تداعيات تحرير درنة الليبية (1 من 3) : دخول حفتر درنة يرعب خصومه السياسيين في طرابلس

تطورات المعركة على الأرض تعزز حظوظه في الرئاسة

صورة أرشيفية لحفتر وهو يؤدي التحية لجنوده خلال حضور عرض عسكري شرق بنغازي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لحفتر وهو يؤدي التحية لجنوده خلال حضور عرض عسكري شرق بنغازي (أ.ف.ب)
TT

تداعيات تحرير درنة الليبية (1 من 3) : دخول حفتر درنة يرعب خصومه السياسيين في طرابلس

صورة أرشيفية لحفتر وهو يؤدي التحية لجنوده خلال حضور عرض عسكري شرق بنغازي (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لحفتر وهو يؤدي التحية لجنوده خلال حضور عرض عسكري شرق بنغازي (أ.ف.ب)

بينما كانت الرياح تحمل عبق الزهور على حواف الجبل الأخضر تحت شمس الصباح، اقتحم الجنرال الليبي المخضرم خليفة حفتر، آخر معاقل المتطرفين في شرق البلاد، وأصبح يثير مخاوف خصومه في طرابلس، أكثر من أي وقت مضى. لكنه قد يكون في حاجة إلى خوض حروب أخرى في الغرب من أجل بسط كامل سيطرته على الدولة الغارقة في الفوضى.
«الشرق الأوسط» تقدم ثلاث حلقات عن تداعيات تحرير الجيش الوطني، بقيادة حفتر، على الوضع السياسي والعسكري والأمني في عموم ليبيا. وتدور حلقة اليوم عن الحملة السياسية التي تحاول التقليل من انتصارات الجيش وتضخيم اتهامات بارتكاب جرائم ضد مدنيين، خصوصاً بعد قيام عسكريين بإعدام معتقلين يُعتقد أنهم متطرفون، خارج القانون.
في أثناء تمركزهم تحت هوائيات طويلة مع سيارتين تابعتين لسلاح الإشارة العسكرية، تحدث ضباط في الجيش عن الوضع في درنة، مؤكدين أن الجنرال يتعرض في الوقت الحالي لحملة سياسية شرسة من أعدائه، «بسبب أخطاء ثلاثة أو أربعة جنود متهورين»، وأن هذا التصرف «يمكن أن يؤدي إلى تشويه جهوده»، حيث تجري علميات حربية شرسة يقودها في مدينة درنة.
ومن أعلى الهضبة الصخرية، بدت بيوت المدينة، بيضاء. وبين الحين والآخر يتصاعد دخان اشتباكات من منطقة الشلال جنوباً، حيث ما زالت مجموعة من المسلحين تتحصن داخلها.
في صباح اليوم التالي جاءت ثلاث عائلات كانت قد هربت من سطوة المتطرفين، الذين فرضوا سيطرتهم على درنة منذ عام 2011. لكن آمال العبيدي، وهي إعلامية معروفة وابنة المدينة، قالت إنها لم تتمكن من العودة إليها منذ سنوات بسبب سيطرة جماعة «أبو سليم» على مقاليد الأمور فيها. (يطلق اسم «أبو سليم» اختصاراً على خليط من المتطرفين استوطنوا درنة). موضحة أن الوضع في المدينة ما زال صعباً، وأن عملية الجيش، التي تؤيدها، ينبغي أن تكون أكثر احترافية، بالنظر إلى قيام متطرفين بتوريط أطفال في القتال معهم عنوة.
وقال مرافق آخر: «بعض أهالي درنة ظلوا رهائن لدى تنظيمي داعش والقاعدة. وهذا ما ينبغي أن يعرفه الجيش، وهو يتقدم داخل المدينة، حتى يتجنب سقوط أبرياء لا ذنب لهم». في إشارة إلى آخر واقعة عرفتها المعارك، حيث أصيب طفل يدعى عادل فايز في درنة إصابة بالغة.
تقول العبيدي موضحة حقيقة ما حدث «خرج فايز البالغ من العمر 14 سنة لكي يشتري الخبز لوالدته، وبمجرد أن مشى عدة خطوات نحو المخبز في ضاحية إمبخ حتى اعترضته سيارة»، كان يستقلها ثلاثة مسلحين حسب رواية شاهد آخر.
وتوضح الرواية التي استقتها «الشرق الأوسط» من مصادر مختلفة إلى أن راكباً ملثماً نزل من السيارة، وصوب المسدس نحو رأس الطفل، وأجبره على الركوب لكي «يجاهد مع المجاهدين». وفي مساء اليوم نفسه أصيب الطفل بطلقة رصاص في أثناء اشتباكات مع قوات الجيش على المحور الغربي. وهو الآن محتجز بجروحه، لدى محققين في بنغازي.
فيما تقول معلومات أمنية إن «داعش» اختطف العشرات من أطفال درنة، تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً بغرض الحرب في صفوفهم، لتعويض النقص في عدد المقاتلين خلال الأسابيع الأخيرة.
وقبل عودتها، ألقت العبيدي نظرة على تخوم درنة ومضت إلى حال سبيها، في انتظار تحرير ما تبقى من أوكار المتطرفين داخل المدينة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 120 ألفاً، لكن نحو ربع هذا العدد نزح إلى بلدات مجاورة طيلة السنوات الماضية، هرباً من الجماعات المسلحة ومن حصار الجيش. وارتكب المتطرفون عدة مذابح، كان أشهرها إعدام خصوم لهم في ساحة مسجد الصحابة بوسط درنة. أما غالبية المهجرين فيقيمون لدى أقارب لهم في مدن طبرق، والقبة، والبيضاء، وشحات، وغيرها.

- درنة موطن المبدعين
في فترة الراحة بدأ جندي من أبناء درنة يتلو مقاطع شعرية للشاعر الشعبي نصيب السكوري، تتحدث عن زملائه الذين وقعوا في السنوات الماضية بأيدي «الدواعش»، الذين قاموا بنحرهم أمام العامة في وسط المدينة، ومن بينهم رجل أمن جرى قتله بطريقة بشعة يدعى غيث نجيب.
وللشعر الشعبي في ليبيا أثر كبير في تشكيل الرأي العام. وفي قصيدة السكوري هناك بيت يهاجم مسلك المتطرفين، متخذاً من واقعة قتل نجيب مثالاً على همجيتهم. وبعد قليل ارتفع صوت العزف على المزمار من جندي «درناوي» يجلس أعلى صخرة، ووجهه إلى المدينة، كأنه يحاول إخراج الثعابين منها. ومن جوار صندوق السيارة، ينظر ضابط في الجيش، من أبناء درنة أيضاً، إلى المدينة من أعلى، كأنه يبحث عن مكان بيته الذي لم يدخله منذ مقتل معمر القذافي، واستقواء المسلحين واستيلائهم على مرافق المدينة.
لقد كانت درنة في ما مضى واحة للإبداع، والعلم، والفنون. ويقول هذا الضابط إن عدداً كبيراً من أبناء درنة، الذين هاجروا إلى أوروبا، أصبحوا ناجحين في أعمالهم، ومن بينهم أطباء جرى تكريمهم من طرف الأجانب.

- تحديات في انتظار حفتر
يرد العسكريون المرابطون على مداخل درنة الجنوبية بأن الجنرال حفتر تعهد بأن يحرر المدينة، وأن يأتي ليصلي في مسجد الصحابة. وحول ذلك تعلِّق العبيدي قائلة: «إذا تمكن حفتر من أداء الصلاة في هذا المسجد بالفعل فسيكون ذلك رسالة قوية للجميع بأنه رجل يمكن الاعتماد عليه لإعادة الأمن في ليبيا». مضيفة أنه «يمكن أن يكون رئيسا للدولة أيضاً»، وهو ما يتفق عليه عدد كبير من أنصار المشير.
لكن حفتر يواجه صعوبات مباشرة، تتسبب فيها أحياناً رعونة بعض الجنود في الميدان. وأخرى غير مباشرة، يديرها خصومه في محاولة لتفتيت القوى التي يستند إليها في أوساط قبائل الشرق، وفي البرلمان.
فقد نسب شريط مصور لبعض جنود الجيش قيامهم بإطلاق النار، دون تحقيق أو محاكمة، على اثنين يعتقد أنهما من المتطرفين في درنة. وتلقف خصوم الجنرال الواقعة بسرعة. وجرى الترويج لها على نطاق واسع، مع التذكير بواقعة ضابط بنغازي الشهير، الرائد محمود الورفلي، الذي ظهر العام الماضي، وهو يفرغ الرصاص في رؤوس متهمين بالإرهاب، دون تحقيق أيضاً، ما تسبب في لغط دولي، وإحراج كبير لحفتر.
وفي محاولة منه لتجنب الانتقادات، شدد حفتر على رجال الجيش ضرورة التزام الانضباط في الحرب، وتسليم الإرهابيين إلى الجهات العسكرية المختصة، والتحقيق في صحة مقطع الفيديو الجديد، وإحالة المتهمين إلى التحقيق.
يحدث هذا في وقت يسعى فيه بعض القوى الرافضة لوجود حفتر في مستقبل ليبيا، لإرباك المشهد في البلاد، أكثر مما هو مرتبك أصلاً، وذلك لعرقلة تقدمه عبر دعم تحركات عسكرية في الغرب الليبي لاستهداف عصب الاقتصاد؛ أي مصافي تصدير النفط الرئيسية في الشمال الأوسط من ليبياً.
كما تأتي هذه التطورات بالتزامن مع نشاط خلايا إرهابية تحاول توجيه طعنات إلى تمركزات الجيش الوطني من الخلف، خصوصاً على جبهتي «سرت»، شمالاً، و«براك الشاطئ» جنوباً، إضافة إلى بنغازي ودرنة.
لقد كان حفتر طوال أكثر من عام قاب قوسين أو أدنى من دخول عملية سياسية توحد البلاد المنقسمة على نفسها، إلا أن الرياح تأتي أحياناً بما لا تشتهي السفن.
وفي هذا السياق يرى ضابط كبير في الجيش أن ما يعرقل عمل حفتر بشكل عام هو الاتفاق السياسي، الذي جرى توقيعه بين خصوم ليبيين في مدينة الصخيرات المغربية أواخر عام 2015، إذ وضع هذا الاتفاق سلطة موازية لسلطة البرلمان، الذي أجبره مسلحون في طرابلس على العمل من بلدة طبرق في أقصى شرق ليبيا. ومن مخرجات البرلمان هناك الحكومة المؤقتة، التي يرأسها عبد الله الثني، وهناك قائد الجيش الوطني نفسه، حفتر.
لقد خلق اتفاق الصخيرات سلطة جديدة برئاسة فايز السراج، أطلق عليها «المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق»، واستحدث مجلساً أطلق عليه «المجلس الأعلى للدولة»، يضم نصيباً من أعضاء البرلمان السابق (كان يسمى «المؤتمر الوطني»)، ومعظمهم أعضاء رفض الليبيون إعادة انتخابهم في 2014.
ويعمل المجلسان المشار إليهما من طرابلس، تحت حماية خليط من العسكريين والميليشيات المدججة بالأسلحة الثقيلة، وهؤلاء لا يفضلون وجود حفتر. وعلى كل حال كان ينبغي، وفقاً لاتفاق الصخيرات نفسه، أن تحظى حكومة الوفاق بمصادقة البرلمان في طبرق، لكنّ هذا لم يحدث.
وتعمل حكومة السراج دون أي مرجعية تشريعية، ودون أي رقابة برلمانية. وهي متهمة من جانب جهاز المحاسبة في طرابلس بإنفاق نحو ثلث تريليون دولار «دون نتيجة، حيث يعاني الليبيون الفاقة والتشرد والأمراض ونقص الخدمات»، كما يقول أحمد قذاف الدم، المسؤول في جبهة النضال الوطني، وأحد أبرز المقربين من العقيد الراحل معمر القذافي.
كما كان ينبغي، لتفعيل مخرجات الصخيرات منذ بداية 2016، عقد جلسة للبرلمان في طبرق لضم الاتفاق السياسي ضمن الإعلان الدستوري الذي يجري العمل به في البلاد كدستور مؤقت. لكنّ هذا أيضاً لم يحدث أبداً. ومع ذلك استمرت حكومة الوفاق في العمل بذريعة أنه معترف بها دولياً. وبالتزامن مع هذا الارتباك السياسي، لم يتوقف حفتر عن ملاحقة الجماعات المسلحة، بما فيها تلك الموالية للمجلس الرئاسي ومجلس الدولة.

- معضلة اتفاق الصخيرات
على الهضبة المطلة على درنة، جاء وقت تناول الطعام، وتقدم خمسة جنود صغار السن من الحواف الصخرية المجاورة، حيث يراقبون مدخل منطقة الشلال لأخذ نصيبهم من المعكرونة المطبوخة على النار بالطماطم. يقول أحد الضباط وهو يمسح لحيته «كلما تقدم الجيش نصب له بعض رجال الصخيرات الفخ تلو الآخر. رأينا هذا حين طردنا الإرهابيين من بنغازي السنة الماضية. ونراه اليوم، لكننا ماضون في طريقنا إلى أن نحرر طرابلس نفسها».
إن لفت الانتباه إلى معضلة اتفاق الصخيرات أمر حاضر في أذهان كثير من العسكريين والسياسيين، ليس على مشارف درنة فقط، ولكن حتى في مناطق كثيرة في ليبيا. ومما يذكره أحد الضباط أن من بين ما تسبب فيه هذا الاتفاق، قيام نواب من البرلمان السابق (المؤتمر الوطني)، وغالبيتهم من المتشددين الإسلاميين، باستغلال الوضع، وتشكيل «مجلس الدولة» ذي الطابع الاستشاري، إلا أنه أصبح واجهة سياسية مهمة.
ويقول هذا الضابط إنه جرى في البداية انتخاب الدكتور عبد الرحمن السويحلي، كواجهة مدنية، رئيساً لمجلس الدولة، حيث بدأ العمل فيه دون انتظار لضمّ الاتفاق في الإعلان الدستوري عن طريق البرلمان. ويعمل هذا المجلس، مثله مثل حكومة الوفاق، دون مرجعية في الدستور والقانون الليبيين حتى الآن. وهذا في حد ذاته مثير لحنق كثيرين، حتى ممن لا يوالون حفتر.
يقول عبد الله ناكر، رئيس حزب القمة، الذي كان يرأس «مجلس ثوار طرابلس»، «هذا أمر غريب للغاية. فنحن لا نعرف من هي الجهة التي يمكن أن تحاسب حكومة السراج. هذه حكومة لم ينتخبها الليبيون، ولم تحصل على الشرعية من جهة منتخبة من الشعب».
ومنذ مطلع عام 2016، أي منذ دخول السراج طرابلس لتطبيق اتفاق الصخيرات، أصبح الوضع السياسي معقداً ويصعب حله، كما اتضح من محاولات تبذلها دول إقليمية، منها مصر والإمارات، ورعاة دوليون عدة، كان آخرهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أواخر الشهر الماضي.
وفي تلخيص لجذور المشكلة، يقول العقيد المهدي البرغثي، وزير الدفاع في حكومة الوفاق: «نحن نعمل حتى الآن دون مصادقة البرلمان، وهذا أمر يزيد الأمور تعقيداً، ولا يشجع على الوصول إلى تسوية. نحن أشبه بوزراء تسيير أعمال. تصحيح المسار السياسي وتوحيد الصفوف هو القادر على إنقاذ ليبيا مما هي فيه».
وعلى كل حال، يعتقد أنصار المشير حفتر بثقة أن الواقع على الأرض أصبح يقول إن حفتر هو القوة الضاربة في الشرق، ويستند في عمله إلى مرجعية سياسية تتمثل في البرلمان المنتخب، أما السراج فيبدو لدى كثيرين كرجل يعتمد في وجوده على التأييد الدولي.
وتضغط فرنسا ودول أخرى على الخصوم الليبيين لتهيئة البلاد لانتخابات قبل نهاية هذا العام. وفي هذا الصدد يقول ناكر إن الحل في الانتخابات، وهي الفيصل بين الجميع. لكن وولفغانغ بوتشاي، المحلل الأمني والسياسي الغربي، يقلل من إمكانية هذا الأمر وفقاً للظروف الراهنة.
يحدث كل هذا اللغط، بينما تحول الجنوب إلى إقليم هش، لا توجد فيه سلطة قوية قادرة على حسم الولاء لهذا أو ذاك. وأصبح مصدر خطر على الدولة الليبية وحتى دول الجوار أيضاً، وذلك بسبب سهولة تحرك المتطرفين والمسلحين ومهربي البشر، كما يشير العقيد البرغثي نفسه. وقد عرفت الشهور الماضية أكثر من مبادرة سياسية للم الشمل، وللقبول باتفاق الصخيرات. لكن من خلال بوابة البرلمان.
ودخلت البلاد في حراك كبير بفضل تولي المبعوث الأممي الجديد، الدكتور غسان سلامة، هذه المسؤولية. وفي تلك الأثناء أبدى الدكتور السويحلي، مرونة غير مسبوقة للدخول في مفاوضات، وأرسل مندوبين منه لاجتماعات عُقدت في مصر وتونس والجزائر. ولعب دوراً في تلطيف الأجواء في أوساط سياسيين أقوياء بمدينته مصراتة، وسياسيين من طرابلس من الموالين للسراج.
ويقول مسؤول في الجيش إن حفتر قرر منذ البداية ترك الأمور للسياسيين، على أن يقتصر عمله على محاربة الجماعات المتطرفة. ورسخت حرب الجيش لتحرير بنغازي، ثم أخيراً درنة، مفاهيم جديدة عن الدور الإقليمي في ليبيا. وتبين أن هناك محورين رئيسيين: محور يطلق عليه البعض «محور الاعتدال»، وتعد مصر أحد أطرافه لأنها تعاني من خطر المتطرفين الذين يسعون لاستهدافها عبر حدودها مع هذا البلد. والمحور الثاني عُرف لدى ضباط في الجيش الليبي باسم «محور الشر»، وفيه قطر وتركيا، حيث يتهم العميد أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش، هاتين الدولتين تحديداً بدعم المتطرفين في بلاده.
وأدت انتصارات الجيش في بنغازي إلى ارتفاع أسهم حفتر محلياً ودولياً، وزار دولاً لم تكن لتقبل به في السابق. وقد وجه إنذاراً إلى السياسيين أواخر العام الماضي بضرورة حل خلافاتهم، وإلا سيضطر الجيش إلى اتخاذ الإجراءات المنوطة به لحماية مقدرات الشعب. كما ارتفعت أصوات تدعو إلى ترشحه كرئيس للدولة. وشعر تيار المتطرفين بالخطر، مثل بعض الخصوم السياسيين الذين يخشون تمدد حفتر خارج بنغازي.
وفي أثناء ظهور الحشود العسكرية استعداداً لتحرير درنة من باقي الجماعات المتطرفة، قبل شهرين، تمكن «الإسلاميون»، من أعضاء «مجلس الدولة»، من قلب الطاولة السياسية، والإطاحة بالدكتور السويحلي من رئاسة المجلس، وانتخاب رئيس جديد هو خالد المشري، الذي يتباهى بانتمائه إلى جماعة «الإخوان»، المصنفة في عدة بلدان، منها مصر، كـ«منظمة إرهابية». ووفقاً لهذا التحول السياسي المثير، تشجع نائبان اثنان على الأقل، في المجلس الرئاسي، لكي يتصرفا وفقاً للمرجعية الأصلية التي ينتميان إليها، حيث بدآ يثيران الفزع في كل مكان من تداعيات الحرب التي يشنها حفتر. أحدهما قادم من جماعة «الإخوان»، والثاني قادم من الجماعة الليبية المقاتلة (الأقرب إلى تنظيم القاعدة).
في هذا السياق يقول ضابط في الجيش «كلما تقدمنا في الحرب ضد الإرهاب، ضيَّقنا الخناق على داعمي (المتطرفين) في الداخل والخارج، ممن يتسترون في ملابس سياسيين ومسؤولين».
وحين دعا الرئيس الفرنسي ماكرون الأفرقاء الليبيين للحضور إلى فرنسا، أواخر الشهر الماضي، كان معلوماً، كما يقول بوتشاي، أن حفتر هو الوحيد من بين القادة المشاركين في مؤتمر باريس، الذي يملك تغيير الواقع على الأرض، أكثر من الآخرين، سواء كان السراج أو المشري، أو حتى المستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان المؤيد لحفتر.
ولا تقتصر العملية السياسية، التي تستهدف النيل من حفتر، على تضخيم الأخطاء التي يرتكبها بعض جنوده في ميادين الحرب. لكنّ هناك مسارات أخرى، أهمها محاولة مجلس الدولة، في ثوبه الإسلامي الجديد، استقطاب المستشار صالح في مفاوضات ترمي إلى وقف الحملة العسكرية على درنة.
وسبق أن التقى صالح، في أواخر أبريل (نيسان) الماضي مع المشري في المغرب، التي يوجد فيها نشاط ملحوظ لجماعة «الإخوان». وفي الأسبوع الماضي أرسل المشري، الذي أعلن عدم اعترافه بحفتر، رسالة إلى صالح يبدي فيها استعداده لزيارته في طبرق. وقبل أيام أيضاً وصل إلى صالح وفد من مدينة درنة، من بينهم قيادات مناوئة لحملة الجيش على المدينة. وتابعت قيادات من جماعة «الإخوان» اللقاء عن كثب. وبدا للوفد أنه لم تكن هناك تأكيدات لموقف حاسم لوقف الحرب. ورغم هذه النتيجة فإن زعماء في «الإخوان» يصرون على الاستمرار في طَرْق أكثر من باب، في محاولة لتشتيت جهود الجيش.
ومن أعلى هضبة درنة، حيث تأتي رياح المساء برائحة بارود الاشتباكات، يقول ضابط الإشارة: «المعركة شارفت على الانتهاء هنا، وستبدأ في أماكن أخرى. فالطريق ما زال طويلاً لإخضاع ليبيا لسلطة موحدة».



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني