روسيا تقترح «نموذج غروزني» لإعمار سوريا ودول غربية تشترط «الحل السياسي»

خبراء دوليون يقدرون تكلفة الحرب بـ327 مليار دولار... بينها 100 مليار في البنية التحتية

الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
TT

روسيا تقترح «نموذج غروزني» لإعمار سوريا ودول غربية تشترط «الحل السياسي»

الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.

تستعجل روسيا وضع ملف إعمار البنية التحتية السورية على مائدة المفاوضات الدولية - الإقليمية، باعتبار ذلك «جزرة النفوذ» المستقبلي، وسط تقديرات أممية بأن تكلفة الدمار خلال ست سنوات بلغت 327 مليار دولار أميركي، في وقت لا يزال عدد من الدول الغربية يربط المساهمة بحصول «حل سياسي ذي صدقية» بناء على القرار الدولي 2254.
وبحسب «برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا» الذي يشرف عليه خبراء سوريون ودوليون تحت مظلة «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» (اسكوا)، بلغت تكلفة الحرب السورية 327.5 مليار دولار منذ 2011، بينها 227 ملياراً بسبب الفرض الضائعة، و100 مليار قيمة الدمار الفيزيائي.
وبحسب وثيقة من «اسكوا»، فإن قطاع السكن هو الأكثر عرضة للدمار بنسبة 30 في المائة، أي بنحو 30 مليار دولار أميركي. واقتربت إلى 9 في المائة نسبة الدمار في كل من قطاعي الخدمات (الكهرباء والمياه) والمناجم، وإلى 7 في المائة لقطاع الزراعة. ولا تشمل الإحصاءات الدمار الملموس لمدينتي الرقة التي تتعرض لحملة من «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم أميركي لتحريرها من «داعش» من جهة، ودير الزور التي تخوض قوات النظام و«حزب الله» بدعم روسي هجوماً لطرد التنظيم منها من جهة ثانية. وأفاد دبلوماسي بأن واشنطن حضَّت التحالف الدولي ضد «داعش» لتوفير نحو ثلاثة مليارات لتوفير استقرار في مناطق محررة في من «داعش» الذي خسر 80 في المائة من أراضيه في العراق وثلثي أراضيه شرق سوريا. وأشار إلى ضرورة توفير 180 مليوناً للإغاثة و150 مليوناً للاستقرار بعد تحرير الرقة وريفها وسط نزوع 324 ألف مدني. وأعلنت موسكو أن مناطق «داعش» السورية تراجعت إلى 15 في المائة بعدما كانت 40 في المائة من سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع.

نموذج غروزني
في نهاية العام الماضي، حذر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون ونظيره الأميركي السابق جوي كيري، من تحويل روسيا مدينة حلب إلى «غروزني سوريا»، في إشارة إلى عاصمة الشيشان التي اعتبرتها الأمم المتحدة في 2003 «المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض»، بعد محاصرة القوات الروسية ولها وتدميرها.
لكن رد فعل موسكو على تحذيرات واشنطن ولندن كان مفاجئاً، إذ كتبت السفارة الروسية في العاصمة الأميركية على موقع «تويتر» ردّاً على جونسون وكيري: «غروزني اليوم هي مدينة سلمية وحديثة ومزدهرة. أليس هذا الحل الذي نبحث عنه جميعاً؟». وأولى بشائر نسخ التجربة الشيشانية في سوريا، كانت بإرسال ألف عنصر شيشاني تحت قبعة الشرطة العسكرية لمراقبة اتفاقات «خفض التصعيد» في أربع مناطق وضبط الأمن في حلب بعد استعادة قوات النظام أحياءها الشرقية. الإشارة الثانية، كانت لدى تقديم الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف «عرضاً مغرياً» لإعمار الجامع الأموي الكبير في حلب. وقال مفتي المحافظة محمود عكام لصحافيين شاركوا في جولة نظمها الجيش الروسي الثلاثاء في حلب: «كان (قاديروف) مصرّاً جداً، وعلى اعتبار أننا ننتمي للديانة ذاتها ويفهمنا، فقَبِلنا».
وتحول الجامع الأموي من معلم أثري إلى ساحة متاريس، إذ دُمّرت في العام 2013 مئذنته العائدة إلى القرن الحادي عشر، وتساقطت أحجاره المنقوشة وتضررت أبوابه الخشبية، إضافة إلى حلب القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي. وأرسل قاديروف باسم والده أحمد مبلغاً قدره 14 مليون دولار لإعادة ترميم الجامع الأموي.
وجاء هذا ضمن خطوات تبذلها روسيا لوضع إعادة الإعمار على طاولة المفاوضات مع القوى الكبرى والإقليمية، إذ بعث وزير الدفاع سيرغي شويغو رسالة خطية إلى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لحضه على إرسال مساعدات إلى سوريا والمساهمة في «إعادة الإعمار الإنسانية». كما أعلنت وزارة الدفاع أن موسكو تخطط لنقل 4 آلاف طن من مواد البناء لإعادة تأهيل البنية التحتية في «المناطق المحررة». وأشارت إلى أن «الإدارة العسكرية الروسية تقوم حاليًا بتسليم مواد البناء والمعدات عن طريق السكك الحديدية إلى ميناء نوفوروسيسك ليتم نقلها إلى سوريا عبر البحر». وسترسل أكثر من 40 وحدة من معدات البناء الثقيلة من الجرافات والحفارات والرافعات، للبدء بأعمال الترميم وألفي طن من الأنابيب المعدنية وغيرها من المواد لتأهيل مشاريع المياه، ومئات الكيلومترات من الأسلاك الكهربائية لإمدادات الطاقة ونظام الاتصالات، ومواد بناء لترميم وبناء المستشفيات والمدارس والمرافق الاجتماعية.

لافروف والشرايين
كان لافتاً أن في جميع اتفاقات «خفض التصعيد» بنداً تناول «إعادة الإعمار» والسماح بإدخال المساعدات ومواد البناء على مناطق المعارضة، كما وضعت موسكو خطة للسيطرة على الطريق الرئيسية في سوريا. إذ دعمت جويّاً وبرياً قوات النظام و«حزب الله» للسيطرة على طريق دمشق - دير الزور وفتحت طريق دمشق - حمص - حماة، بموجب اتفاق الهدنة في ريف حمص. وأدرجت ضمن اتفاق هدنة إدلب المقرر إعلانها قريباً، بند فتح طريق اللاذقية - إدلب - حلب، إضافة إلى طلب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من المسؤولين الأردنيين استعجال فتح معبر نصيب على الحدود السورية - الأردنية وتشغيل طريق درعا - دمشق – بيروت.
لكن عمان وفصائل «الجيش الحر» لا تزال تنتظر تنفيذ دمشق التزاماتها، ومن ضمنها «هدنة الجنوب»، وتتعلق بالتزام وقف القصف وإبعاد «القوات غير السورية»، أي ميليشيات إيران عن حدود الأردن، وقبول مجلس محلي للمعارضة وإدخال مساعدات إنسانية وإطلاق معتقلين قبل فتح المعبر والاتفاق على محاصصة للعائدات البالغة 150 مليون دولار سنوياً وتشاركية في السيطرة عليه.
وإلى الجهود الميدانية، هناك حملة دبلوماسية تقودها روسيا في أروقة الأمم المتحدة لوضع ملف «إعادة الإعمار الإنسانية» على مائدة التفاوض، للإفادة من «الفراغ الدبلوماسي»، وتراجع إجماع الدول الغربية في المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. كما فتحت موسكو الملف مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري خلال زيارته. وهو قال لقناة «روسيا اليوم» أمس: «الأولوية الآن هي تطوير وتنمية البنية التحتية وخطوط السكك الحديدية، والمنطقة الاقتصادية في طرابلس، وكذلك الطريق السريع مع سوريا كي يكون لبنان مؤهلاً ليصبح محطة لكبريات الشركات التي تنوي الدخول إلى سوريا والعمل فيها بعد الحل السياسي».

حصة إيران
من جهتها، تسعى طهران لحجز حصتها بالإعمار، إذ وقعت مع دمشق اتفاقا لـ«توريد خمس مجموعات غازية إلى مدينة حلب» لتأمين الكهرباء. وذكرت «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) أن الطرفين وقعا مذكرة تفاهم خلال زيارة وزير الكهرباء محمد زهير خربوطلي إلى طهران تتضمن بناء محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 540 ميغاواط في محافظة اللاذقية الساحلية. وأضافت الوكالة أن الاتفاقات تشمل أيضاً «إعادة تأهيل وتفعيل» مركز التحكم الرئيس للمنظومة الكهربائية السورية في دمشق.
وتضمنت الاتفاقات أيضاً إعادة تأهيل محطة للكهرباء بقدرة 90 ميغاواط في محافظة دير الزور. ونقلت «سانا» عن خربوطلي قوله: «الحكومة تحرص وتعمل بخطى سريعة لترميم المنظومة الكهربائية وسيكون للشركات الإيرانية دور في إعمار سوريا». وأضافت الوكالة أن الجانبين وقَّعا أيضاً عقدين يتضمن أحدهما توريد خمس مجموعات غازية إلى مدينة حلب بقدرة 125 ميغاواط. ونقلت عن القائم بأعمال وزير الطاقة الإيراني ستار محمودي قوله على الموقع الإلكتروني للوزارة إن طهران حريصة أيضاً على توسيع تعاونها لتشييد منشآت للمياه والصرف الصحي في سوريا. وتشارك شركات إيرانية بالفعل في سلسلة مشاريع لتوليد الكهرباء في سوريا. وتهدف إيران إلى تصدير الكهرباء وإيجاد أكبر شبكة للكهرباء من طريق ربط الشبكة الوطنية في إيران مع الشبكتين في العراق ولبنان. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، وقعت الحكومة الإيرانية وكيانات قريبة من «الحرس الثوري الإيراني» مذكرات اتفاقات مهمة تتعلق بتشغيل شبكة للهاتف الجوال واستحواذ الفوسفات الاستراتيجي وإقامة ميناء على البحر وتملك مناطق صناعية ومشاريع زراعية.
وأفاد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» ببطء تنفيذ المذكرات. وقال: «بدأ الروس استثمار منجم فوسفات قرب المناجم الإيرانية في خنيفيس القريب من تدمر، لكن الإيرانيين لم يبدأوا بعد. كما أن روسيا منعت إيران من تملك مخازن نفطية قرب البحر لأن الأراضي تقع قرب قاعدة حميميم أو ميناء طرطوس الخاضعين للجيش الروسي.
وحال تخوُّف من سيطرة إيرانية على شبكة هاتف جوال وحصول اختراق أمني، من تنفيذ مذكرة الهاتف الجوال الثالثة، وإلى توفير دعم لنحو 70 ألف من ميليشيات غير سورية للقتال إلى جانب قوات النظام وتقديم ذخائر وأسلحة، قدمت طهران منذ 2013 خطوط ائتمان إلى دمشق بقيمة 6.6 مليار دولار، بينها مليار دولار في بداية العام خصص نصفها لتمويل تصدير النفط الخام ومشتقاته.
من جهتها، تعمل دمشق على الخط ذاته، إذ نظم في العاصمة السورية عدد من المؤتمرات والمعارض لتشجيع الإعمار، خصوصاً من الدول الحليفة مثل الصين ودول آسيوية. وأعلنت وزارة الخارجية السورية في بيان قبل يومين أنها «ترحب بمبادرات الدول والجهات التي لم تنخرط في العدوان (دعم المعارضة) على سوريا، وتلك التي تتخذ نهجاً واضحاً وصريحاً ضد الإرهاب للمساهمة برفد جهود إعادة الإعمار».

الانتقال السياسي
الاندفاعة الروسية تحت مظلة «إعادة الإعمار الإنسانية»، وضعت دولاً غربية في موقف معقد لأنها معنية بالملف الإنساني، وكانت الدول الأوروبية وفرت 12 ملياراً للإغاثة خلال سبع سنوات من جهة، وأظهرت تبايناً بين مواقف الدول ذاتها بين متحمس لحجز موقع في الإعمار ودول متمسكة بالموقف السياسي ورفض «الابتزاز الروسي».
وقال المبعوث البريطاني إلى سوريا غاريث بايلي على صفحته في «تويتر» أمس: «لن يتم تقديم المساعدات إلى سوريا إلا عندما تكون هناك عملية انتقال حقيقية وشاملة للجميع». وكان الاتحاد الأوروبي أقر من جميع أعضائه في أبريل (نيسان) الماضي رؤية لمستقبل سوريا، نصت على أنه «سيكون مستعداً للمساعدة في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يكون هناك انتقال سياسي جارٍ وحازم وشامل وحقيقي وشمولي على أساس القرار 2254 وبيان جنيف»، وأنه يمكن أن «يراجع التدابير التقييدية الحالية (العقوبات المفروضة بعد 2011) والانخراط في استئناف التعاون مع السلطات الانتقالية وتوفير الأموال لدعم الانتعاش وإعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب». لكن قال: «ينبغي أيضاً أن يتحمل أولئك الذين يؤججون الصراع المسؤولية الخاصة بتكلفة إعادة الإعمار».
وجاءت هذه الرؤية تطويراً لورقة أعدتها مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني، وربطت «إعادة إعمار سوريا ببدء تنفيذ الانتقال السياسي حيث من المستبعد أن يقدم أي من مستثمري القطاع الخاص أو المؤسسات الدولية المساعدة قبل ذلك». وأضافت: «إعادة الإعمار من الأسفل للأعلى ستكون أساسية للنجاح ولتفادي الفساد وعدم الكفاءة. وسيكون الاتحاد الأوروبي مستعداً لتقديم مساهمته لكل من الاستقرار السريع في مرحلة ما بعد الصراع وإعادة إعمار على المدى الطويل في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا، لدعم عمل المؤسسات السورية».



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.