روسيا تقترح «نموذج غروزني» لإعمار سوريا ودول غربية تشترط «الحل السياسي»

خبراء دوليون يقدرون تكلفة الحرب بـ327 مليار دولار... بينها 100 مليار في البنية التحتية

الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
TT

روسيا تقترح «نموذج غروزني» لإعمار سوريا ودول غربية تشترط «الحل السياسي»

الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.
الفقراء في غروزني الأقل بين المدن الروسية.

تستعجل روسيا وضع ملف إعمار البنية التحتية السورية على مائدة المفاوضات الدولية - الإقليمية، باعتبار ذلك «جزرة النفوذ» المستقبلي، وسط تقديرات أممية بأن تكلفة الدمار خلال ست سنوات بلغت 327 مليار دولار أميركي، في وقت لا يزال عدد من الدول الغربية يربط المساهمة بحصول «حل سياسي ذي صدقية» بناء على القرار الدولي 2254.
وبحسب «برنامج الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا» الذي يشرف عليه خبراء سوريون ودوليون تحت مظلة «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» (اسكوا)، بلغت تكلفة الحرب السورية 327.5 مليار دولار منذ 2011، بينها 227 ملياراً بسبب الفرض الضائعة، و100 مليار قيمة الدمار الفيزيائي.
وبحسب وثيقة من «اسكوا»، فإن قطاع السكن هو الأكثر عرضة للدمار بنسبة 30 في المائة، أي بنحو 30 مليار دولار أميركي. واقتربت إلى 9 في المائة نسبة الدمار في كل من قطاعي الخدمات (الكهرباء والمياه) والمناجم، وإلى 7 في المائة لقطاع الزراعة. ولا تشمل الإحصاءات الدمار الملموس لمدينتي الرقة التي تتعرض لحملة من «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم أميركي لتحريرها من «داعش» من جهة، ودير الزور التي تخوض قوات النظام و«حزب الله» بدعم روسي هجوماً لطرد التنظيم منها من جهة ثانية. وأفاد دبلوماسي بأن واشنطن حضَّت التحالف الدولي ضد «داعش» لتوفير نحو ثلاثة مليارات لتوفير استقرار في مناطق محررة في من «داعش» الذي خسر 80 في المائة من أراضيه في العراق وثلثي أراضيه شرق سوريا. وأشار إلى ضرورة توفير 180 مليوناً للإغاثة و150 مليوناً للاستقرار بعد تحرير الرقة وريفها وسط نزوع 324 ألف مدني. وأعلنت موسكو أن مناطق «داعش» السورية تراجعت إلى 15 في المائة بعدما كانت 40 في المائة من سوريا البالغة 185 ألف كيلومتر مربع.

نموذج غروزني
في نهاية العام الماضي، حذر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون ونظيره الأميركي السابق جوي كيري، من تحويل روسيا مدينة حلب إلى «غروزني سوريا»، في إشارة إلى عاصمة الشيشان التي اعتبرتها الأمم المتحدة في 2003 «المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض»، بعد محاصرة القوات الروسية ولها وتدميرها.
لكن رد فعل موسكو على تحذيرات واشنطن ولندن كان مفاجئاً، إذ كتبت السفارة الروسية في العاصمة الأميركية على موقع «تويتر» ردّاً على جونسون وكيري: «غروزني اليوم هي مدينة سلمية وحديثة ومزدهرة. أليس هذا الحل الذي نبحث عنه جميعاً؟». وأولى بشائر نسخ التجربة الشيشانية في سوريا، كانت بإرسال ألف عنصر شيشاني تحت قبعة الشرطة العسكرية لمراقبة اتفاقات «خفض التصعيد» في أربع مناطق وضبط الأمن في حلب بعد استعادة قوات النظام أحياءها الشرقية. الإشارة الثانية، كانت لدى تقديم الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف «عرضاً مغرياً» لإعمار الجامع الأموي الكبير في حلب. وقال مفتي المحافظة محمود عكام لصحافيين شاركوا في جولة نظمها الجيش الروسي الثلاثاء في حلب: «كان (قاديروف) مصرّاً جداً، وعلى اعتبار أننا ننتمي للديانة ذاتها ويفهمنا، فقَبِلنا».
وتحول الجامع الأموي من معلم أثري إلى ساحة متاريس، إذ دُمّرت في العام 2013 مئذنته العائدة إلى القرن الحادي عشر، وتساقطت أحجاره المنقوشة وتضررت أبوابه الخشبية، إضافة إلى حلب القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي. وأرسل قاديروف باسم والده أحمد مبلغاً قدره 14 مليون دولار لإعادة ترميم الجامع الأموي.
وجاء هذا ضمن خطوات تبذلها روسيا لوضع إعادة الإعمار على طاولة المفاوضات مع القوى الكبرى والإقليمية، إذ بعث وزير الدفاع سيرغي شويغو رسالة خطية إلى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لحضه على إرسال مساعدات إلى سوريا والمساهمة في «إعادة الإعمار الإنسانية». كما أعلنت وزارة الدفاع أن موسكو تخطط لنقل 4 آلاف طن من مواد البناء لإعادة تأهيل البنية التحتية في «المناطق المحررة». وأشارت إلى أن «الإدارة العسكرية الروسية تقوم حاليًا بتسليم مواد البناء والمعدات عن طريق السكك الحديدية إلى ميناء نوفوروسيسك ليتم نقلها إلى سوريا عبر البحر». وسترسل أكثر من 40 وحدة من معدات البناء الثقيلة من الجرافات والحفارات والرافعات، للبدء بأعمال الترميم وألفي طن من الأنابيب المعدنية وغيرها من المواد لتأهيل مشاريع المياه، ومئات الكيلومترات من الأسلاك الكهربائية لإمدادات الطاقة ونظام الاتصالات، ومواد بناء لترميم وبناء المستشفيات والمدارس والمرافق الاجتماعية.

لافروف والشرايين
كان لافتاً أن في جميع اتفاقات «خفض التصعيد» بنداً تناول «إعادة الإعمار» والسماح بإدخال المساعدات ومواد البناء على مناطق المعارضة، كما وضعت موسكو خطة للسيطرة على الطريق الرئيسية في سوريا. إذ دعمت جويّاً وبرياً قوات النظام و«حزب الله» للسيطرة على طريق دمشق - دير الزور وفتحت طريق دمشق - حمص - حماة، بموجب اتفاق الهدنة في ريف حمص. وأدرجت ضمن اتفاق هدنة إدلب المقرر إعلانها قريباً، بند فتح طريق اللاذقية - إدلب - حلب، إضافة إلى طلب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من المسؤولين الأردنيين استعجال فتح معبر نصيب على الحدود السورية - الأردنية وتشغيل طريق درعا - دمشق – بيروت.
لكن عمان وفصائل «الجيش الحر» لا تزال تنتظر تنفيذ دمشق التزاماتها، ومن ضمنها «هدنة الجنوب»، وتتعلق بالتزام وقف القصف وإبعاد «القوات غير السورية»، أي ميليشيات إيران عن حدود الأردن، وقبول مجلس محلي للمعارضة وإدخال مساعدات إنسانية وإطلاق معتقلين قبل فتح المعبر والاتفاق على محاصصة للعائدات البالغة 150 مليون دولار سنوياً وتشاركية في السيطرة عليه.
وإلى الجهود الميدانية، هناك حملة دبلوماسية تقودها روسيا في أروقة الأمم المتحدة لوضع ملف «إعادة الإعمار الإنسانية» على مائدة التفاوض، للإفادة من «الفراغ الدبلوماسي»، وتراجع إجماع الدول الغربية في المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة. كما فتحت موسكو الملف مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري خلال زيارته. وهو قال لقناة «روسيا اليوم» أمس: «الأولوية الآن هي تطوير وتنمية البنية التحتية وخطوط السكك الحديدية، والمنطقة الاقتصادية في طرابلس، وكذلك الطريق السريع مع سوريا كي يكون لبنان مؤهلاً ليصبح محطة لكبريات الشركات التي تنوي الدخول إلى سوريا والعمل فيها بعد الحل السياسي».

حصة إيران
من جهتها، تسعى طهران لحجز حصتها بالإعمار، إذ وقعت مع دمشق اتفاقا لـ«توريد خمس مجموعات غازية إلى مدينة حلب» لتأمين الكهرباء. وذكرت «وكالة الأنباء السورية الرسمية» (سانا) أن الطرفين وقعا مذكرة تفاهم خلال زيارة وزير الكهرباء محمد زهير خربوطلي إلى طهران تتضمن بناء محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 540 ميغاواط في محافظة اللاذقية الساحلية. وأضافت الوكالة أن الاتفاقات تشمل أيضاً «إعادة تأهيل وتفعيل» مركز التحكم الرئيس للمنظومة الكهربائية السورية في دمشق.
وتضمنت الاتفاقات أيضاً إعادة تأهيل محطة للكهرباء بقدرة 90 ميغاواط في محافظة دير الزور. ونقلت «سانا» عن خربوطلي قوله: «الحكومة تحرص وتعمل بخطى سريعة لترميم المنظومة الكهربائية وسيكون للشركات الإيرانية دور في إعمار سوريا». وأضافت الوكالة أن الجانبين وقَّعا أيضاً عقدين يتضمن أحدهما توريد خمس مجموعات غازية إلى مدينة حلب بقدرة 125 ميغاواط. ونقلت عن القائم بأعمال وزير الطاقة الإيراني ستار محمودي قوله على الموقع الإلكتروني للوزارة إن طهران حريصة أيضاً على توسيع تعاونها لتشييد منشآت للمياه والصرف الصحي في سوريا. وتشارك شركات إيرانية بالفعل في سلسلة مشاريع لتوليد الكهرباء في سوريا. وتهدف إيران إلى تصدير الكهرباء وإيجاد أكبر شبكة للكهرباء من طريق ربط الشبكة الوطنية في إيران مع الشبكتين في العراق ولبنان. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، وقعت الحكومة الإيرانية وكيانات قريبة من «الحرس الثوري الإيراني» مذكرات اتفاقات مهمة تتعلق بتشغيل شبكة للهاتف الجوال واستحواذ الفوسفات الاستراتيجي وإقامة ميناء على البحر وتملك مناطق صناعية ومشاريع زراعية.
وأفاد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» ببطء تنفيذ المذكرات. وقال: «بدأ الروس استثمار منجم فوسفات قرب المناجم الإيرانية في خنيفيس القريب من تدمر، لكن الإيرانيين لم يبدأوا بعد. كما أن روسيا منعت إيران من تملك مخازن نفطية قرب البحر لأن الأراضي تقع قرب قاعدة حميميم أو ميناء طرطوس الخاضعين للجيش الروسي.
وحال تخوُّف من سيطرة إيرانية على شبكة هاتف جوال وحصول اختراق أمني، من تنفيذ مذكرة الهاتف الجوال الثالثة، وإلى توفير دعم لنحو 70 ألف من ميليشيات غير سورية للقتال إلى جانب قوات النظام وتقديم ذخائر وأسلحة، قدمت طهران منذ 2013 خطوط ائتمان إلى دمشق بقيمة 6.6 مليار دولار، بينها مليار دولار في بداية العام خصص نصفها لتمويل تصدير النفط الخام ومشتقاته.
من جهتها، تعمل دمشق على الخط ذاته، إذ نظم في العاصمة السورية عدد من المؤتمرات والمعارض لتشجيع الإعمار، خصوصاً من الدول الحليفة مثل الصين ودول آسيوية. وأعلنت وزارة الخارجية السورية في بيان قبل يومين أنها «ترحب بمبادرات الدول والجهات التي لم تنخرط في العدوان (دعم المعارضة) على سوريا، وتلك التي تتخذ نهجاً واضحاً وصريحاً ضد الإرهاب للمساهمة برفد جهود إعادة الإعمار».

الانتقال السياسي
الاندفاعة الروسية تحت مظلة «إعادة الإعمار الإنسانية»، وضعت دولاً غربية في موقف معقد لأنها معنية بالملف الإنساني، وكانت الدول الأوروبية وفرت 12 ملياراً للإغاثة خلال سبع سنوات من جهة، وأظهرت تبايناً بين مواقف الدول ذاتها بين متحمس لحجز موقع في الإعمار ودول متمسكة بالموقف السياسي ورفض «الابتزاز الروسي».
وقال المبعوث البريطاني إلى سوريا غاريث بايلي على صفحته في «تويتر» أمس: «لن يتم تقديم المساعدات إلى سوريا إلا عندما تكون هناك عملية انتقال حقيقية وشاملة للجميع». وكان الاتحاد الأوروبي أقر من جميع أعضائه في أبريل (نيسان) الماضي رؤية لمستقبل سوريا، نصت على أنه «سيكون مستعداً للمساعدة في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يكون هناك انتقال سياسي جارٍ وحازم وشامل وحقيقي وشمولي على أساس القرار 2254 وبيان جنيف»، وأنه يمكن أن «يراجع التدابير التقييدية الحالية (العقوبات المفروضة بعد 2011) والانخراط في استئناف التعاون مع السلطات الانتقالية وتوفير الأموال لدعم الانتعاش وإعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب». لكن قال: «ينبغي أيضاً أن يتحمل أولئك الذين يؤججون الصراع المسؤولية الخاصة بتكلفة إعادة الإعمار».
وجاءت هذه الرؤية تطويراً لورقة أعدتها مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني، وربطت «إعادة إعمار سوريا ببدء تنفيذ الانتقال السياسي حيث من المستبعد أن يقدم أي من مستثمري القطاع الخاص أو المؤسسات الدولية المساعدة قبل ذلك». وأضافت: «إعادة الإعمار من الأسفل للأعلى ستكون أساسية للنجاح ولتفادي الفساد وعدم الكفاءة. وسيكون الاتحاد الأوروبي مستعداً لتقديم مساهمته لكل من الاستقرار السريع في مرحلة ما بعد الصراع وإعادة إعمار على المدى الطويل في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا، لدعم عمل المؤسسات السورية».



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.