري من جهة وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة، والسعودية وتركيا من الجهة الثانية، وعلينا بالتالي أن نحترم كلنا القرار السوري النهائي، سيكون من الصعب على السوريين أن يتفاوضوا. أنا متأكد من أن العملية ستأخذ سنة أو سنتين.
* خلال هذه السنة أو السنتين، هل سيكون هناك وقف لإطلاق النار؟
- لا أعرف. من الصعب علي أن أتخيل. إنما هل من الأفضل وجود وقف لإطلاق النار؟ نعم. وقف إطلاق نار شامل؟ نعم. إنما هل سيحترم الكل هذا الوقف لإطلاق النار؟ هل سيشمل إطلاق سراح كل السجناء؟ وهل سيشمل ممرات حرة للمساعدة الإنسانية؟
* لكن هذه عملية مختلفة!
- أعتقد، إذا طرف من الأطراف، لم يقبل هذا النوع من وقف إطلاق لنار، سيكون لديه دافع للاستمرار في القتال. دعيني أعطيك مثالاً، لنفترض أن النظام قال: إنه يريد وقف إطلاق النار، لكنه لا يقبل السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى الوائر، عندها لماذا سيقبل «الجيش السوري الحر» أو «جيش الفتح» أن يستمر النظام بتجويع الوائر. لن يقبلوا وسوف يستمرون بالقتال.
* لكن، من يستطيع التحكم بـ«داعش» وإقناعه بقبول وقف إطلاق النار؟
- لا أحد. لن يكون هناك إطلاقًا وقف إطلاق النار مع «داعش». أنا شخصيًا أشك أن يكون هناك وقف إطلاق النار مع جبهة «النصرة»، لذلك ما سيحدث: إما أن تستمر جبهة «النصرة» بمقاتلة النظام، أو عليها أن تترك سوريا. إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين النظام، و«الجيش السوري الحر» و«الجبهة الإسلامية»، وإذا رفضت جبهة «النصرة» وقف إطلاق النار، عندها على «الجبهة الإسلامية» مقاتلة «النصرة»، ولا أعتقد أنها ستفعل ذلك، بل ربما تطلب من «النصرة» أن تغادر سوريا. أيضا، في حال وقف إطلاق النار، نحن ندرك أنه لن يكون هناك وقف إطلاق النار مع «داعش»، أما جبهة «النصرة» فإنها السؤال الأصعب، لأنهم أكثر احترافًا، لذلك أتصور أن بعض أعضاء «الجبهة الإسلامية» قد يطلبون من مقاتلين في جبهة «النصرة»: اتركوا «القاعدة» وانضموا إلينا أو انضموا إلى أي طرف سوري، وبذلك يدفعون قادة جبهة «النصرة» إلى العودة من حيث أتوا كالعراق مثلاً، أما المقاتلون السوريون فينضمون إلى مجموعات أخرى. أظن هذا ما يجب أن يحدث وإلا فإن القتال سيستمر.
* بما أننا ما زلنا نواجه مشكلة الأسد، هل سيبقى أو يرحل، ألا تعتقد أنه بعد بيان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه لا أحد يجب أن يتدخل، وأن الأسد يجب أن يبقى، فإن موقف الدول العربية التي تدعم الثوار سيزداد تشددًا؟
- نعم، أظن ذلك، وأظن أن أشخاصًا مثلي، طالبوا منذ زمن بالحل السياسي، وأرادوا مفاوضات، يجب أن نبدأ التفكير بماذا سيحدث إذا ما رفض الأسد الموافقة على تسوية سياسية. قرأت أخيرًا كتابًا عن نهاية الحرب العالمية الثانية، فيه أن النظام النازي في ألمانيا، رفض حتى النهاية التفاوض. كان هناك جنود سوفيات على سطح البرلمان الألماني (الرايخستاغ) ومع ذلك رفضت الحكومة التفاوض. لهذا ليس مستبعدًا، أن يحذو الأسد حذو هتلر ويرفض التفاوض. لذلك يجب أن نبدأ بالتفكير بهذا الاحتمال.
* بعض الدبلوماسيين الغربيين يقولون: إنه إذا استطعنا أن نهزم «داعش» خلال الأشهر الـ18 المقبلة، ومن أجل إبقاء السلام في سوريا، فإنه من الممكن الإبقاء على الأسد إلى أجل غير مسمى كرئيس شكلي من دون أي سيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؟
- لكن، هل سيقبل بشار الأسد هذا، لم يقبل بأي شيء أقل من تأييد 80 في المائة من الأصوات.
* هل يستطيع القول لا، للإيرانيين والروس وهو الآن مدين لهما، فقد أنقذا نظامه؟
- ما لاحظته أنه بعدما قال بوتين بأنه يجب إجراء انتخابات في سوريا، رد بشار الأسد والمسؤولون في وزارة خارجيته بأنه لن تكون هناك انتخابات في سوريا، قبل أن يتم إبعاد كل الإرهابيين عن سوريا. إذن هو قال لا لبوتين. لا أعتقد أن الحكومة السورية على توافق تام وعلى كل الأصعدة مع الحكومة الروسية.
* هذا يعني أن الحكومة السورية أقوى من الحكومة الروسية التي تساعدها!
- في بعض الأحيان، الضعف يجعلك قوية. رأيت هذا في العراق ما بين الحكومة العراقية والأميركيين فيما يتعلق بالحلول الصعبة عامي 2005 و2006. الكل كان يعتقد بأن الأميركيين يسيطرون بالكامل على الحكومة العراقية، إنما في الواقع كانت سيطرتهم قليلة جدًا، وكان العراقيون أذكياء برفضهم طلباتنا، لأنهم فهموا أن الأميركيين يحتاجون إلى تحقيق النصر. والروس يحتاجون نصرًا في سوريا.
* بعدما أجبتني على بيان خامنئي – بوتين، سؤالي هو التالي: لماذا ستقبل السعودية وقطر وتركيا بإقناع المعارضة السورية بالموافقة على خطة، إذا لم يحصلوا على ضمانة حول خروج الأسد من السلطة؟
- أظن أنه من المبكر جدًا للمعارضة السورية، ولأصدقاء المعارضة السورية المسلحة إقناعهم بأي شيء ما عدا المشاركة في المفاوضات.
* لكن إذا لم تضمن هذه المفاوضات خروج الأسد؟
- الدخول إلى قاعة المفاوضات والجلوس حول الطاولة، يختلف تمامًا وكثيرًا عن إعطاء التنازلات والمساومة خلال المفاوضات. الأمران مختلفان جدًا. لذلك أعتقد أنه من الضروري للمعارضة السورية، وضروري بالذات للمعارضة المسلحة أن تذهب إلى المفاوضات، لكن لا أعتقد أن أيا منا يستطيع أن يقنعها بأن تساوم على أي شيء، إلا قبل أن يكون واضحًا نوعية التنازل الذي ستقدمه الحكومة السورية، هذا إذا ما أرادت الحكومة السورية الإقدام عليه. إذن الأمران مختلفان. أولا الذهاب إلى المفاوضات، ثانيًا، وهذا مختلف، ويأتي لاحقًا، الإقدام على التبادل والتنازلات.
* ألا توجد طريقة لتشجيع الطائفة العلوية بأنه من أجل سلامتها ومستقبلها عليها استبدال الأسد؟
- أظن أنه مهم جدًا للطائفة العلوية المنهكة والتي فقدت الكثير من شبابها في القتال، أن تدرك أن لديها مستقبلاً في سوريا وأن قدرها ليس القتال حتى الموت من أجل بشار الأسد. لدي أمران أقولهما حول هذه المسألة: أولا، وبصراحة أن المعارضة السورية وعلى الأخص المعارضة المسلحة قامت بعمل رهيب فيما يخص العلويين. فمناداتهم بـ«النصيرييين» مرة بعد مرة كان شيئا سيئًا. وفي كل مرة ذهبوا إلى القرى وقتلوا مدنيين كان أمرا سيئًا أيضا. على المعارضة السياسية أن تكون واضحة، وبأنها لا تقاتل العلويين بل النظام. لكن المعارضة أدت عملاً سيئًا جدا. لو كنت علويًا سأخاف من «أحرار الشام».
النقطة الثانية: سيكون من الضروري خلال المفاوضات بحث الأمن المحلي، وكيف يمكن إنشاء الأمن المحلي بالنسبة للقرى والمدن السنية والأمن المحلي للعلويين.
القرى والمدن السنية تعرضت للقصف بالبراميل والكيماوي، عانت كثيرًا، أفهم جيدًا عندما يقولون: إننا عانينا أكثر من العلويين، فلماذا بالتالي علينا أن نقلق عليهم. هذا حق. لكن، من جهتهم فإن العلويين مع معرفتهم بأنهم سيتحملون مسؤولية جرائم ارتكبها النظام وليس الشعب السوري، فإنهم يحتاجون إلى تطمينات. وجزء من هذه التطمينات يجب أن يكون ضمن التفاوض على ترتيب أمني دولي.
* عدد من المراقبين يقول: إن الرئيس باراك أوباما لن يغير استراتيجيته تجاه سوريا، فهو فائز بجائزة نوبل للسلام، وسيترك المشكلة السورية للرئيس الأميركي المقبل. هل توافق، وهل تعتقد أن الأسد سيبقى في الحكم بعد مغادرة أوباما السلطة في يناير 2017؟
- لا أعرف ما إذا كان الأسد سيبقى حتى 2017. وكيف ستؤثر الحرب الدائرة على الأسد. لكن ما أظنه أن الرئيس أوباما يمثل الشعب الأميركي الذي لا يريد أن يتورط في الحرب السورية. لا يريد. الشعب الأميركي تعب بعد العراق، كان هناك انتقاد كثير للغزو الأميركي للعراق، حتى من دول عربية. الأميركيون يعرفون ذلك. أنا الآن أعيش خارج واشنطن، ودعيني أقول لك بأنه لا أحد هنا يريد التدخل في حرب في سوريا، يقولون: ليقرر المعنيون هناك.
عدد من العرب احتجوا لأن الأميركيين غزوا العراق والآن يحتجون لأن الأميركيين لم يغزوا سوريا. الأميركيون لا يريدون الذهاب إلى الحرب في سوريا.
* هل من كلمة أخيرة؟
- أظن أن ما علينا عمله كلنا، أن نصلي للسلام. يجب أن ننظر إلى صورة إيلان الكردي الطفل الذي لفظ البحر جثته. يجب أن تفكر بما تعرض له اللاجئون في الشتاء الماضي في لبنان وتركيا والأردن... الشتاء على الأبواب، وهذا يجب ألا يستمر.
* لكن الرئيس الأسد لم يذكر كلمة عن اللاجئين الهاربين من سوريا؟
- إن سجل الأسد بالنسبة للقضايا الإنسانية معروف جدًا.



النفي المصري لـ«الإساءة» للوافدين السودانيين لم ينهِ مناوشات وسائل التواصل

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

النفي المصري لـ«الإساءة» للوافدين السودانيين لم ينهِ مناوشات وسائل التواصل

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

لا تزال «مناوشات» تدور على وسائل التواصل الاجتماعي بين مصريين وسودانيين إثر شائعات، نُسبت إحداها إلى وزير التموين المصري شريف فاروق، تتهم السودانيين في مصر بتخزين السلع المدعمة لإعادة بيعها؛ وهي إشاعة تم نفي صحتها رسمياً، في حين حذر مراقبون من «حملة ممنهجة للوقيعة بين الشعبين».

وأصدرت وزارة التموين هذا الأسبوع بياناً قالت فيه: «ما تم تداوله عبر بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة إلى الدكتور شريف فاروق بشأن الأشقاء السودانيين المقيمين في مصر، هو ادعاء كاذب وافتراء لا يستند إلى أي تصريحات أو وقائع رسمية».

ونسبت الإشاعة إلى فاروق قوله أمام لجنة الاقتصاد في مجلس النواب إن «السلع التي طرحتها الحكومة بأسعار مدعمة قبل حلول شهر رمضان نفدت لتهافت السودانيين عليها لتخزينها وإعادة بيعها فيما بينهم أو تهريبها».

وجاء في البيان الذي أصدرته الوزارة مساء الثلاثاء: «الوزير لم يدلِ بأي تصريحات نهائياً في هذا الشأن، وما جرى تداوله مختلق تماماً ولا أساس له من الصحة»، مشيرة إلى أن صورة الوزير المتداولة والحديث المصاحب لها يتعلقان بعرض قدمه أمام مجلس النواب، بتاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مؤكدة أنه لم يتطرق فيه «من قريب أو بعيد إلى الموضوع المشار إليه، كما لم تتضمنه مضبطة المجلس على الإطلاق».

وشددت الوزارة على «التقدير والاحترام للأشقاء السودانيين الموجودين على أرض مصر».

غير أن تداول الإشاعة عبر صفحات وغروبات التواصل لم يتوقف، مع مطالب بترحيل السودانيين.

«حملات ممنهجة»

وحذرت الكاتبة المصرية المتخصصة في الشأن الأفريقي، أسماء الحسيني، من «حملات ممنهجة» للوقيعة بين الشعبين المصري والسوداني، وشحن السودانيين نفسياً سلبياً تجاه مصر، والإساءة لدورها في دعم السودانيين الذي تنتهجه بشكل رسمي منذ ثلاثة أعوام.

وطالبت الكاتبة الحكومة باتخاذ ما هو أكثر من نفي صحة الإشاعات، وبتعقب الحسابات التي تقف خلف هذه الحملات ومحاسبتها أو إعلان حقيقتها.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها تعقبت بعض هذه الحسابات ووجدتها حسابات «مشبوهة» و«مغلقة»؛ ما يعزز فرضية أنها ضمن لجان إلكترونية للوقيعة بين الشعبين، مؤكدة أن «المصريين في الشارع مرحبون بالسودانيين»، ولافتة إلى أنهم «مصدر للعملة الصعبة من خلال التحويلات التي تصل للعائلات السودانية من ذويهم في الخارج».

واتفق الباحث السوداني محمد تورشين مع الكاتبة المصرية في اعتقاده أن هذه «حملات ممنهجة» للوقيعة بين الشعبين، متهماً «قوات الدعم السريع» بالوقوف خلفها.

وقال تورشين لـ«الشرق الأوسط»: «قد يكون بعض المصريين مستائين من الوجود السوداني الكبير على أراضيهم، في ظل ضغط هذا الوجود سواء للسودانيين أو غيرهم على البنية التحتية، من مواصلات واتصالات وخدمات مياه وكهرباء وما إلى ذلك؛ لكن ذلك لا ينفي وجود حملات ممنهجة وليست عفوية وتستهدف الوقيعة بين الشعبين».

سودانيون في محطة رمسيس لاستقلال القطار الخامس للعودة الطواعية (رئاسة مجلس الوزراء)

وتجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب.

«وأد المناوشات»

تتنوع المناوشات على وسائل التواصل بين منشورات على ألسنة مصريين يطالبون بترحيل السودانيين أو ينتقدون وجودهم في بلادهم، وأخرى لسودانيين ينتقدون التعامل المصري مع الوافدين، بل ويختلقون وقائع لم تحدث، مثل تلك الواقعة التي نفت وزارة الداخلية المصرية صحتها حول وفاة مسن سوداني في أحد السجون المصرية.

كما نفت صفحة «الجالية السودانية في مصر»، الأربعاء، «شائعة» جرى تداولها بشكل واسع على الغروبات السودانية حول وفاة طفلتين جوعاً في شقة بمصر بعد القبض على والدتهما وترحيلها.

وقالت الصفحة التي يتابعها مئات الآلاف، ويقوم عليها صحافيون سودانيون: «قمنا عبر فريق ميداني بالبحث في محاولة الوصول لأي (طرف) خيط حقيقي لهذه الرواية، (...) ولم نصل لشيء على الإطلاق؛ ما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها قصص مختلقة من وحي خيال مريض يهدف لإثارة الفزع وزعزعة الاستقرار النفسي للسودانيين».

منشور يدحض إشاعة عن وفاة طفلتين سودانيتين بمصر جوعاً (صفحة الجالية السودانية في مصر)

من جانبه، حذر خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، من خطورة الإشاعات التي تستهدف ضرب العلاقات بين مصر وضيوفها، مشدداً على ضرورة «وأدها من البداية بنشر المعلومات الدقيقة ورصد كل ما هو غير صحيح وتوضيحه».

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «مصر بلد كبير ويتعامل مع اللاجئين على مدار السنوات الماضية بوصفهم ضيوفاً، وبالتالي في حال وجود إشاعات تنال من دورها في هذا الملف فهو أمر يستلزم دائماً وجود تدخل رسمي وسريع يوضح الحقائق من خلال الحكومة ووزاراتها، لاستجلاء الأمور بدقة لمنع أي تراشق على منصات التواصل الاجتماعي».

غير أن الكاتبة أسماء الحسيني طالبت بما هو أكبر، وذلك من خلال «توضيح الموقف المصري الرسمي من وجود السودانيين على أراضيها، واستثنائهم من حملات تدقيق الإقامات لحين انتهاء الحرب في السودان وعودتهم طوعياً، لسد الباب على أي إشاعات أو محاولات للوقيعة».

في المقابل، أبدى الباحث السوداني تورشين تفهمه لهذه الحملات قائلاً: «شروط الإقامة واضحة في أي بلد، وأي شخص وافد ينبغي أن يحترم شروط الإقامة في البلد المعني».

وكانت السفارة السودانية في القاهرة قد شددت هذا الأسبوع على ضرورة التزام السودانيين المقيمين في مصر بحمل الأوراق الثبوتية، والتأكد من سريانها، مشفوعة ببطاقة الإقامة الصادرة من جهات الاختصاص.

في هذا الصدد، قال تورشين: «بعض الخارجين على القانون غادروا السجون في الخرطوم وغيرها من الولايات مع هجمات (الدعم السريع)؛ لذا فإن عدم التدقيق في هويات المتواجدين مهدد أمني حقيقي لمصر. لكن الأمر غير المتفهم، إن تأكد، أن هنالك أشخاصاً لديهم إقامات سارية المفعول أو لديهم طلبات لجوء لدى المفوضية وتم ترحيلهم».

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتُقدِّر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.


التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا... استعادة النفوذ عبر تغيير موازين القوى

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا... استعادة النفوذ عبر تغيير موازين القوى

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تمضي القاهرة وأنقرة قُدماً في زيادة أشكال التعاون العسكري والدفاعي، وكان ذلك ملفاً بارزاً في زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، الأربعاء، وهو أمر يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يهدف لاستعادة النفوذ المصري - التركي عبر التأثير وتغيير موازين القوى بالمنطقة في مواجهة النفوذ الإسرائيلي الذي أخذ يهدد مصالح البلدين بشكل كبير.

وكان أحدث أشكال التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، «اتفاقية تعاون عسكري»، تم توقيعها الأربعاء في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره إردوغان. ووقّع الاتفاقية من الجانب المصري وزير الدفاع الفريق أول عبد المجيد صقر، وعن الجانب التركي وزير الدفاع يشار غولر.

«بحر الصداقة»

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية، مما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة» أخيراً، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، وكذلك انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

اتفاقية إطارية للتعاون العسكري بين مصر وتركيا بحضور رئيسي البلدين (الرئاسة المصرية)

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية، بشير عبد الفتاح، يرى أن «تطوير التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا يشمل عدة أبعاد؛ أولها، المناورات العسكرية المشتركة بين الجانبين بحرياً وجوياً وبرياً بشكل منتظم لرفع مستوى الكفاءة القتالية لجيشي البلدين وتبادل الخبرات».

والثاني يرتبط، وفق ما أكده عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»، بالتصنيع العسكري والدفاعي، حيث دخل البلدان في مشاريع مشتركة لتصنيع منظومات دفاعية متطورة تضم أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والمسيّرات والطائرات المقاتلة أيضاً، مثل المقاتلة الشبحية التركية من طراز «KAAN»، مشيراً إلى أن هذا البُعد «يهدف بجانب تسليح جيشي البلدين، إلى العمل على تسويق المنتج العسكري التركي والمصري في أفريقيا والدول العربية، والاعتماد بشكل أكبر على الخبرة المصرية في التسويق بالمنطقة».

ووفق ما أضاف عبد الفتاح، فإن «البُعد الثالث يتمثل في التعاون الأمني والاستخباراتي عبر تبادل المعلومات في مكافحة الإرهاب والقرصنة بالبحر المتوسط، والتعاون في ليبيا والسودان، وهناك مساع حالياً لأن يكون هناك تنسيق عسكري دائم بين البلدين للتعامل مع التحديات المختلفة، كما أن هناك أحاديث عن أنه يمكن أن يصل الأمر لتوقيع اتفاقية للدفاع المشترك، ولكن كون تركيا دولة عضو في (حلف الناتو)، فقد يصعب توقيع مثل هذه الاتفاقية والاكتفاء بمسألة التنسيق العسكري، والتبادل المعلوماتي الاستخباراتي».

تعزيز التقارب

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد، قال إن «مصر وتركيا تحرصان على تعزيز التقارب بينهما من منطلق أن التحديات لكلا البلدين واحدة، وهناك تغيير لموازين القوى الإقليمية، وظهور قوى جديدة في المنطقة، وكل هذا يؤدي إلى ضرورة عودة النفوذ المصري والتركي في مواجهة نفوذ إسرائيل، ومن ثم نجد حرصاً من القاهرة وأنقرة على بناء قدرات دفاعية مشتركة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك تعاوناً بين البلدين في المجالات الدفاعية على مستوى تبادل المعلومات العسكرية والاستخباراتية والمناورات المشتركة، وهناك خطة لحصول مصر على المسيّرة التركية (بيرقدار 2 )، فضلاً عن سيارات مدرعة مسيّرة، والتعاون في تطويرها، وتسعى القاهرة ليس فقط إلى الحصول على هذه التكنولوجيا العسكرية التركية بل وتوطينها أيضاً».

وتابع: «تعمل تركيا على تقديم تسهيلات في مسألة نقل التكنولوجيا، ولا تربطها بشروط سياسية قوية مثلما يفعل الاتحاد الأوروبي أو الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، وهناك بالفعل شركة تركية تم تأسيسها في القاهرة، وستتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع بمصر في هذا المجال».

أصدرت القاهرة وأنقرة بياناً مشتركاً لتفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين (الرئاسة المصرية)

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية، «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

كما وقّعت مصر وتركيا، في أغسطس (آب) الماضي، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي. كما بدأ إنتاج المركبات الأرضية المسيّرة بناء على شراكة بين شركة «هافيلسان» التركية ومصنع «قادر» المصري.

ونوه عبد الواحد بأن «مصر ستستفيد جداً من نقل التكنولوجيا العسكرية التركية، وستعمل فيما بعد على تصديرها، فضلاً عن كون مصر لديها صناعة المسيّرات الخاصة بها، مما يجعلها فيما بعد تصل لصناعة مسيرات مصرية 100 في المائة، فضلاً عن مشروع الطائرة الشبحية التركية المقاتلة (KAAN)، الذي رفضت أنقرة أن تكون محركاتها من أميركا وأوروبا حتى لا تظل تحت وصايتهم، ومن ثم التعاون مع مصر قد يؤدي إلى صناعة محرك خاص لتلك الطائرة بتكنولوجيا مصرية تركية، وتستفيد البلدان بشدة من وراء ذلك التعاون».

فصل جديد

وكانت شركة «أسيلسان» التركية، إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في العالم، أعلنت أخيراً افتتاح مكتب تمثيلي إقليمي لها في مصر تحت اسم «Aselsan Egyptk» لـ«تعزيز التعاون المشترك مع مصر»، حسبما قال المدير العام للشركة، أحمد أكيول، بعد مشاركة شركة الصناعات الدفاعية في معرض الدفاع المصري «إيديكس 2025» في القاهرة خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي شارك فيه نحو 80 شركة تركية؛ إذ وصف الخطوة بأنها «فصل جديد» في خدمة الشركاء المصريين مباشرة، مع وجود فيزيائي دائم في البلاد.

ووفق أكيول، يهدف «المكتب» إلى «تسهيل تقديم الخدمات والدعم الفني للقوات المسلحة المصرية والعملاء المحليين، مع التركيز على تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة تستفيد من خبرات (أسيلسان) في الإلكترونيات العسكرية والقدرات التصنيعية المصرية المتقدمة».

وأكد أكيول أن «التعاون يشمل توقيع اتفاقيات أولية مع ثلاث شركات مصرية، بهدف تحولها إلى إنتاج مشترك وأنشطة تعاونية طويلة الأمد، مع الإعلان الرسمي عن المنتجات الدفاعية المشتركة خلال النسخة المقبلة من معرض (إيديكس 2027)».

وحسب بيان للشركة أخيراً، فإن «(أسيلسان) تسعى إلى الانتقال من التصدير إلى الإنتاج المشترك، مستفيدة من القدرات التصنيعية المصرية المتقدمة في (الهيئة العربية للتصنيع) وغيرها».


خطر المجاعة يتوسع في دارفور بغرب السودان

مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
TT

خطر المجاعة يتوسع في دارفور بغرب السودان

مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)

حذّر خبراء مدعومون من «الأمم المتحدة»، الخميس، من توسع خطر المجاعة إلى مدينتيْ كرنوي وأم برو في شمال دارفور بغرب السودان، بسبب موجات النزوح الضخمة عقب سقوط مدينة الفاشر عاصمة الولاية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أكد خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أنه «جرى تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما كرنوي وأم برو»، بالقرب من الحدود مع تشاد.

وأحكمت قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً ضد الجيش منذ أبريل (نيسان) 2023، سيطرتها على الفاشر، بنهاية العام الماضي، ليصبح إقليم دارفور بالكامل في قبضتها، باستثناء مناطق صغيرة تسيطر عليها قوى محلية محايدة.

ومنذ سقوط الفاشر، نزح منها أكثر من 120 ألف شخص، وفقاً للأمم المتحدة، توجَّه كثيرون منهم إلى مدن أخرى في شمال دارفور تعاني بالفعل قلة الموارد وتكدس النازحين.

وأوضح الخبراء، في تقريرهم، الخميس، أن موجات النزوح من الفاشر أدت إلى «استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية وزيادة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد».

وأشار التقرير إلى أن تحذير الخميس لا يعني إعلان المجاعة بتلك المناطق، «بل يوجّه الانتباه العاجل إلى أزمات الأمن الغذائي والتغذية، استناداً إلى أحدث الأدلة المتاحة».

ويصعب التحقق من البيانات في معظم مناطق غرب السودان بسبب قطع الطرق والاتصالات.

وحذّر التقرير من أن سوء التغذية الحاد مستمر في التفاقم خلال عام 2026 «ومن المتوقع أن يؤدي النزوح المطوَّل والصراع وتآكل نظم الرعاية الصحية والماء والغذاء إلى زيادة سوء التغذية الحاد وانعدام الأمن الغذائي».

وأدت الحرب في السودان، التي تقترب من عامها الثالث، إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 11 مليوناً داخل البلاد وخارجها، يعيش كثيرون منهم في قرى أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحاجات الأساسية في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة.