علاوي: العبادي تمسك بالقشور.. وقراره بإلغاء مناصب نواب الرئيس ليس دستوريًا

أكد في حديث لـ {الشرق الأوسط} أن خادم الحرمين يمتلك رؤية عميقة والسعودية عمود الاستقرار في المنطقة

رئيس حركة الوفاق الوطني العراقي الدكتور إياد علاوي
رئيس حركة الوفاق الوطني العراقي الدكتور إياد علاوي
TT

علاوي: العبادي تمسك بالقشور.. وقراره بإلغاء مناصب نواب الرئيس ليس دستوريًا

رئيس حركة الوفاق الوطني العراقي الدكتور إياد علاوي
رئيس حركة الوفاق الوطني العراقي الدكتور إياد علاوي

يكشف رئيس حركة الوفاق الوطني العراقي الدكتور إياد علاوي، رئيس أول حكومة عراقية بعد تغيير نظام صدام حسين، عن أن قرار حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية بإلغاء منصبه كنائب لرئيس جمهورية العراق ليس دستوريًا ولا قانونيًا ولا يتناسب مع التوافق الوطني، مشيرًا إلى أنه عرف بقرار إلغاء منصبه من خلال موقع العبادي على شبكة الإنترنت. وفي حواره مع «الشرق الأوسط» الذي تم بمكتبه ببغداد، أكد علاوي أن «العبادي حتى الآن لم يقم بأي إصلاحات حقيقية»، معلنا عن «موت العملية السياسية القائمة على الطائفية السياسية»، ومؤكدا أنه «سينضم إلى المعارضة السلمية من أجل تحقيق دولة المواطنة». وقال علاوي إنه يسعى لعقد مؤتمر خارطة طريق عربية، مشيرا إلى أن «السعودية هي عمود الاستقرار في المنطقة». وفيما يلي نص الحوار:

* هل كان عندكم علم أو كان هناك اتفاق مسبق حول إقالتكم من منصبكم كنائب لرئيس الجمهورية من قبل رئيس الحكومة حيدر العبادي؟
- هي ليست إقالة، بل طلب إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية، وليس من صلاحيات العبادي إقالتنا، لأننا لا نعمل موظفين عنده، ربما له الحق في إقالة نواب رئيس الوزراء أو استبدالهم، أما موضوع نواب رئيس الجمهورية، فوجودهم دستوري ومثبت في الدستور العراقي وبصورة قانونية، كما أنه ليس من حقه التدخل في مجالس المحافظات ولا دمج الوزارات الموجودة بقانون، والعبادي نشر القرار بموقع رئاسة الوزراء وكأن موقعه هو الجريدة الرسمية، وهذا ذكرني بأسلوب صدام حسين عندما كان يجتمع مع وزير أو مسؤول بينما الإذاعة تبث قرار إقالته أو إحالة هذا الوزير إلى التقاعد. لا، لم نكن نعرف بقراره ولا رئيس الجمهورية كان على علم بهذا القرار، ولا رئيس مجلس النواب يعرف مسبقًا. ومثلما يعرف الجميع، فإن العبادي جاء إلى هذا الموقع بتوافق سياسي بناء على وثيقة سُمّيت بوثيقة الإصلاح السياسي التي نحن وغيرنا من النواب ساهمنا بإعدادها، وضمنت ببرنامج سُمي «البرنامج الحكومي»، وهذه الوثيقة هي التي جاء وفقها الرئيس فؤاد معصوم ورئيس البرلمان سليم الجبوري والعبادي نفسه. هذا القرار كان خطأ دستوريًا وقانونيًا؛ فمشكلة العراق ليست هذه الوظائف، المشكلات الحقيقية أعمق بكثير، منها وجود الإرهاب وتمدد «داعش» والعجز في الميزانية، ومنها خراب العملية السياسية والطائفية السياسية والدمار الذي أصاب المجتمع العراقي ومشكلات النازحين والمهاجرين. اليوم شباب العراق يغرقون بالبحر في طريق هجرتهم لأوروبا حتى يتخلصوا من الأوضاع السيئة التي يمر بها البلد، والعبادي بدلا من معالجة المشكلات الحقيقية التي يعيشها الشعب، جاء وألغى 6 وظائف.. هذه معالجة غير صحيحة.
* باعتقادكم، هل قرار العبادي بإلغاء مناصبكم هو نوع من التقشف أم استجابة لمطالب المتظاهرين؟
- بصراحة أنا سميته تقشفًا وليس إصلاحات ولا يطال أصل المشكلات والأزمات في العراق. العبادي يعرف أنني معه ودعمته ونصحته وعملت ما طلبه مني من دعم في المحيط الوطني وعلاقاتي العربية والدولية. كان بإمكانه (العبادي) أن يأتي ويقول لنا إنه ليس بحاجة لمنصب نواب رئيس الجمهورية، أو يطلب مني الاستقالة، فأنا لست بحاجة لهذا المنصب ولم يكن في نيتي أن أشارك في العمل بالحكومة لولا 3 عناصر دفعتني لهذه المشاركة؛ أولا الضغط الذي صار من قبل بقية الأطراف السياسية، باستثناء حزب الدعوة، للمشاركة في الحكومة، ثانيا أنني شعرت بأن العراق في مسار ختامي؛ إما أن يبقى أو يتشظى، ولهذا قلت إنه ليس من المعقول أن أتخلى عن البلد في هذا الظرف بعدما ناضلنا لعقود طويلة من أجله ومن أجل شعبنا. المسألة الثالثة، وهي الأهم، أنني لمست أن هناك اتجاها حقيقيا للمصالحة الوطنية، وهو الملف الذي تصديت له وصار ضمن مسؤولياتي؛ فالبلد لا يمكن أن يستقر، والعملية السياسية لن تنجح إذا بقيت قائمة على الطائفية السياسية والتهميش والإقصاء، بسبب أن هذا كان في الجيش أو بعثيا أو في المخابرات. كنتُ قد تحدثت مرات عدة مع الأخ العبادي عن الإصلاحات والمصالحة الوطنية والجيش والحشد الشعبي والحرس الوطني وقدمت له مذكرات كثيرة ومهمة عن الوضع السياسي العراقي، لهذا أنا لا أعتقد أن السيد العبادي قد توصل إلى جوهر المشكلة، بل هو تمسك بالقشور، إذ ليس هناك إجراء جدي وملموس، ولا انعكس إيجابيا على مسارات العملية السياسية. بهذه المناسبة أحب أن أذكر بأن العملية السياسية ماتت، بل هي وُلدت ميتة أساسا، لأنها قامت في ظل احتلال وعلى أساس الطائفية السياسية والتهميش والإقصاء والترويع والقهر والدمار، ودليل ذلك ما حصل في العراق، خاصة ما يتعلق بوجود «داعش» وسقوط محافظات عراقية بأيدي هذا التنظيم الإرهابي، والحكومة لا تمتلك القدرة على مواجهته بل تعتمد على الأميركيين وغيرهم من الحلفاء الذين هم أيضًا غير قادرين على إنهاء وجود «داعش»، ويقولون إن الأمر يتطلب سنوات طويلة. غير هذا فإن علاقة الحكومة مع إقليم كردستان سيئة وسلبية، هذا جزء مما يحصل في العراق، والجزء الآخر، وهو الأهم، أن العراقيين ثائرون اليوم في بغداد والبصرة والناصرية والديوانية وبابل وبقية المحافظات، عليه، أنا لا أعرف ما يقوم به الأخ العبادي تحديدا، ومن ينصحه في هذا الموضوع أو ذاك، خاصة بعد أن تجاوز رفاقه وشركاءه في العمل السياسي، في الأقل نظريا نحن شركاؤه في العمل السياسي، ولا أعتقد أن هذه الطريقة في العمل ستؤدي إلى نتائج إيجابية.
* هل قرار إلغاء مناصبكم دستوري أو قانوني؟
- القرار ليس دستوريًا ولا قانونيًا ولا يتوافق مع التوافق الوطني.
* باعتقادكم من يقف في طريق رئيس الوزراء لتحقيق إصلاحات حقيقية؟
- لا أحد. نحن أول من طالب وبقوة بإجراء إصلاحات حقيقية وتجاوز الطائفية السياسية التي امتدت حتى إلى الوظائف. أنا قلت مرات كثيرة لا يهمني أن يأتي شيعي أو سني أو مسيحي أو كردي أو تركماني لهذه الوظيفة أو تلك، بقدر ما يهمني أن يكون النهج وطنيا. لقد تقدمتُ بمشروع حقيقي في هذا المجال لا يعتمد على المؤتمرات، بل على إجراءات عملية تسودها الثقة يمكن أن تبني عليها مصالحة وطنية حقيقية بين العراقيين، وباعتقادي ليس هناك من يقف بوجه رئيس الوزراء للقيام بإصلاحات حقيقية، وما قام به حتى الآن ليس إصلاحات، إنما إجراءات تقشف بسيطة وقطع رواتب ستة مسؤولين لا توفر الكثير للدولة.
* كم كان سقف رواتبكم عندما كنت رئيسًا للوزراء في 2004؟
- كان راتب الوزير أربعة آلاف دولار ورئيس الوزراء خمسة آلاف دولار، وهذا السقف في الرواتب جاء من الوزارة التي شكلها (الحاكم الأميركي بول) بريمر، وكان الأخ العبادي وزيرًا للاتصالات فيها، والأخ عادل عبد المهدي وزيرًا للمالية، وأعتقد أن رواتبهم في تلك الحكومة كانت أعلى من رواتبنا، ولم تكن هناك ميزانية، فقد كانت الميزانية مسلَّمة منذ يناير (كانون الثاني) 2004 ونحن تسلمنا المسؤولية في 28 يونيو (حزيران) 2004 وعمليًا في الأول من يوليو (تموز) 2004، وكان بريمر قد سلم الميزانية نقدًا للوزراء والأموال كانت تأتي في أكياس كبيرة محملة بملايين الدولارات وتنقل بطائرات خاصة، وأتذكر عندما انتقلت السيادة للعراق، سلمنا بريمر، وبحضور عادل عبد المهدي بصفته وزيرا للمالية وسنان الشبيبي بصفته محافظ البنك المركزي، قائمة مطبوعة بنفقات ما يقارب مليارًا ونصف المليار دولار، ولم أقبل بالتوقيع عليها إذ طلبت تفاصيل هذه النفقات والمشاريع التي أنفقت عليها ونحن تسلمنا بحدود 150 مليون دولار في شهر يوليو (تموز) 2004 وبدأنا نتسلم عائدات النفط حيث كان سعر البرميل ما بين 28 إلى 30 دولارًا، ووضعنا الميزانية على أساس سعر البرميل 26 دولارًا، وإذا زاد سعره فنضعه في احتياطي البنك المركزي من العملات الصعبة لتأمين استقرار الاقتصاد والدينار العراقي، وأنا شخصيا كلفت «سكرتاريتي» بتوزيع راتبي على المحتاجين.
* ما الفرق بين حكومتي نوري المالكي (رئيس الوزراء السابق) والعبادي؟
- حتى الآن ليس هناك أي فرق؛ في عهد المالكي خسرنا الموصل، أنا لا أقول هو المسؤول، والقضاء هو الذي يجب أن يحدد مَن المسؤول عن خسارة الموصل، وفي عهد العبادي خسرنا الرمادي، وأيضًا هنا لا أقول إن العبادي هو المسؤول عن خسارتنا للرمادي، و«داعش» تمدد وأصبح قوة موجودة على الأرض، بحيث كلما نقول: «حررنا بيجي»، يعود التنظيم المسلح ويسيطر على بيجي.
* هل لا يزال الحكم في العراق هو حكم الحزب الواحد؟
- ما يدور من حديث حول الشراكة في الحكم غير حقيقي، ولا توجد شراكة، بدليل أنه لم يعرف أحد ممن يفترض أنهم شركاء في العملية السياسية بما يُسمى حزمة الإصلاحات، بل حتى إن رئيس الجمهورية الأخ فؤاد معصوم قال لي إنه سمع بهذه الإجراءات عن طريق الإعلام. نحن نلاحظ أن التغيير في المناصب يتم فقط بالأسماء، وتأتي وجوه وأسماء من الحزب نفسه (الدعوة)، وحزب الدعوة فيه مناضلون قاتلوا ضد نظام صدام حسين، وهؤلاء انتهوا ورحلوا عن الحزب وجاءت طواقم جديدة تقود الحزب اليوم وقسم من قياداته السابقة ما زالوا موجودين، لكنهم ليسوا في مواقع المسؤولية، وعلى ما يبدو لن نتخلص من ظاهرة تقديم القريب والصديق والرفيق أو الزميل الحزبي الذي هو عضو في حزب رئيس الوزراء أو صاحب السلطة في العراق، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا، خاصة بوجود الدستور، على الرغم من تحفظاتنا على الدستور، لكنه الوثيقة الوحيدة الموجودة، وعلى الرغم من وجود قوانين وتوافق وطني.
* من ضمن مطالب المتظاهرين أن يستقيل العبادي من حزب الدعوة ما دام هو رئيسًا للوزراء، هل تعتقد أنه سيقدم على مثل هذه الخطوة؟
- دعني أكشف سرًا هنا، في أول أو ثاني لقاء لي مع الأخ العبادي وقبل تشكيل الوزارة، قلت له: (أخي الكريم، عليك أن تترك حزب الدعوة طوال توليك رئاسة الحكومة، ولك أن تعود، إذا أردت، لحزبك بعد أن تنتهي ولايتك، لكن أن تبقى في حزب الدعوة ورئيسا للوزراء فهذا غير صحيح). لكنه ضحك دون أن يرد، واعتقدت، لكونه رجلا متعلما، أنه استوعب القصة. لا يهمني أن يكون العبادي في حزب الدعوة، لكن لا يمكن أن يكون رئيسا للوزراء وهو يمثل حزبه ولا يمثل العراق والعراقيين، ولا يمكن أن يصل حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون إلى السلطة ويقرر أن يعين في مناصب الحكومة فقط أشخاصا من أعضاء حزبه وائتلافه، بينما لا يمنح من يسمون بالشركاء في العملية السياسية والحكومة سوى الفتات والمناصب الثانوية والتهميش.
أتذكر أنني عندما تسلمت منصب رئاسة الوزراء عام 2004 تركت موقعي كزعيم لحركة الوفاق، وسلمته للأخ عماد شبيب، وقلت للإخوة في الحركة: عندما تنتهي فترة رئاستي للحكومة سأعود للحركة كعضو أو أي موقع تختارونني فيه، لأن مسؤولية إدارة العراق هي الأهم، وعينت اثنين من الحركة في الحكومة، ولم أعيِّن أيًا من أقاربي، بل طلبت من أقاربي الذين أعادوا فتح مكتبهم التجاري في العراق أن ينقلوا المكتب إلى دولة أخرى، حتى تنتهي ولايتي كرئيس للوزراء.
وكلنا نعرف ما جرى في 2010، عندما فازت «العراقية» بالانتخابات على الرغم من التزوير، وأصرت دولة القانون على تسلم الحكم بدعم من إيران والولايات المتحدة الأميركية، وفي انتخابات 2014 جرى تزوير واجتثاث في قائمتنا ومحاربتنا، وحصلنا على ما حصلنا عليه، وقررنا التعاون مع العبادي بعد إصرار القوى السياسية على الوقوف بوجه الولاية الثالثة لرئيس الوزراء السابق، وبالفعل التقيت العبادي عدة مرات وتحدثنا ودعوت بعض الدول العربية للانفتاح عليه وتأييده، وقلت له: أنا مستعد أن أدعمك ولست منافسا لك، كوني مؤمنا بالعراق وبشعبنا وسلامته وبناء دولة المواطنة والمؤسسات المدنية وإنهاء الطائفية السياسية، ومؤمنًا بعمقنا العربي. ووعد خيرًا، وها نحن نعبر عتبة السنة الأولى على حكم العبادي ولم يتحقق أي شيء، بل ما حدث ويحدث هو العكس، وتضاعفت مشكلات الفقر والفساد وانهيار العملية السياسية الكئيبة التي ما عادت تشرف أحدًا، حتى مجلس النواب الذي يمثل الشعب العراقي منقسم.
* إذا كنتم معترضين على العملية السياسية في العراق؛ فلماذا أنتم فيها حتى اليوم؟
- سأكشف لـ«الشرق الأوسط» سرًا؛ كتبتُ خطاب استقالتي في الثالث من مايو (أيار)، وكنت أنوي تقديمها، لكن ما حصل هو التقدم المخيف لتنظيم داعش، ووجدت من المعيب أن يتقدم «داعش» ونحن نتقهقر دون أن أقوم بدوري، مهما كان هذا الدور، في محاربة الإرهاب والطائفية السياسية التي هي من جاء بـ«داعش»، لهذا تريثتُ في هذا الموضوع، وربما لا أكشف سرًا إذا أخبرتكم بأني اتصلت بإحدى دول مجلس التعاون الخليجي، واعذرني عن ذكر اسم الدولة، وبناء على طلب الحكومة العراقية طلبت من هذه الدولة الشقيقة سلاحًا مجانيًا للجيش العراقي، وكانت استجابتهم بمستوى عروبة ورقي هذه الدولة ومجلس التعاون الخليجي، وقدموا جزءًا من المساعدة، على أن تستكمل بعد اجتماعهم مع وفد عسكري من وزارة الدفاع العراقية لمعرفة احتياجاتهم، لكن ما قدموه لم تتسلمه وزارة الدفاع، بل تسلمته جهات عراقية أخرى لا أعرف هويتها. دوري كان ولا يزال وسيبقى دعم بلدي من خلال علاقاتي الوطنية والعربية والدولية، وغالبا ما قلت وأبلغت العبادي بأن الانتصار على «داعش» هو انتصار سياسي وليس عسكريا، وما لم ننتصر سياسيا فلن ننتصر عسكريا، والانتصار السياسي يكمن بالمصالحة الوطنية وإلغاء الطائفية السياسية وعودة النازحين واحترامهم وعودتهم إلى بيوتهم، هذا ما أنا مؤمن به وما منعني من تقديم استقالتي.
* هل هذا يعني أنكم ستنتقلون إلى صف المعارضة؟
- نعم، سأكون معارضا سلميا لهذه العملية السياسية حتى نبني على أنقاضها عملية سياسية تليق بشعبنا الذي ضحى بملايين «الشهداء» عبر سفره في التاريخ الحديث.
* اليوم هناك انقسام شيعي - شيعي وسني - سني، هل تعتقد أن هذا يضعف العملية السياسية؟
- أعتقد أن هذه المسألة تشكل عاملا إيجابيا، فالناس ملّت من الطائفية السياسية سواء كانت شيعية أو سنية، لهذا بدأ التفكك في هذه الكيانات التي تبنت مشروع الطائفية السياسية، وهذا أعتبره عامل قوة إذا استثمر بشكل جيد، وسيغير العملية السياسية في العراق، وسيعود التيار المدني الوطني إلى الصدارة، وهذا من المؤشرات الجيدة، وثبت للكتل التي تبنت الطائفية السياسية، سواء من السنة أو الشيعة، أن هذا النهج لا يعالج مشكلات المجتمع بالكامل، بل إن ما يعالج هذه المشكلات هو النفس الوطني.
* ما حجم التدخل الخارجي في الملف العراقي؟
- هناك تدخل كبير ومؤثر، خاصة من قبل إيران، وقلت للسفير الإيراني في العراق الذي التقيته في مكتبي قبل أيام بحضور أعضاء من حركة الوفاق الوطني العراقي: إنكم جار للعراق، سواء شئنا أم أبينا، وهناك ظروف تاريخية وواقع جغرافي، لكننا لا تقبل بالهيمنة والتدخل في الشأن العراقي على الإطلاق، والعلاقات السياسية يجب أن تقوم على أساس احترام السيادة الوطنية والحفاظ على المصالح المشتركة، وليس عندنا أي شيء ضدكم، خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الكبرى؛ فهذا يفتح بابًا لإغلاق الملفات وتحسين العلاقات مع العراق ومع بقية الدول العربية، والعراق يستطيع أن يلعب دورا مهما في المنطقة شرط أن لا يكون تحت هيمنة أي دولة أخرى. وقلت له أيضا: كلنا نعرف أن هناك صراعا إقليميا يدور على الساحة العراقية وضحيته شعبنا وشعوب المنطقة، وخصوصا العربية، ومنها، إضافة إلى العراق، سوريا واليمن ولبنان. لهذا طلبتُ اجتماع مجلس العلاقات العربية والدولية، وتحدثت بهذا الكلام، وأصدرنا بيانًا لوضع خارطة طريق بمشاركة جميع الدول باستثناء إسرائيل وسوريا التي لا يوجد من يمثلها، خارطة الطريق هذه إذا لم تتحقق فلن يستقر أي نظام عربي خاصة في العراق واليمن وسوريا، لهذا مطلوب منا وضع خارطة طريق عربية، ووضع النقاط على الحروف، وصار اتفاق بأن يكون هناك اجتماع يوم 29 من الشهر الحالي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة لمناقشة الإرهاب والأمن الإقليمي، وأرسلنا رسائل للأشقاء العرب. اليوم أصبح من المهم عقد المؤتمر الإقليمي ومناقشة الأمن الإقليمي بعد الاتفاق النووي الإيراني، وقد أصدرتُ بيانا قلتُ فيه إنه كان يجب أن تتم مناقشة الأمن الإقليمي بالتزامن مع الاتفاق النووي الإيراني.
* باعتقادكم، ما الدور السعودي في موضوع الأمن الإقليمي؟
- السعودية مركز مهم وعمود أساسي من أعمدة الاستقرار في المنطقة، وسياسة قيادة المملكة، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد، وولي ولي العهد، هي استمرار لنهج السعودية الواضح في الدفاع عن القضايا العربية بشكل مستمر، ومنذ عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، كانت السعودية سبّاقة وواضحة في طرح والتزام قضايا العرب، وعلينا العمل مع القيادة السعودية لتجاوز الأزمات في المنطقة والوصول إلى شواطئ الاستقرار والأمان.
في اليمن إذا لم يُحسم الأمر، فسوف يشكل خطرًا على المنطقة، وأنا متفق مع سياسة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بالتعامل مع الأزمة اليمنية حفاظا على أمن الخليج والمنطقة. أكنّ الاحترام الكبير لخادم الحرمين، إذ إن لديه رؤية عميقة للأوضاع، وكذلك ولي العهد وولي ولي العهد الذي تعرفت على خطاباته، التي تؤكد أنه يمضي في الطريق الصحيح، وهذا لا يعني التقليل من أهمية دول مجلس التعاون الخليجي التي مع السعودية تستطيع أن تحقق الاستقرار في المنطقة، إضافة إلى مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.