احتجاجات تعمّ إيران وأجنحة السلطة تتبادل الاتهامات

قوات الأمن تفرق تجمعات بالقوة ودعوات لمواصلة التظاهر ضد سلوك النظام الإقليمي وسياسته الاقتصادية

صورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر توجه قوات خاصة تابعة للشرطة لقطع الطريق على المتظاهرين في وسط كرمانشاه غرب ايران أمس
صورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر توجه قوات خاصة تابعة للشرطة لقطع الطريق على المتظاهرين في وسط كرمانشاه غرب ايران أمس
TT

احتجاجات تعمّ إيران وأجنحة السلطة تتبادل الاتهامات

صورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر توجه قوات خاصة تابعة للشرطة لقطع الطريق على المتظاهرين في وسط كرمانشاه غرب ايران أمس
صورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر توجه قوات خاصة تابعة للشرطة لقطع الطريق على المتظاهرين في وسط كرمانشاه غرب ايران أمس

أصبحت إيران على سطح صفيح ساخن بعدما اتسع نطاق المظاهرات الشعبية الغاضبة ضد تدهور الوضع المعيشي في مناطق واسعة من البلاد، أمس، ونزل عشرات آلاف من المتظاهرين إلى ميادين المدن الكبرى، مرددين هتافات تندد بسياسات النظام؛ تلبية لحملة يديرها ناشطون إيرانيون في شبكات التواصل الاجتماعي، وشهد بعض المدن مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن بعدما لجأت إلى العنف في تفريق المتظاهرين للحيلولة دون اتساعها، في حين تبادلت الأطراف السياسية الإيرانية الاتهامات أمس بشأن الجهة المسؤولة عن تحريض المتظاهرين.
وأشعلت مظاهرات اندلعت تحت شعار «لا للغلاء»، أول من أمس، في ثاني أكبر المدن الإيرانية مدينة مشهد وست مدن أخرى، شبكات التواصل الاجتماعي، ودعا ناشطون المواطنين الإيرانيين إلى الوحدة والخروج احتجاجاً على تدهور الوضع المعيشي، وفشل الحكومة في تنفيذ وعود رددها الرئيس الإيراني حسن روحاني، وغلاء الأسعار وتدهور الوضع المعيشي والسياسات الإقليمية للنظام.
وانضمت مدن طهران ورشت وقم، وأصفهان، وكرمانشاه، وسنندج، وشيراز، وخرم آباد، وهمدان، والمحمرة، وقزوين، والأحواز، وساري، وزاهدان، وقوتشان، وبيرجند إلى المظاهرات وفق مقاطع تناقلها ناشطون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبخاصة «تليغرام».
وشهدت العاصمة طهران إجراءات أمنية مشددة، وتمركز قوات الأمن منذ أول ساعات الصباح في الطرق المؤدية إلى ساحتي وليعصر وآزادي، بعد دعوات من ناشطي المجتمع المدني للتجمع في تلك المناطق، وفق ما تناقلته مصادر إيرانية. وقال المساعد الأمني لمحافظ طهران، محسن نسج همداني، في تصريح لوكالة «إيلنا» الإصلاحية إن السلطات اعتقلت نحو 50 شخصاً كانوا بصدد التجمع في أحد ميادين طهران، وذلك في وقت حاولت وسائل الإعلام الرسمية أن تنفي وجود أي احتجاجات في العاصمة الإيرانية.
واتهم المسؤول الإيراني جماعات معارضة في الخارج بالوقوف وراء الدعوات بالتظاهر. وشدد على أنها مظاهرات «غير مرخصة»، ولوح باتخاذ الإجراءات الصارمة من قِبل الأجهزة الأمنية إذا ما استمرت دعوات التظاهر.
قبل ذلك، قال المدعي العام في مشهد، حسن حيدري: إن قوات الأمن اعتقلت أكثر من 52 شخصاً على خلفية المظاهرات التي شهدتها مدينة مشهد، وفق وكالة «فارس».
في هذا الصدد، قالت صحيفة «جوان» المنبر الإعلامي للحرس الثوري عبر موقعها الإلكتروني: إن متظاهرين خرجوا إلى قم وأصفهان في سياق الاحتجاجات التي شهدت البلاد. وقالت الصحيفة: إن الاحتجاجات في المدينتين استهدفت «السياسات الاقتصادية لحكومة روحاني». وأشارت الصحيفة إلى أن المتظاهرين في كل من أصفهان وقم «تراوح بين 500 و1000 شخص من المستثمرين المتضررين في مؤسسات مالية»، إلا أنها في الوقت نفسه قالت: إن المتظاهرين رددوا شعارات معادية للنظام.
ولم تختلف وكالة أنباء الحرس الثوري (فارس) في روايتها عن تقرير صحيفة جوان وقالت: إن المتظاهرين الغاضبين على إفلاس المؤسسات المالية رددوا شعارات حادة من دون الإشارة إلى طبيعة الشعارات. واتهمت وكالة «فارس» وسائل الإعلام الأجنبية بالسعي وراء تسييس المظاهرة وتحويلها من مظاهرة مطالب اقتصادية إلى مظاهرة سياسية.
كما انتقدت مواقف الحكومة الإيرانية، وقالت: إنها «حاولت أن تنسب الاحتجاجات إلى خصوم الحكومة».
وردد المتظاهرون هتافات مثل «الموت للديكتاتور» والشعب يتسول والمرشد يعيش حياة رغد و«الموت لروحاني»، وشعارات أخرى تندد بالسياسة الاقتصادية للحكومة، وتدخلات طهران الإقليمية وتكاليف دفع ثمنها المواطن الإيراني وترجمتها هتافات، مثل «لا غزة ولا لبنان، روحي تفتدي إيران» و «اترك سوريا وشأنها... فكّر في أحوالنا». كما ردد المتظاهرون شعارات تطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين، كما برزت شعارات تندد بوضع الحريات.
وتحدت وسائل تواصل الاجتماعي الإعلام الرسمي في نشر تفاصيل تطورات الشارع الإيراني، في حين اختصرت وسائل الإعلام الرسمية على نشر ما أدلى به المسؤولون أمس.
وأظهرت مقاطع نشرها ناشطون خروج أكبر المظاهرات في كرمانشاه ذات الأغلبية الكردية غرب البلاد، والتي تضررت مناطق واسعة فيها من زلزال بقوة 7.2 علي مقياس ريختر. ولجأت قوات مكافحة الشغب إلى العنف في تفريق المتظاهرين وسط المدينة، واستخدمت آليات رش المياه، والهروات، والغاز المسيل للدموع. وكانت مقاطع تظهر اشتباكات بالأيدي ورمي الحجارة بين متظاهرين وعناصر من الشرطة، أسفرت عن جرحى في صفوف الطرفين، وفقاً لشهود عيان.
كما أشارت تقارير إلى اعتقال عدد من المتظاهرين في كرمانشاه على يد قوات الأمن. في الاتجاه نفسه، قال شهود عيان: إن مدينة سنندج مركز محافظة كردستان شهدت نزول المتظاهرين إلى الشارع تضامناً مع مدينة كرمانشاه.
وأشارت وكالة «فارس» التابعة للحرس الثوري إلى حركة المتظاهرين وسط كرمانشاه، إلا أنها ذكرت أن عدد المتظاهرين «بلغ 300 شخص»، وذلك على خلاف ما أظهرت المقاطع المصورة.
ودعا ممثل المرشد الإيراني في مدينة مشهد، أحمد علم الهدي، قوات الأمن إلى اتخاذ إجراءات صارمة بعد خروج مئات المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع الأسعار مرددين شعارات مناهضة للحكومة. ونقلت «رويترز» عن علم الهدي قوله: إن «إذا تركت وكالات الأمن وإنفاذ القانون مثيري الشغب وشأنهم فإن الأعداء سينشرون تسجيلات وصوراً في إعلامهم ويقولون إن نظام إيران قد قاعدته الثورية في مشهد». وقال علم الهدى: إن عدداً قليلاً من الأشخاص استغل احتجاجات أمس الخميس (أول من أمس) على ارتفاع الأسعار لرفع شعارات مناهضة لتدخل طهران في نزاعات إقليمية. مضيفاً أن «بعض الناس خرجوا للتعبير عن مطالبهم، لكن فجأة رددت مجموعة لا يتعدى عددها الخمسين وسط حشد بالمئات هتافات مغايرة ومريعة مثل (اتركوا فلسطين) و(أضحي بحياتي في سبيل إيران وليس غزة أو لبنان)».
وقال النائب عن مدينة طهران محمود صادقي عبر حسابه في «تويتر»: «حتى لو كانت المظاهرات منظمة، يجب أن يكون المسؤولون في موقف المساءلة». مضيفاً: «يجب ألا نقبل نظرية المؤامرة بدلاً من المساءلة». وتابع: إن «خروج المظاهرات السلمية من الحقوق الأساسية للإيرانيين»، مطالباً الحكومة بـ«احترام الشعب وتنفيذ ميثاق الحقوق المدنية بالأفعال وليس عبر الشعارات».
وشكك نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري بدوافع المظاهرات، وشدد على أن «قضية الاقتصاد ذريعة لقضايا أخرى خلف الستار»، متهماً خصوم الرئيس الإيراني ضمناً بالوقوف وراء المظاهرات، في إطار تبادل الاتهامات بين أجنحة السلطة بالمسؤولية عن تحريك المظاهرات.
وقال جهانغيري: إن «الحكومة في حاجة إلى حلول تقدمها الأجهزة المدنية والنقابية والسياسية، وبخاصة النخب لإدراك القضايا المشتركة في مسار تطوير البلد». وانتقد الخلط بين النقد وإطلاق الشتائم وتشويه الآخرين»، مشدداً على أنها تلحق أضراراً بالبلد. وفي الوقت نفسه طالب النخب بتقديم الحلول المناسبة إلى الحكومة.
في سياق متصل، كشف نائب رئيس البرلمان الإيراني، علي مطهري، عن دعوات إلى استجواب الرئيس الإيراني حسن روحاني. بحسب ما نقلت وكالة «إيسنا» عن مطهري، فإن رئيس البرلمان علي لاريجاني «عرقل خلال الأيام الماضية مطالب برلمانية تطالب باستدعاء روحاني إلى البرلمان». وأضاف مطهري: إن إيران «تمر بأوضاع صعبة وفي أمس الحاجة إلى الوحدة في الوقت الراهن».
من جهة أخرى، أعلن موقع البرلمان الإيراني «خانه ملت» أن رئيسه علي لاريجاني يستضيف اجتماعاً ثلاثياً يضم رئيس القضاء صادق لاريجاني ورئيس الجمهورية حسن روحاني، الثلاثاء المقبل لبحث آخر التطورات الداخلية. وقالت مصادر إعلامية مقربة من الحرس الثوري: إن روحاني «ترأس أمس اجتماعاً أمنياً بحضور قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية» في طهران.
وحذر غلام علي جعفرزادة، رئيس كتلة «الولاية»، خيمة المحافظين في البرلمان، من تبعات زعزعة ثقة الشارع بالحكومة. وتتهم وسائل الإعلام مناصرة لروحاني خصومة باستغلال تدهور الوضع المعيشي للضغط على الرئيس الإيراني. وقال جعفرزادة إن من يريدون زعزعة ثقة الشعب بالحكومة «يجب أن يكونوا على علم أن الشعب لا يفرق بين الحكومة والسلطة والنظام». وأضاف: «كلنا نركب قارباً واحداً، ومن يثقب هذا القارب فإنه يؤدي إلى غرق الجميع».
من جانبه، قال رئيس الأركان محمد باقري: إن «فتنة 2009 سببت خيبة للأعداء في الوصول إلى أهدافهم الخبيثة». كما هاجم قادة الحركة الإصلاحية ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، واصفاً إياهم بـ«الخونة». وأصدر الحرس الثوري أمس بياناً على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، قال فيه: إن «البعض يحاول إزالة الحساسيات من ذاكرة الشعب على أمل فتن جديدة في المستقبل».



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.