رحيل أفضل جواسيس فرنسا في العالم العربي... فيليب روندو

حرر رهائن محتجزين في لبنان ونقل عون إلى منفاه الباريسي وتسلّم كارلوس من السودانيين وتعامل مع أبو نضال

فيليب روندو (أ.ف.ب)
فيليب روندو (أ.ف.ب)
TT

رحيل أفضل جواسيس فرنسا في العالم العربي... فيليب روندو

فيليب روندو (أ.ف.ب)
فيليب روندو (أ.ف.ب)

قبل أيام قليلة، توقف قلب الجنرال فيليب روندو عن النبض. الرجل الذي توفي عن 81 عاماً لم يكن عسكرياً عاديا لأنه ربما كان الأشهر من بين الذين امتهنوا الجاسوسية في فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويحتار الكاتب أي اسم أو لقب يختار للحديث عنه. هل فيليب لويس ماري روندو المولود في مدينة نانسي في 5 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1936. ابن الجنرال بيار روندو، مؤلف كتاب «الإسلام والمسلمون اليوم» والذي تخرج من الكلية الحربية الفرنسية الشهيرة «سان سير» في العام 1960 ليختار الانضمام بعدها مباشرة إلى كتيبة المظليين ويشارك في حرب الجزائر بين العامين 1960 و1964؟ أم علينا أن نتحدث عن «ماكس» اسمه «الحركي» لدى انضمامه إلى جهاز التجسس الخارجي حيث أمضى القسم الأكبر من حياته المهنية جاسوساً يعمل لمصلحة بلاده بغض النظر عن الهوية السياسية للعهد والحكومة؟ وفي هذا الخيار، لحق الشاب فيليب بوالده الذي عمل في زمنه للمخابرات الفرنسية. ثم أليس الأحرى بالكاتب الأخذ بأحد الألقاب التي أسبغت عليه لتمجيد نجاحاته: «الكولونيل لورنس» تشبّهاً بالضابط الإنجليزي الذي لعب دوراً مهماً في «الثورة العربية الكبرى» ضد الأتراك؟ أو «كيم فيلبي» الجاسوس البريطاني الذي كان عميلاً للسوفيات وأنهى حياته في موسكو؟
حقيقة الأمر أن الجنرال فيليب روندو هو كل ذلك في وقت واحد لا بل إنه أكثر من ذلك لأن الرجل كان مثقفاً كبيراً وأكاديمياً من الطراز الأول. فقد حاز على دكتوراه في العلوم السياسية. وتشهد مؤلفاته على شغفه بالعالم العربي الذي كان يجيد لغته بطلاقة. ومما كتبته ريشة فيليب روندو ستة كتب خصصها تباعاً لسوريا «1978»، العراق «1979»، الأردن «1980»، مشاريع السلام العربية - الإسرائيلية «وهو أطروحته الجامعية 1980»، الشرق الأوسط والبحث عن السلام «1982» أما كتابه الأخير فقد كرسه لحزب البعث «1984».
بيد أن معرفة روندو للعالم العربي ليست كتبية أو نظرية. فالرجل عرف العالم العربي من الداخل، إذ تنقل في إطار وظائفه المتلاحقة بين العواصم العربية منذ التحاقه بجهاز المخابرات الخارجية في العام 1965 في قسم العمليات. وتفيد المعلومات الشحيحة المتوافرة حول هذه الحقبة من حياته المهنية بأنه شارك في العديد من المهمات العسكرية الخارجية الخاصة حيث نال إعجاب رؤسائه. ومن العواصم غير العربية، شغل روندو - وكان وقتها برتبة رائد - وظيفة مساعد مدير مكتب المخابرات الفرنسية في بوخارست «عاصمة رومانيا» زمن الحرب الباردة. وما زالت بعض علامات الاستفهام مرسومة حول هذه الحقبة، إذ أن روندو «اختفى» عن الأنظار طيلة ثلاثة أيام الأمر الذي حيّر رؤساءه. وحامت حوله الشبهات واعتقد كثيرون أن المخابرات الرومانية «سيكوريتات» نجحت في اجتذابه. وخضع روندو بسببها لعمليات استجواب ظناً أن المخابرات الرومانية قد ابتزته بسبب علاقته بامرأة ادّعى الجاسوس الشاب أنها امرأته المستقبلية. والنتيجة كانت أنه استدعي من بوخارست ووضع لفترة على الرف فألحق بـ«مركز التحليل والتوقعات» التابع لوزارة الخارجية حيث تعرف على دومينيك دو فيلبان الذي شغل لاحقاً منصب وزير الخارجية ثم رئاسة الحكومة أثناء ولاية جاك شيراك الثانية.
ثلاث محطات بارزة في مسار الجنرال روندو أرست شهرته كأفضل «عميل» فرنسي في الشرق الأوسط والعالم العربي بعد انتقاله من وزارة الخارجية والتحاقه مسؤولاً كبيراً في جهاز مكافحة التجسس في العام 1981. ففي أوساط الثمانينات وأوج الحرب اللبنانية، أسندت الحكومة الفرنسية لروندو مهمة بالغة التعقيد قوامها تحرير الرهائن الفرنسيين المحتجزين في بيروت منذ شهور. وقد نجح في مهمته بحر العام 1986. إلا أن الكثير من مناطق الظل لم تبدد حتى الآن وأولها معرفة ما إذا كانت الحكومة الفرنسية، عبر روندو أو غيره من «الوسطاء»، قد دفعت مبالغ مالية كبيرة للخاطفين لإخلاء سبيل الرهائن الفرنسيين. والثابت أن روندو نجح في «تشغيل» شبكاته في بيروت ودمشق وطهران، الأمر الذي مكّنه أخيراً من حل لغز الجهات التي كانت تحتجز الفرنسيين و«إقناعها» بتحريرهم.
كان روندو يحب لبنان بتعقيداته ومشاكله. ولعل أفضل دليل على ذلك أنه غرس أرزة لبنانية في حديقة بيته الواسعة في مقاطعة «نييفر» وسط فرنسا. وأتيحت له الفرصة مجددا أن يعود إليه مرة أخرى في أواخر الحرب اللبنانية لإخراج رئيس الحكومة العسكرية الجنرال ميشال عون من السفارة الفرنسية التي لجأ إليها بعدما قصفت الطائرات السورية قصر بعبدا والهجوم الذي حصل على مواقع الجيش اللبناني المؤتمر وقتها بأوامر الرئيس الحالي ميشال عون. وتفيد معلومات مؤكدة أن روندو هو من خطط وأشرف شخصياً على نقل عون إلى منفاه الفرنسي، إذ تم إخراجه من السفارة الفرنسية في أغسطس (آب) 1991 ونقله إلى الساحل ومن هناك أقلته بارجة فرنسية إلى قبرص ومنها إلى مدينة مرسيليا الساحلية حيث مكث لشهور قبل أن يخصص له منزل على بعد نحو خمسين كلم شرق باريس. إلا أن العملية الأشهر التي قادها الجنرال روندو فهي القبض على الإرهابي الدولي الفينزويلي إيليتش راميريز سانشيز المعروف بـ«كارلوس» ولقبه «الثعلب» في الخرطوم وإعادته إلى فرنسا عام 1994 حيث حوكم وما زال يقبع هناك في السجن. وعملية ملاحقة كارلوس الذي ارتكب عملية قتل في باريس ضد أفراد من المخابرات الداخلية الفرنسية جاءوا لاعتقاله في شقة باريسية قريبة من بولفار سان جيرمان، كانت صعبة للغاية وكان على الجهاز الفرنسي أن «يتفاهم» مع المسؤولين الأمنيين السودانيين ليقبلوا تسليم الإرهابي. وما زاد من صعوبات المخابرات الفرنسية أن كارلوس الذي كانت أبرز عملياته احتجاز وزراء نفط منظمة أوبك في فيينا وبينهم وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي اليماني كان يحظى بدعم وحماية الأنظمة العربية الثورية في بغداد وطرابلس الغرب ودمشق فضلاً عن حماية فصائل فلسطينية أبرزها فصيل وديع حداد الذي «تخصص» في العمليات الإرهابية. وأكثر من أي وقت مضى، كان على فيليب روندو أن يستعين بمعارفه وعلاقاته مع أجهزة المخابرات العربية لـ«متابعة» كارلوس الذي كان يتردد على عواصم عربية. ونجحت مقاربته بحيث «أعطي» كارلوس له هدية سودانية بعد أن أصبح هذا الرجل شخصاً غير مرغوب فيه.
ويتذكر كثيرون أن باريس تعرضت بداية الثمانينات لعمليات إرهابية أبرزها الهجوم على مطعم «غولدنبرغ» اليهودي القائم في الحي اليهودي وسط العاصمة. وتبين للمخابرات الفرنسية أن منفذي الهجوم مرتبطون بشبكة أبو نضال العاملة في أوروبا. ومرة أخرى تمت الاستعانة بفيليب روندو الذي اعترف لاحقاً أنه التقى مرات عديدة بأبو نضال وأنه «لا يخجل من ذلك» لأن الغرض كان الاتفاق معه على الامتناع عن ارتكاب مجموعته أي أعمال إرهابية في فرنسا مقابل عدم التعرض لرجاله. وربما من نتائج «التوافق» مع مجموعة أبو نضال الذي توفي بشكل غامض في بغداد في العام 2002 نجاح روندو في إطلاق سراح أفراد عائلة فرنسية - بلجيكية عام 1990 كانت قد وقعت رهينة في أيدي مجموعته. كذلك نجح في إطلاق سراح فرنسيين في العراق وليبيا.
وقد وضع القضاء الفرنسي يده على أرشيف روندو الخاص في مسألة لاحقة تسمى في فرنسا بـ«فضيحة كليرستريم» التي اتهم فيها رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان بالسعي إلى تلطيخ سمعة منافسه داخل اليمين نيكولا ساركوزي مستعيناً باللبناني عماد لحود حيث تبين للقضاء أن «لائحة كليرستريم» «وهي اسم مؤسسة مالية قائمة في دوقية لوكسمبورغ» تم تزويرها وإضافة أسماء إليها ومنها اسم ساركوزي. وفي هذا الأرشيف يشرح روندو الأسباب التي دفعته إلى التقاء أبو نضال في أماكن مختلفة ولعدة مرات والغرض «حماية الأراضي الفرنسية».
ويعرف عن فيليب روندو تواضعه وقدرته على الإصغاء والإقناع. وتبيّن سيرته أنه نجح في العمل مع العديد من الحكومات يميناً ويساراً. قام بإنشاء جهاز المخابرات العسكرية في بداية التسعينات وعمل مستشاراً ومسؤولاً عن التنسيق بين أجهزة المخابرات ما بين العام 1997 و2005 حين ذهب إلى التقاعد في بيته الريفي البعيد عن ضوضاء المدينة.


مقالات ذات صلة

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

أوروبا جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز) p-circle

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

جنّد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وأجهزة استخبارات روسية أخرى آلاف الأوكرانيين للتجسس على بلادهم... 

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال زيارة لحزب «الرفاه من جديد» بزعامة فاتح أربكان عام 2023 لطلب دعمه في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية (الرئاسة التركية)

أربكان يعلن منافسة إردوغان على الرئاسة ويسعى إلى «تحالف محافظ»

يسعى حزب «الرفاه من جديد» إلى تشكيل تحالف من أحزاب محسوبة على التيار المحافظ، بعدما أعلن نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية (رويترز)

تركيا توقف رجلين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل

أوقفت أجهزة الاستخبارات التركية شخصين للاشتباه بتجسسهما لحساب الموساد الإسرائيلي، وتزويده بمعلومات ساعدته في تنفيذ اغتيالات.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
العالم وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب) p-circle

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا اتهام 4 أشخاص بينهم مواطنان صينيان بالتجسس لمصلحة بكين في باريس (رويترز)

اتهام 4 أشخاص في فرنسا بالتجسس لمصلحة الصين

وُجّهت الخميس في فرنسا تهمة التجسس لمصلحة بكين إلى 4 أشخاص؛ بينهم مواطنان صينيان، على ما أفادت به النيابة العامة في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.