مصر: عملية عسكرية شاملة في سيناء والدلتا لاستهداف الإرهابيين

السيسي يتابع... والأزهر والكنيسة يدعمان... وخبير استراتيجي: «تقطع الإمدادات عن المتطرفين»

صور نشرها المتحدث العسكري على صفحته بـ«فيسبوك» أمس عن العملية العسكرية الشاملة («الشرق الأوسط»)
صور نشرها المتحدث العسكري على صفحته بـ«فيسبوك» أمس عن العملية العسكرية الشاملة («الشرق الأوسط»)
TT

مصر: عملية عسكرية شاملة في سيناء والدلتا لاستهداف الإرهابيين

صور نشرها المتحدث العسكري على صفحته بـ«فيسبوك» أمس عن العملية العسكرية الشاملة («الشرق الأوسط»)
صور نشرها المتحدث العسكري على صفحته بـ«فيسبوك» أمس عن العملية العسكرية الشاملة («الشرق الأوسط»)

بدأت القوات المسلحة المصرية عملية عسكرية شاملة، أمس، تستهدف بؤراً وأوكاراً لإرهابيين في مناطق شمال سيناء. يأتي ذلك تنفيذاً لوعد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بفرض الأمن والاستقرار في شبه جزيرة سيناء شمال شرقي البلاد خلال 3 أشهر، وقال السيسي، أمس، إنه «يتابع بفخر بطولات أبنائه من القوات المسلحة والشرطة، لتطهير أرض مصر الغالية من العناصر الإرهابية أعداء الحياة».
وأعلن العقيد تامر الرفاعي، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، إن قوات إنفاذ القانون بدأت تنفيذ خطة المواجهة الشاملة للعناصر الإجرامية والإرهابية بشمال ووسط سيناء، وبمناطق أخرى بدلتا مصر، والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، إلى جانب تنفيذ مهام ومناورات تدريبية وعملياتية أخرى على جميع الاتجاهات الاستراتيجية، بهدف إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية للدولة المصرية، وتطهير المناطق التي توجد بها العناصر الإرهابية، وتحصين المجتمع المصري من شرور الإرهاب والتطرف بالتوازي مع مجابهة الجرائم الأخرى، ذات التأثير على الأمن والاستقرار الداخلي.
داعياً في بيان له، أمس، على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، المصريين في ربوع البلاد، للتعاون مع قوات إنفاذ القانون في مواجهة الإرهاب، واقتلاع العناصر الإرهابية التي تهدد أمن واستقرار الوطن، والإبلاغ الفوري عن أي عناصر إرهابية.
من جانبه، توقع اللواء الدكتور محمد قشقوش، أستاذ الأمن القومي بأكاديمية ناصر العسكرية بمصر، أن يكون للعملية الشاملة التي يقوم بها الجيش بالتعاون مع الشرطة، جدول زمني مُحدد، تأكيداً لكلام الرئيس المصري «بأن العمليات في سيناء يجب ألا تبقى في إطار مفتوح إلى ما لا نهاية». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أنه لنجاح العملية لا بد من وجود خطة مُنسقة مع القبائل والأهل في سيناء لأنهم هم مصدر المعلومات، والإرهابيون يستخدمون الغطاءين السكاني (المتمثل في القبائل)، والبيئي (من أشجار وكهوف وصحراء وبيوت)، للتخفي عن عناصر الجيش والشرطة، وأحياناً يشكل هذا عائقاً للوصول إلى الهدف (أي العناصر المتطرفة)، و80 في المائة من نجاح العمليات ضد العناصر المتطرفة مُرتبط بالحصول على المعلومات من السكان المحليين.
وأكد شهود عيان في سيناء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أمس، أنه «تم إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى شمال سيناء، وفي العريش تم تحذير الأهالي بعدم التحرك قرب الكمائن». وذكر شهود العيان أن ثمة تحركات عسكرية في مناطق مختلفة بجنوب العريش وجنوب الشيخ زويد ورفح والمنطقة الحدودية، بخلاف التحركات الموسعة في وسط سيناء، فضلاً عن تحرك أعداد كبيرة من كاسحات الألغام وعربات التشويش في إشارات لتفادي العبوات الناسفة أمام المدرعات». مؤكدين أن «شمال سيناء شهدت تعزيزات أمنية عبر الطريق الدولي الساحلي الممتد من القنطرة شرق إلى العريش، وحلّقت الطائرات فوق المدن».
بينما قالت مصادر محلية في سيناء: إن «ضربات جوية تمت جنوب العريش في منطقة العقدة الصحراوية، التي ترجح جهات الأمن اختباء الخلايا التي تنفذ الهجمات في العريش وبئر العبد فيها».
وتحولت محافظة شمال سيناء الحدودية إلى بؤرة إرهابية مشتعلة منذ سنوات، وتنتشر فيها جماعات متشددة من أبرزها تنظيم «أنصار بيت المقدس» الذي بايع «داعش» الإرهابي عام 2014 وغيّر اسمه إلى «ولاية سيناء»... ومؤخراً شهد مركز «بئر العبد» في شمال سيناء، أسوأ هجوم إرهابي تتعرض له مصر في العصر الحديث، حين قتل مسلحون أكثر من 305 مصلّين في هجوم على مسجد. ولم تعلن بعد أي جماعة مسؤوليتها عن الهجوم.
من جهته، أعلن الأزهر عن دعمه الكامل لخطة المجابهة الشاملة التي أعلنت القوات المسلحة ووزارة الداخلية عن انطلاقها لمواجهة العناصر الإرهابية والإجرامية في سيناء الحبيبة وفي غيرها من أنحاء مصر.
ودعا الأزهر، المصريين لدعم القوات المسلحة ورجال الأمن في مواجهتهم لتلك العناصر الإرهابية والإجرامية، حتى تتطهر مصر من «دنس» تلك العصابات، التي روّعت الآمنين وسفكت الدماء المعصومة، وعاثت في الأرض فساداً. وأشاد الأزهر بما يقدمه أبناء الجيش والشرطة من تضحيات ودماء غالية عزيزة ليعم الأمن والأمان في جميع ربوع مصر.
في حين دعت دار الإفتاء، المصريين لمساندة ودعم الجهود التي تقوم بها القوات المسلحة والشرطة في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تنفذ مخططات ومؤامرات خارجية لنشر العنف والتخريب، مشددة على أن القضاء على التنظيمات والجماعات الإرهابية يتطلب التعاون والتكاتف التام بين جميع فئات ومؤسسات الدولة لاقتلاع جذورها «الشيطانية»، ودعم الجهود الضخمة التي تقوم بها القوات المسلحة والشرطة في حربها ضد الإرهاب.
وأعلنت الكنيسة المصرية تأييدها ودعمها للمعركة الشاملة. وأضافت في بيان لها، أمس، «سيسطر التاريخ بأحرف من نور تضحيات جيش مصر وأفراد شرطتها الذين يضحون بأرواحهم فداءً لمصر ودعما لاستقرارها».
وأكد اللواء محمد قشقوش، وهو خبير أمني واستراتيجي، في هذا الصدد، أن «العملية سيناء 2018» سوف تقطع الإمدادات عن الإرهابيين، وتحدّ من الأسلحة التي تصل إليهم، وتحدّ أيضاً من الإمدادات المالية التي يحصلون عليها، خصوصاً أن العناصر المتشددة في سيناء تواجه «خنقة» مالية، بدليل محاولة اقتحام أحد البنوك من قبل والاستيلاء على ما فيه.
متوقعاً نجاح العملية في سيناء والدلتا، خصوصاً أن مصر لها علاقات قوية الآن مع غزة والضفة وهو ما سيعود بالنفع، فضلاًً عن القيود التي تم وضعها لعبور القناة وهي أيضاً سوف تفيد، بالإضافة إلى التعاون مع الجانب الليبي في الجزء الشرقي، وهو ما يظهر جلياً في ضبط العديد من سيارات الدفع الرباعي المحملة بالأسلحة خلال الأسابيع الماضية.
وفي القاهرة، أعلنت وزارة الداخلية مقتل 3 إرهابيين من حركة «حسم» الإرهابية وضبط 14 آخرين، وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»: إن «الوزارة دفعت بمجموعات قتالية وضباط العمليات الخاصة والتشكيلات الأمنية في الشوارع تزامناً مع عمليات سيناء، وانتشرت قوات الشرطة في الشوارع بالقاهرة والمحافظات للتصدي لأي محاولات تخريبية».
وقالت الداخلية في بيان لها أمس، إن «قطاع الأمن الوطني رصد صدور تكليفات من قيادات (الإخوان) الإرهابية الهاربين بالخارج لعناصرها المنتمين إلى ما تسمى حركة (حسم) إحدى الأجنحة المسلحة للجماعة، لتنفيذ سلسلة من العمليات العدائية المتزامنة تجاه المنشآت والمرافق المهمة والحيوية والقوات المسلحة والشرطة خلال الفترة المواكبة لبدء إجراءات الانتخابات الرئاسية، لإحداث حالة من عدم الاستقرار وتصدير صورة سلبية عن الأوضاع بالبلاد».
وأضاف البيان: «تم إعداد خطة أمنية موسعة لتطويق مسارات تحركات عناصر الحركة المشار إليها بمحافظات القليوبية والدقهلية والبحيرة والمنوفية والشرقية وأسيوط والفيوم، ومداهمة أوكار اختبائهم، مما أسفر عن توقيف 14 من عناصر الحركة وبحوزتهم 9 بنادق، و2 عبوة تفجيرية مُعدة للاستخدام، و2 دراجة نارية لتنفيذ العمليات الإرهابية».
وأعلنت «حسم» عن نفسها في يناير (كانون الثاني) عام 2014. ويقول مراقبون إن «حسم» أحد إفرازات جماعة «الإخوان»، التي أزيحت عن السلطة عبر مظاهرات شعبية حاشدة في يونيو (حزيران) عام 2013.
وأضافت الداخلية في بيانها أمس، أنه «بملاحقة عناصر الحركة الهاربين، أكدت المعلومات اتخاذ عدد منهم من إحدى الشقق السكنية في القاهرة وكراً للاختباء والإعداد لتنفيذ عمل عدائي يستهدف أحد الارتكازات الأمنية، حيث تمت مداهمة الوكر، وتبادل إطلاق النار معهم، ما أسفر عن مقتل 3 عناصر أمكن تحديد أحدهم، وتبين أنه الإخواني الإرهابي صلاح الدين عطية».
وأشارت المعلومات عن تورط بعضهم في تنفيذ 4 عمليات إرهابية ضد بعض رجال الشرطة والتمركزات الأمنية بمحافظات «القليوبية والدقهلية ودمياط»، واستهداف رئيس مباحث شربين بالمنصورة في يونيو الماضي، واستهداف أحد ضباط الشرطة بمركز الخانكة بالقليوبية في يوليو (تموز) الماضي.


مقالات ذات صلة

قتلى ومصابون بهجومين في بابوا شرق إندونيسيا

آسيا قال متحدث باسم الشرطة الإندونيسية إن طياراً ومساعد طيار لطائرة تجارية صغيرة لقيا مصرعهما بعد أن أطلق مهاجمون النار على طائرة لدى هبوطها بمطار في بابوا الجنوبية شرق إندونيسيا صباح الأربعاء (رويترز)

قتلى ومصابون بهجومين في بابوا شرق إندونيسيا

قالت السلطات في إندونيسيا إن ثلاثة قُتلوا وأصيب آخرون في واقعتي إطلاق نار بمنطقتين في بابوا أقصى شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (جاكارتا)
أفريقيا قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

الولايات المتحدة تعتزم نشر 200 جندي في نيجيريا

الولايات المتحدة تعتزم نشر 200 جندي في نيجيريا لتدريب قواتها المسلحة في حربها ضد التنظيمات الإجرامية المسلحة والإرهابية

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
شمال افريقيا انطلاق أعمال المؤتمر الأمني الاستراتيجي الأول لرؤساء أركان دول حوض المتوسط وجنوب الصحراء في بنغازي (القيادة العامة)

«الجيش الوطني الليبي» يحذر من تنامي «التهديدات الإرهابية» إقليمياً

أكد خالد حفتر أن الأمن هو الركيزة الأساسية لحياة الشعوب واستقرارها، محذراً من تنامي النشاطات الإجرامية والتهديدات الإرهابية.

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا أفراد من الشرطة الهولندية في أمستردام (أرشيفية - إ.ب.أ)

هولندا توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش»

أعلنت الشرطة الهولندية، الثلاثاء، توقيف 15 شخصاً بشبهة الدعاية لتنظيم «داعش» على تطبيق «تيك توك»، واتهمتهم بمحاولة «تحريض الآخرين على ارتكاب جرائم إرهابية».

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي أحمد ذياب المتورط مع ابنه عاطف في الهجوم على المزة ومطارها العسكري (الداخلية السورية)

القبض على بقية «الخلية الإرهابية» التي استهدفت المزة ومطارها العسكري في دمشق

إلقاء القبض على بقية أفراد خلية استهدفت منطقة المِزّة ومطارها العسكري، خلال محاولتهم نصب منصّات صواريخ من نوع «غراد»، تمهيداً لاستهداف مناطق مأهولة بالسكان.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.


الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.