وزير خارجية اليابان: نرحب بخفض التصعيد في سوريا... والإعمار رهن الحل السياسي

أكد في حديث لـ «الشرق الأوسط» أهمية استمرار محاربة الإرهاب بعد تحرير الموصل والرقة من «داعش»

فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
TT

وزير خارجية اليابان: نرحب بخفض التصعيد في سوريا... والإعمار رهن الحل السياسي

فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})

قال وزير الخارجية الياباني فوميو كيشيدا في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس إن بلاده ترحب بالجهود الأميركية - الروسية لـ«خفض التصعيد» في سوريا، لافتاً إلى أهمية إيجاد «حل سياسي» للأزمة السورية من أجل «إعادة الإعمار».
ونوه كيشيدا في حديث صحافي في طوكيو بـ«إعلان تحرير الموصل واقتراب تحرير الرقة» من تنظيم «داعش»، لافتاً إلى أن «الأزمات الإنسانية» ستستمر حتى ما بعد تحرير المدينتين لأسباب عدة بينها «خروج عدد هائل من سكان تلك المناطق». وقال: «من المتوقع أن تستمر مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في المجتمع الدولي برمته». وهنا نص الحديث الذي تحدث عن العلاقة مع السعودية وكونها «مفتاحاً لاستقرار الشرق الأوسط» وسعي طوكيو والرياض لإقامة «شراكة استراتيجية» والتعاون لتحقيق «رؤية 2030»:
* كيف ترى العلاقة مع السعودية حالياً؟‬‬‬‬
إن السعودية مفتاح لاستقرار الشرق الأوسط وازدهاره، كما تعتبر من أكبر أعمدة سياسة الأمن الاقتصادي لليابان. ومنذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والسعودية عام 1955، يتمتع البلدان بعلاقات جيدة في كل المجالات ومنها حسن العلاقة بين العائلة الإمبراطورية اليابانية والعائلة الملكية السعودية. وتعتبر اليابان السعودية شريكاً مهماً في مجال الأمن الاقتصادي، إضافة إلى المجال التجاري والثقافي والسياسي والأمني وغيرها.
* وجرى تبادل زيارات رفيعة المستوى في الفترة الأخيرة.
- نعم. في السنوات الأخيرة، تبادل المسؤولون في البلدين زيارات مكثفة، إذ إن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز قام في مارس (آذار) 2017 بزيارة اليابان وكانت الأولى لملك السعودية منذ 46 عاماً. كما أن ولي العهد محمد بن سلمان، الذي كان ولي ولي العهد وقتذاك، زار اليابان في سبتمبر (أيلول) 2016.
* ماذا بحثتم؟
- أتيحت لي الفرصة لأقابل الملك سلمان خلال زيارته اليابان وأبلغني تطلعاته إلى تعزيز علاقات التعاون وعبرت بدوري له عن عزمنا على تعزيزها في مختلف المجالات، وفي مقدمها التعاون في تحقيق «رؤية السعودية 2030». اللقاء كان رائعاً حيث شعرت بالتفاؤل تجاه مستقبل العلاقات بين البلدين.
* وما هي مجالات التعاون؟
- لقد قابلت وزير الخارجية عادل الجبير ثلاث مرات خلال الجلسات العامة للأمم المتحدة وغيرها، وبحثنا بجدية في سبل تعميق العلاقات وناقشنا الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط وآسيا. كما أود زيارة السعودية في يوم ما وأتمنى أن نجد وقتاً كافياً لتبادل وجهات النظر فيما بيننا. ونود تعزيز علاقات التعاون في كل المجالات مع السعودية التي تلعب دوراً مفصلياً للاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وإننا مستعدون للتعاون مع السعودية التي تتقدم من أجل بناء مستقبل جديد بقيادة الملك سلمان وولي العهد الجديد آخذين بعين الاعتبار التقاليد والعادات.
* أين وصلتم في تنفيذ الاتفاقات والوثائق التي وقعت بين البلدين؟
- في الاجتماع الذي جمع رئيس الوزراء الياباني والملك سلمان في اليابان، تم تأكيد تطوير العلاقات اليابانية - السعودية إلى «شراكة استراتيجية»، وتم الاتفاق على وثائق كثيرة لتكون بوصلةً توجه التعاون الثنائي نحو أفق جديد وأهمها «الرؤية اليابانية - السعودية 2030» التي تسعى إلى إحداث تآزر بين اتجاهات البلدين الإصلاحية التي تتمثل في «الرؤية السعودية 2030» الهادفة إلى الخروج من الاعتماد على النفط وتوفير الوظائف وغيرها و«الاستراتيجية التنموية» اليابانية، مما يمكننا من الإصلاح والتنمية معاً. وتشارك 41 وزارة ووكالة من اليابان والسعودية في «الرؤية اليابانية - السعودية 2030» وبدأت العمل على تحضير 31 مشروعاً استباقياً لتحقيق «الرؤية». * في أي مجالات؟
- أشير إلى أن مجالات التعاون بين البلدين كثيرة منها التجارة والاستثمار والسياحة والتعليم والبنى التحتية والتكنولوجيا والتبادل الثقافي. على سبيل المثال، أقيمت في أبريل (نيسان) الماضي أول حفلة موسيقية لمجموعة أوركسترا يابانية في السعودية، من أجل المساهمة في الجهود الإصلاحية التي يبذلها الجانب السعودي الذي أحد أهدافه الإصلاحية تطوير مجال الثقافة والترفيه. وكانت الحفلة ناجحة جداً وتلقينا كثيراً من أصوات التقدير والشكر، لذلك سنحاول فتح آفاق جديدة بالتعاون مع السعودية.
وبالنسبة إلى المجالات الأخرى، تم خلال زيارة الملك سلمان إلى اليابان إبرام مذكرة التفاهم في شأن التأشيرة المتعددة (فيزا) وأجور التأشيرة، ودخلت الاتفاقات الاستثمارية الثنائية حيز التنفيذ في أبريل الماضي. وأتمنى تعميق التعاون القائم بين البلدين من خلال هذه الاتفاقات. ونريد التعاون مع السعودية مستغلين مزايا كل من البلدين في مختلف المجالات من أجل بناء مستقبل أفضل لهما ومن أجل تنفيذ الإصلاحات.

كوريا الشمالية
* ماذا عن إدارة الرئيس دونالد ترمب؟ ما موقفها من التصعيد الأخير من كوريا الشمالية؟
- من الضروري أن نحافظ على القوة الرادعة الأميركية في وقت يشهد الوضع الأمني تصعيدا في المنطقة. ونحن في اليابان نقدر عاليا مواقف إدارة ترمب التي توضح بالأقوال والأفعال أن كل الخيارات موضوعة على الطاولة. وسنعزز القوة الرادعة الاستجابية التي يمتلكها التحالف الأميركي - الياباني. ولا بد من الإشارة إلى أن الحكومة الأميركية أبدت نيتها تشديد ممارسة الضغوط على كوريا الشمالية بالطرق الدبلوماسية والاقتصادية، ومطالبة الصين باستجابات فعالة. تتطابق فيها مواقف اليابان وأميركا فيما يخص ملف كوريا الشمالية.
* هل أدى هذا إلى تخفيف موقف بونيغ يانغ؟
- في الخامس من الشهر الحالي، أجريت اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون واتفقنا فيه على تعزيز التنسيق بين البلدين وبين اليابان وأميركا وكوريا الجنوبية، إضافة إلى ممارسة الضغوط على الصين وروسيا كي تلعبا دورا أكثر فعالية، بغية اتخاذ قرارات أممية تشمل وضع عقوبات أكثر صرامة من أجل أخذ زمام المبادرة على تعزيز ممارسة الضغوط الدولية على كوريا الشمالية. وتم تأكيد هذه النقاط خلال الاجتماع الثلاثي الذي جمع بين رئيس الوزراء الياباني ورئيسي أميركا وكوريا الجنوبية في السادس من الشهر الحالي.
* للوصول إلى ماذا؟
- إننا في اليابان عازمون على مطالبة الأطراف المعنية بما فيها روسيا والصين بتشديد الضغوط واتخاذ إجراءات ملموسة من أجل حل الملفات العالقة من خلال الاستمرار في التنسيق المتين مع أميركا وكوريا الجنوبية وغيرها لا سيما اجتماعات الأمم المتحدة.

حل سياسي وإغاثة بعد خفض التصعيد
* بالنسبة إلى سوريا، ما هو تقييمكم للاتفاق الأميركي – الروسي للهدنة جنوب غربي سوريا؟ وماذا عن اتفاق آستانة ومناطق «خفض التصعيد»؟‬‬‬‬‬
- نفهم رعاية روسيا وتركيا وإيران اجتماعات آستانة التي تهدف إلى تعزيز وقف إطلاق النار ولعبهم دور الوسيط بين الحكومة السورية والمعارضة، ووصلت الأطراف إلى الاتفاق على مناطق «خفض التصعيد» في اجتماع آستانة الرابع الذي جرى في الرابع من مايو (أيار) الماضي. ثم في السابع من الشهر الحالي في الأردن، توصلت الولايات المتحدة وروسيا والأردن إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنوب غربي سوريا. اليابان ترحب بالجهود المبذولة لخفض العنف في سوريا الواضحة في مثل هذا الاتفاق.
* وماذا عن الحل السياسي؟
- أود أن الإشارة إلى أهمية التزام الأطراف المعنية بهذا الاتفاق والعمل على تحسين الوضع الإنساني اللذين سيؤديان إلى تقدم جوهري في العملية السياسية، وستستمر اليابان ببذل جهودها الدبلوماسية لتحسين الوضع السوري والإنساني خصوصا بالتعاون مع المجتمع الدولي.
* لكن كيف ترى طوكيو الحل في سوريا مستقبلاً؟ ‫‬‬‬‬
- نأسف لاستمرار الأزمة السورية التي سقط فيها مئات الآلاف من الضحايا التي (الأزمة) جعلت عددا هائلا من السوريين بما فيهم اللاجئون والنازحون في أشد الحاجة إلى المساعدات الإنسانية منذ اندلاع الأزمة في مارس عام 2011. إن اليابان قدمت منذ عام 2012 مساعدات تبلغ قيمتها نحو 1.9 مليار دولار أميركي إلى سوريا والعراق والدول المجاورة.
وفي هذه السنة أيضاً، قررت اليابان تقديم مساعدات إنسانية تصل قيمتها إلى 260 مليون دولار من خلال المنظمات الدولية والأهلية إلى الدول المذكورة أعلاه جزء منها وهو بقيمة 77 مليون دولار خُصصت لمساعدة اللاجئين السوريين وتأهيل البنية التحتية لقطاع الكهرباء من أجل الاستجابة للحاجات الإنسانية في سوريا، إضافة إلى المساعدة في بناء قدرات الكوادر البشرية من الشباب السوريين ومجال تمكين المرأة ومجالات أخرى من حيث أهمية استقرار المنطقة على المدى المتوسط والبعيد.
* هل تراهن اليابان على دور في إعادة إعمار سوريا؟
- إننا في اليابان نؤكد ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة من أجل إعادة إعمار سوريا وستستمر اليابان في تقديم المساعدات الإنسانية ودعم سير العمليات السياسية بالتعاون مع المجتمع الدولي.

مكافحة الإرهاب بعد الموصل والرقة
* ماذا عن التحالف الدولي ضد «داعش»؟ هل أنتم راضون عن التقدم في محاربة الإرهاب؟
- تشهد محاربة «داعش» تطورات مهمة منها إعلان تحرير الموصل واقتراب تحرير الرقة، لكننا ندرك أن الأزمات الإنسانية ستستمر حتى ما بعد تحرير المدينتين لأسباب عدة ومنها خروج عدد هائل من سكان تلك المناطق.
يُتوقع أن تستمر مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في المجتمع الدولي برمته. ومن منطلق رؤيتنا البعيدة المدى، إننا في اليابان مصممون على تقديم المساعدات الإنسانية ودعم استقرار الدول المذكورة أعلاه من كل النواحي كي تنتشر روح التسامح والتعاون في الشرق الأوسط التي تولد إحلال السلام والاستقرار.
* كيف؟
- يتجلى عزم اليابان الذي تطرقنا إليه في المساعدات الهادفة إلى الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقيمة ستة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات من عام 2016 إلى عام 2018 التي أعلنا عنها في قمة الدول السبع في ايسيشيما العام الماضي، وسنستمر في مساهمتنا في إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط من خلال مساعدات كتلك المذكورة أعلاه.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.