ترمب يتهم محاميه بـ«اختلاق قصص» ويشيد بمدير حملته السابق

قال إن تهمتَي انتهاك قانون تمويل الحملة الانتخابية الموجهتين إلى كوهين «ليستا جريمة»

ترمب لدى وصوله إلى «ويست فرجينيا» أول من أمس (أ.ف.ب)
ترمب لدى وصوله إلى «ويست فرجينيا» أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتهم محاميه بـ«اختلاق قصص» ويشيد بمدير حملته السابق

ترمب لدى وصوله إلى «ويست فرجينيا» أول من أمس (أ.ف.ب)
ترمب لدى وصوله إلى «ويست فرجينيا» أول من أمس (أ.ف.ب)

شكك الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، في مصداقية محاميه السابق مايكل كوهين بعدما تلقي ضربتين ذواتي أبعاد قضائية في ظرف أقل من نصف ساعة أول من أمس، من محكمتين مختلفتين.
وأقرّ كوهين أمام قاضٍ فيدرالي في قاعة محكمة مكتظة بمنطقة مانهاتن بنيويورك، بثماني تهم موجهة إليه، من ضمنها الاحتيال الضريبي والمصرفي، وانتهاك القوانين الخاصة بتمويل الحملات الانتخابية خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016. في حين أدانت لجنة محلفين في فيرجينيا رئيس حملة ترمب السابق بول مانافورت بثماني تهم، تتعلق بالضرائب والاحتيال المصرفي.
في هذا السياق، اعترف كوهين الذي بدا محبطاً، وفي بعض الأحيان متلعثماً، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، بأنه دفع مبلغي 130 و150 ألف دولار لامرأتين تقولان إنهما أقامتا علاقة مع ترمب لقاء التزامهما الصمت، مؤكداً أن ذلك تم «بطلب من المرشح» ترمب، وكان الهدف تفادي انتشار معلومات «كانت ستسيء إلى المرشح».
وقال كوهين، إنه تصرف «بالتنسيق مع وبتوجيهات من» ترمب، مضيفاً «لقد شاركت في هذا السلوك بهدف التأثير على الانتخابات».
وفي أول رد فعل على اعترافات كوهين، أكد ترمب في سلسلة من التغريدات أن انتهاكات تمويل حملته «ليست جريمة»، في حين اتهم محاميه السابق باختلاق «قصص» للحصول على صفقة لتخفيف التهم الموجهة إليه. وكتب أن «مايكل كوهين اعترف بذنبه في تهمتين تتعلقان بتمويل الحملة الانتخابية، وهما ليستا جريمة»، مضيفا أن «الرئيس (السابق باراك) أوباما عانى من انتهاك تمويلي كبير لحملته الانتخابية، وتمت تسوية الموضوع بسهولة».
وقارن الرئيس بين كوهين وبين مانافورت، ووصفه بأنه «رجل شجاع جداً». وأضاف «أشعر بالاستياء الشديد حيال بول مانافورت وعائلته الرائعة... على عكس مايكل كوهين فقد رفض الانكسار، واختلاق القصص للتوصل إلى (صفقة)». وأضاف أن «عدداً كبيراً من التهم، عشر، لم تستطع (هيئة المحلفين) تأكيدها في قضية بول مانافورت. مطاردة واضطهاد»، في إشارة إلى التهم التي لم تتمكن هيئة المحلفين من التوصل إلى قرار بشأنها.
وواصل انتقاد محاميه السابق قائلاً «إذا كان أحد يبحث عن محامٍ جيد، فأنا أقترح بقوة ألا تستعينوا بخدمات مايكل كوهين».
وفي حين يتم النظر في القضيتين المنفصلتين أمام محكمتين مختلفتين، غير أن الظل نفسه يخيّم فوق المحاكمتين في ألكسندريا ونيويورك، وهو ظل سيد البيت الأبيض الذي تواجه ولايته مسائل قضائية كثيرة تكبلها؛ إذ تطال الكثير من المقربين منه.
وأفاد ليني ديفيس، محامي كوهين، في بيان بأن موكله قرر «قول الحقيقة بشأن دونالد ترمب»، و«شهد تحت القسم» بأن الرئيس الأميركي «طلب منه ارتكاب جريمة». وتساءل «إن كان تسديد هذين المبلغين يعتبر جريمة ارتكبها مايكل كوهين، فلِمَ لا يشكل جريمة لدونالد ترمب؟». كما أكد في مقابلة مع شبكة «إم إس إن بي سي»، أن كوهين مستعد للتعاون مع المدعي الخاص روبرت مولر، والكشف عن كل ما يعرفه حول تهم التواطؤ مع روسيا.
في المقابل، قال بيغ بيت، وهو محامٍ فيدرالي، إنه ما زالت هناك علامات استفهام حول مصداقية مايكل كوهين. وأضاف أن عرض لاني ديفيس بأن موكله لديه معلومات تهم المحقق مولر في قضية التدخل الروسي، «أمر غير مفهوم»، مشيراً إلى أنه من الناحية القانونية كان الأفضل لديفيس أن يتواصل مع فريق المحقق مولر مباشرة وترتيب موعد للقاء كوهين دون استخدام وسائل الإعلام لجذب الانتباه.
وتعاقب التهم الموجهة إلى مايكل كوهين (51 عاماً) بالسجن لفترة إجمالية يمكن أن تصل إلى 65 عاماً، وسيصدر الحكم بحقه في 12 ديسمبر (كانون الأول)، وسيكون على الأرجح مخففاً بعدما الإقرار بالذنب والاعتراف. وذكر مصدر لشبكة «فوكس نيوز»، أن العقوبة قد تحدد بين 3 و5 سنوات فقط.
من جانبه، قال المدعي العام الفيدرالي في مانهاتن، روبرت خزامي، لدى خروجه من المحكمة «إنها اتهامات في غاية الخطورة تنم عن طريقة عمل قائمة على الكذب، وقلة النزاهة استمرت لفترة طويلة من الوقت».
أما إدانة مانافورت، فتتضمن رمزية كبرى لأنها تختتم أول محاكمة ناجمة عن التحقيق في الملف الروسي، وهو تحقيق يزداد تشعباً يجريه المدعي الخاص روبرت مولر حول تدخل روسيا في حملة الانتخابات الأميركية الأخيرة والشبهات بتواطؤ فريق حملة ترمب مع الكرملين بهذا الشأن.
وبقي مانافورت (69 عاماً) صامتاً عند تلاوة الحكم، وقال محاميه كيفن داونينغ، إن موكله يشعر بـ«خيبة أمل كبيرة» و«يدرس كل الخيارات». وهو يواجه عقوبة قصوى تصل إلى ثمانين عاماً في السجن، لكن المدعي العام الفيدرالي السابق جاكوب فرينكل أوضح لوكالة الصحافة الفرنسية، أن القاضي «يمكن أن يصدر عقوبة تتراوح ما بين سبع وتسع سنوات» في حال اتبع التوجيهات الفيدرالية.
لكن بمعزل عن العقوبة، فإن الإدانة تشكل بعد أسبوعين من الشهادات والمداولات التي تابعها الأميركيون بشكل مكثف، انتصاراً رغم أنه غير مكتمل، للمدعي الخاص مولر.
واستغل الديمقراطيون التطورات الأخيرة لمهاجمة الرئيس، في حين التزم أبرز الجمهوريين الصمت. وسعت نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب، للضغط على النواب الجمهوريين واتهمتهم بالتستر على الرئيس. وطالبت بيلوسي بمكافحة الفساد والإجرام المتفشي في الدائرة الداخلية لإدارة ترمب، وقالت «اعتراف كوهين بدفع مئات الآلاف من الدولارات لإسكات السيدات من أموال تبرعات الانتخابات، يظهر أن مزاعم الرئيس عن عدم علمه بهذا الأمر ليست دقيقة، ويضعه في خطر قانوني كبير». وأضافت أن «تصميم الجمهوريين في الكونغرس على التستر على الرئيس وأتباعه يجعلهم يخونون القسم. ويجب على الجمهوريين في مجلس النواب التخلي عن مساندتهم للرئيس ترمب، وأن يؤكدوا أن لا أحد فوق القانون». كما أشادت بيلوسي بعمل المدعي الخاص روبرت مولر، وقالت إن إدانة كلٍ من مانافورت وكوهين دليل على أن مولر وفريقه يجرون تحقيقات دقيقة ومهنية.
من جانبه، قال متحدث باسم بول راين، رئيس مجلس النواب «نحن على علم باعتراف كوهين بالذنب في هذه التهم الخطيرة، ونحتاج إلى مزيد من المعلومات أكثر مما هو متاح حالياً».
من جنبها، ذكرت شبكة «سي إن إن» عن مصادر بالإدارة الأميركية، أن هناك صدمة بين العاملين بالبيت الأبيض من التطورات في قضيتي مانافورت وكوهين. ويرى جوناثن تورلي، أستاذ القانون بجامعة جورج واشنطن، أن مايكل كوهين ليس شاهداً يتحلى بمصداقية عالية، مشيراً إلى أن معظم ما قاله كوهين خلال اعترافاته أول من أمس كانت حقيقية، بعكس أقواله خلال العام الماضي التي كانت معظمها كذباً. وأوضح، أن استخدام كوهين شاهداً في القضايا التي تخص الرئيس دونالد ترمب يتطلب أن يكون هناك تعاون من جانبه، بحيث يوافق على إعطاء مزيد من التفاصيل عن علاقته بترمب. وأضاف أن أقوال كوهين بشأن تلقيه أوامر من ترمب لدفع مبالغ مالية لستورمي دانيال والتأثير على الحملة الانتخابية لترمب تندرج تحت مظلة قضايا تمويل الحملات، وهو أمر صعب التحقيق فيه وإثباته.
بدورها، تعتقد باربرا ماكواد، محامية أميركية متقاعدة، أن المهم في الأمر بالنسبة للقضاة في قضية كوهين كان التوصل إلى اتفاق يعترف فيه كوهين بالتهم الموجهة إليه، مشيرة إلى أن الخطوة القادمة ستكون التركيز علي الحصول على مزيد من التفاصيل بشأن علاقة بترمب بقضية التدخل الروسي. وأضافت أنه إذا تمكن كوهين من إثبات أن ترمب كان على علم باللقاء الذي عقده ابنه دونالد ترمب جونيور في برج ترمب في نيويورك، مع محامية روسية، فإن دائرة الاتهام ستقترب بشكل كبير من البيت الأبيض.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended