بريطانيا تستعد للخروج من الاتحاد باتفاقات ثنائية أوروبية

«رؤية مشتركة» دفاعية مع ألمانيا لكسب برلين إلى جانبها

بريطانيا تستعد للخروج من الاتحاد باتفاقات ثنائية أوروبية
TT

بريطانيا تستعد للخروج من الاتحاد باتفاقات ثنائية أوروبية

بريطانيا تستعد للخروج من الاتحاد باتفاقات ثنائية أوروبية

مع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتزايد المخاوف من عدم التوصل إلى اتفاق بين لندن وبروكسل يحدد العلاقة بين الطرفين بعد الخروج، يبدو أن بريطانيا بدأت تسعى إلى عقد اتفاقات ثنائية مع الدول الأوروبية الرئيسية تضمن استمرار التعاون في المستقبل.
وشهدت بلدة ميندن الصغيرة غرب ألمانيا، توقيع اتفاقية دفاعية بعنوان «الرؤية المشتركة» بين وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون ونظيرته الألمانية أورسولا فون دير لاير. وذكر البيان أن اتفاقية التعاون الجديدة ستعزز التعاون بين البلدين في مجالات دفاعية مختلفة من محاربة الإرهاب إلى بناء القدرات العسكرية.
وعلق ويليامسون بعد التوقيع على الاتفاقية بالقول: «رغم أننا نستعد لمغادرة الاتحاد الأوروبي فإن التزامنا بالأمن الأوروبي ثابت، والاتفاق الجديد يعزز العلاقات البريطانية - الألمانية ويدعم الدفاع بين شريكين أساسيين في حلف شمالي الأطلسي». أما فون دير لاين فوصفت الاتفاقية بأنها «إشارة رمزية مهمة للصداقة الألمانية - البريطانية»، وقالت إن برلين ولندن يسعيان لتعزيز «التعاون الجيد أكثر في المستقبل في مجالات البحرية والقوات الجوية والقدرات الإلكترونية».
ورغم أن الاتفاقية تحمل القليل من المنافع الدفاعية لبريطانيا التي تمتلك أفضل قدرات استخباراتية وعسكرية ضمن دول الاتحاد الأوروبي، فإن لها دلالات سياسية كبيرة. ويرى محللون أن بريطانيا تحاول «كسب» ألمانيا إلى جانبها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي التي تلقى تشددا من قبل فرنسا.
وقبل أن تقدم رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي خطة تشيكيرز للخروج من الاتحاد، التقت خلال أسبوع واحد، سبق ولادة الخطة، ثلاث مرات بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وتبدو ألمانيا التي تعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، أكثر ليونة في المفاوضات مع بريطانيا من فرنسا.
والاتفاقية الدفاعية التي تم التوقيع عليها، لا شك أنها تمثل أهمية أكبر بالنسبة لبرلين التي ما زال إنفاقها العسكري منخفضا نسبة لدخلها القومي، وجيشها وعتادها بحاجة لتأهيل كبيرين. وقلصت ألمانيا من إنفاقها العسكري بعد الحرب العالمية الثانية وهي تتفادى المشاركة في عمليات قتالية في الخارج، وتشارك عادة في التدريب ومهمات حفظ السلام في مالي وأفغانستان والعراق وليبيا. إنفاق ألمانيا العسكري لا يصل إلى نسبة الـ2 في المائة المطلوبة من دول الحلف وهو لا يتعدى الـ28.1 في المائة. ويتسبب ذلك لألمانيا في انتقادات شديدة من واشنطن، وهي انتقادات تزايدت وخرجت إلى العلن منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. وقد دفع ذلك ببرلين إلى إعلان التزامها زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى 2 في المائة بحلول عام ٢٠٢٤. كما أن «الخلافات» المتزايدة مع إدارة ترمب، دفعت أيضا بالأوروبيين إلى التفكير بنظام دفاعي أوروبي، خاصة بين ألمانيا وفرنسا، خارج حلف الناتو. وهي فكرة رغم أن الحديث عنها مستمر منذ عامين، فهي لم تتبلور بعد اتفاقات جدية.
ويشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحديات كثيرة لهذه الجزيرة المرتبطة بعلاقات تعاون دفاعية وثيقة مع أوروبا منذ عقود، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب. ويتشارك الطرفان تبادل المعلومات الاستخباراتية وغيرها ويرتبطان عبر أكثر من منظمة مثل اليوروبول التي تتيح استخدام مذكرة التوقيف الأوروبية بين دول الاتحاد. وبحسب دراسة لمؤسسة راند للدراسات العسكرية، فإن «التعاون الدفاعي الدولي لبريطانيا يحصل ضمن أطر ثنائية أو ضمن حلف الناتو، وهذا ما سيبقى عليه الحال بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي».
ومن هنا جاءت مساعي بريطانيا لتعزيز اتفاقاتها الدفاعية الثنائية مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا، وفرنسا التي تقارب بريطانيا باتفاقها العسكري. وكانت لندن قد وقعت مع باريس اتفاقية تعاون عسكري واسعة عام 2010 عرفت باتفاقية «لانكاستر هاوس»، ووصف الملحق العسكري في السفارة البريطانية في برلين بريغيدير جنرال روبرت رايدر، الاتفاقية مع فرنسا بأنها «علامة فارقة في التعاون العسكري بين البلدين ذهبت إلى أبعد من أي اتفاقية وُقعت في السابق». وكتب حينها عام 2016 بأن بريطانيا تسعى لعقد اتفاقية ثنائية مماثلة مع ألمانيا، مضيفا: «لطالما فضلت ألمانيا المقاربة المتعددة ضمن الناتو والاتحاد الأوروبي، وليس الثنائية. ولكن لطالما كانت بيننا تعاون صامت، لذلك ربما يجب أن يكون هناك استمرارية وحتى تكثيف للعلاقات المميزة بيننا على الصعيد الثنائي».
وفي الواقع، فإن الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في ألمانيا قبل يومين، لم تكن وليدة الأمس. فقد بدأ العمل بعد وقت قصير من تصويت البريطانيين في الاستفتاء الشعبي للخروج من الاتحاد الأوروبي. وفي صيف العام الماضي، نشرت وزارة الدفاع البريطانية بيانا حول التوصل إلى «رؤية مشتركة» مع ألمانيا، وأضافت أن الطرفين يبحثان عن فرصة لتوقيعها رسميا. وفي برلين قالت مصادر رسمية إن التأجيل حصل بسبب الانتخابات، ومن ثم كان انتظار تشكيل الحكومة الذي استغرق 5 أشهر… وقال بيان وزارة الدفاع البريطانية حينها إنه يتم تطوير «خريطة طريق مشتركة لتأطير تعاوننا» الدفاعي. وجاء التوقيع عليها الآن بعد أيام من إعلان بريطانيا أنها ستبقي على جيوشها المتمركزة في ألمانيا إلى ما بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، رغم أنها ستقلص أعدادهم بشكل كبير. وتقدم بريطانيا دعما للعملية المشتركة مع الناتو وأوروبا من قواعدها في ألمانيا. ولكنها خطوة تدل على حرص لندن على استمرار التعاون الدفاعي بينها وبين برلين والتزامها بأمن ألمانيا، حتى بعد الخروج من التكتل.
وتزداد أهمية الاتفاق أيضا مع تزايد الهجمات الإلكترونية الروسية على دول أوروبية مختلفة. وقد حرص وزير الدفاع البريطاني على التأكيد أن دول الناتو تقف سوية لإدانة هذه الهجمات في اجتماع في بروكسل قبل يومين. وفي الاجتماع نفسه أعلن أن بريطانيا ستسعى إلى تعميق علاقتها الدفاعية مع شركائها للتصدي للهجمات الإلكترونية الروسية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended