العلاقات السعودية ـ الإيرانية تدخل المرحلة الانتقالية

العلاقات السعودية ـ الإيرانية  تدخل المرحلة الانتقالية
TT

العلاقات السعودية ـ الإيرانية تدخل المرحلة الانتقالية

العلاقات السعودية ـ الإيرانية  تدخل المرحلة الانتقالية

هل أصبحت المملكة العربية السعودية وإيران على مسار التخفيف من حدة التوتر القائمة في العلاقات الثنائية؟
هذا هو التساؤل الذي حاولت وسائل الإعلام الإيرانية معالجته خلال الأسابيع القليلة الماضية. وأسفرت الأجوبة المتناقضة على هكذا تساؤل عن حالة واضحة من التأرجح بين الإيجاب والإعراض.
موقع «انتخاب» الإيراني اليومي، الموالي والمؤيد للرئيس حسن روحاني قال في مقالة نشرت الأسبوع الماضي: «من مصلحة إيران حاليا التخفيف من حدة التوتر القائمة مع المملكة العربية السعودية في الوقت الذي تخلق فيه إدارة الرئيس ترمب المزيد من الشكوك وعدم اليقين».
وأشارت صحيفة «أرمان» اليومية إلى سبب آخر يدعو إلى تخفيف حدة التوتر بين الرياض وطهران، من خلال تسليط الضوء على رسالة التعزية التي أرسلتها قيادات خليجية إلى عائلة الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني، الذي وافته المنية الشهر الماضي. وكان رفسنجاني دائم الدعوة إلى تقريب العلاقات بين البلدين.
وعلى الطرف الآخر من الطيف السياسي الإيراني، أشارت صحيفة «كيهان» اليومية، وهي من الصحف التي تصرح بمعارضة الرئيس روحاني، في مقالة افتتاحية نشرت يوم الثلاثاء الماضي إلى أن السعودية قد نصحت الرئيس الأميركي الجديد بألا يلغي الاتفاق المبرم بشأن المشروع النووي الإيراني.
وبلغت التكهنات بشأن احتمالات ذوبان الجليد بين الرياض وطهران ذروتها من خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها وزير الخارجية الكويتي إلى طهران الذي نقل خلالها رسالة من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر، مما يشير إلى فتح حوار جديد وواسع بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران.
يقول الباحث مهدي رجبي من طهران: «دخلت إيران موسم الحملة الانتخابية الرئاسية مع مخاوف بشأن التوترات الاجتماعية الداخلية المحتملة. ويستعد معارضو الرئيس حسن روحاني إما إلى منعه من خوض السباق الانتخابي في المقام الأول وإما إلى هزيمته في انتخابات الربيع المقبل إن قرر خوضها».
وكان الرئيس روحاني قد أسس رئاسته للبلاد على أركان الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما والتي وصفها الرئيس الإيراني بأنها «أكبر انتصار دبلوماسي في التاريخ الإسلامي»، واتخذها ذريعة للمزيد من جهود التطبيع المستقبلية مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من كل ذلك، تسبب انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة في هزة شديدة للاستراتيجية الإيرانية المشار إليها، حيث تقوضت مزاعم روحاني بالنجاح المطلق في مجال السياسة الإيرانية الخارجية.
يقول المحلل السياسي الإيراني ناصر زماني: «مع آمال التطبيع مع الولايات المتحدة التي تأجلت، إن لم تكن تبددت، والاقتصاد الإيراني الذي يعاني أعمق أزماته في الوقت الراهن، يحتاج الرئيس روحاني إلى نجاح جديد في مضمار السياسة الخارجية. وأية بادرة على تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية سوف تنال قدرها المعتبر من الشعبية لدى الناخبين الإيرانيين، وبالتالي تكون ذات فائدة سياسية كبيرة بالنسبة للرئيس روحاني».
ومع ذلك، فإن الحسابات الانتخابية الداخلية قد لا تكون السبب الوحيد وراء تراجع لهجة العداء الواضحة التي اعتمدها الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، في الآونة الأخيرة، حيال المملكة العربية السعودية. حيث يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد لعب دورًا مهمًا في إقناع طهران بإعادة النظر في المواجهات القائمة مع المملكة العربية السعودية وحلفائها من دول الخليج العربي.
تجاهل الرئيس بوتين الرئيس روحاني وحكومته وعقد علاقات مباشرة ووثيقة مع المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي الذي له الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بالقضايا الرئيسية والمهمة في شؤون الجمهورية الإسلامية.
ووفقا للمحللين النفطيين، كان التدخل من جانب الرئيس الروسي حاسما ومهما في التوصل إلى اتفاق غير رسمي بين منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) والدول غير الأعضاء في المنظمة، ويهدف إلى خفض الإنتاج أملا في الوصول إلى استقرار أسعار النفط الخام العالمية. وتنفيذ مثل هذا الاتفاق يستلزم درجة من التعاون الوثيق بين المملكة العربية السعودية وإيران.
ومع ذلك، لم يكن الاتفاق النفطي غير الرسمي هو البادرة الوحيدة على التخفيف من حدة التوترات بين البلدين العملاقين داخل منظمة (أوبك)، فلقد صدرت من جانب إيران، في العام الماضي، لفتة تتسم بالإيجابية من خلال مجموعة من المسلحين المتهمين بالهجوم على، ونهب مبنى، السفارة السعودية في طهران.
وأظهرت المحاكمة أن المهاجمين قد تحركوا وفق موافقة ضمنية غير علنية من جانب أجهزة الأمن الإيرانية، مما يعني أن القادة الحقيقيين للاعتداء لم يتعرضوا للملاحقة القضائية في إيران. وعلى الرغم من ذلك، كانت تلك هي المرة الأولى التي يوصف فيها الاعتداء على السفارات الأجنبية بأنه جريمة ويُدان مرتكبوها في محاكمة علنية في إيران.
وهناك إشارة أخرى تفيد بتخفيف التوتر، جاءت مع اتفاق تسليم السلطة في لبنان، والذي بموجبه تولى العماد الأسبق ميشال عون، المرشح المدعوم من إيران، رئاسة لبنان، في حين تولى السيد سعد الحريري، المدعوم من دول مجلس التعاون الخليجي، رئاسة الوزراء في البلاد.
وجاءت إشارة أخرى خلال الشهر الماضي عندما أسقطت طهران شروطها الـ16 التي وضعتها من قبل بشأن عودة الحجاج الإيرانيين إلى موسم الحج هذا العام.
وللتأكيد على ما يمكن أن يكون عليه موقف إيران الجديد، أخفى السيد علي خامنئي رسالة كبيرة في واحدة من خطاباته الهجائية القاسية حول البحرين؛ حيث قال: «ليست لدينا النية للتدخل في شؤون البحرين». تلك الرسالة التي جاءت مثل الماء البارد الذي أطفأ لهيب خطبة جمعة سابقة عليها هاجم فيها المرشد الإيراني الأعلى مملكة البحرين داعيا خلالها إلى ضرورة العمل والتحرك العاجل هناك.
وتبنى المسؤولون من المملكة العربية السعودية ومن إيران، خلال الأسابيع القليلة الماضية، لهجة تتسم بالهدوء والاعتدال حيال بعضهما البعض، وكانت في غالبها تدور حول الإشادة بالروابط الدينية والثقافية التي تجمع بين البلدين الكبيرين.
هناك صراع بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، بقيادة المملكة العربية السعودية، في عدد من المواقع في منطقة الشرق الأوسط، ومن أبرزها العراق، وسوريا، والبحرين، واليمن.
في العراق، يمثل الوجود المستمر لجنود الجيش الأميركي، والذي من المرجح أن يزيد في عهد الرئيس دونالد ترمب، عقبة كبيرة في مواجهة مشروع الهيمنة الإيرانية الطموح في المنطقة. ربما، وبمزيد من الأهمية، حتى الشيعة العراقيون ليسوا حريصين كل الحرص على رؤية بلادهم تتحول إلى دولة تابعة للنظام الإيراني بقيادة طهران. ووفقا لذلك، فإن الفرص السانحة أمام إيران للحصول على النفوذ الدائم في المحيط العراقي باتت مشكوكا فيها، إن وصفت بأدنى العبارات.
وفي سوريا، لا تزال إيران ضالعة وحتى أسنانها في الصراع هناك، وتمارس الحد الأقصى الممكن من النفوذ على البقية المتبقية من النظام البعثي. وعلى الرغم من ذلك، فإن الملف السوري لم يغادر، وربما لن يغادر، الطاولة الروسية في الوقت القريب، حيث لا تتمكن إيران إلا من لعب الدور الثانوي على أحسن الأحوال الممكنة.
ومع اكتساب العراق وسوريا للمزيد من الزخم ابتعادا عن مجال النفوذ الإيراني ومنافسته لمجال نفوذ دول الخليج العربي حيال نفس القضايا، لم يتبق سوى البحرين واليمن باعتبارهما أسخن نقاط المنافسة الراهنة.
يقول المحلل الإيراني زماني: «إن اختزال الصراع الكبير الممتد في قضيتي البحرين واليمن فقط من شأنه أن يمهد الطريق أمام الحوار البناء في المستقبل».
ومن المحتمل أن رسالة أمير الكويت السرية إلى طهران قد تطرقت إلى هكذا احتمال.
لا يتجاوز الدور الإيراني الكبير في البحرين حدود الدعاية، والخدمات اللوجستية، والدعم المالي للجماعات المتمردة هناك. والاتصالات بين أجهزة الأمن الإيرانية وجماعات المعارضة البحرينية، غالبا ما تتم خارج إيران، بما في ذلك مدينتا لندن وبيروت. ويسهل على إيران بكل بساطة الحد من تلك الاتصالات باعتبارها وسيلة من تهدئة التوترات مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومن دون التخلي عن مزاعمها بدعم الطائفة الشيعية في البحرين.
لكن التورط الإيراني في اليمن هو الأكثر تعقيدا، ومصدر من أكبر مصادر القلق للمملكة العربية السعودية وحلفائها، حيث تتلقى الميليشيات الحوثية اليمنية الجانب الأكبر من موارد التسليح والتمويل من إيران في حين أن الخبراء العسكريين الإيرانيين لعبوا دورا رئيسيا في تصميم الأساليب التكتيكية بواسطة التحركات التي تتخذها الوحدات المقاتلة هناك.
ومع ذلك، بدأت طهران في رؤية مغامرتها في اليمن باعتبارها مقامرة خاسرة. وربما ذلك هو السبب في أن زيارة الوفد الحوثي إلى طهران، والتي كانت مقررة خلال الشهر الحالي، قد أجلت إلى أجل غير مسمى، وفقا للمصادر الإيرانية. كما يساور طهران القلق أيضا من احتمال أنه، على أدنى تقدير، قد تعقد جماعة الحوثي اتفاقا مستقلا مع الرياض في مقابل تأمين نصيب من المشاركة في السلطة، مما يترك إيران مثل المتطفل في هذا الشأن.
وهناك عامل آخر قد يدفع صناع القرار السياسي الإيرانيين إلى مراجعة سياساتهم إزاء اليمن. فالحكومة البريطانية ضالعة وبشدة في الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع الدائر في اليمن في أسرع وقت ممكن. وفي الوقت نفسه، فإن طهران شديدة الحرص على تعزيز علاقاتها مع لندن لضمان استمرار الاتفاق النووي المبرم، والمحافظة على قناة الاتصال مفتوحة إلى واشنطن عبر الحكومة البريطانية.
والتساؤل الذي يطرحه العديد من المحللين الآن يتعلق بما إذا كانت العلاقات الأفضل بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي هي من الأمور الممكنة.
ومع ذلك، ربما ليس هذا هو السؤال الصحيح؛ فالعلاقات مع إيران لا يمكن أن تتحسن طالما أن المشاكل التي تتعلق بإيران ذاتها لم تلق حلولا أو تسوية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي المطروح، كما هو الحال على الدوام، هو: هل من الممكن الحيلولة دون تدهور العلاقات مع إيران لمستويات هي أدنى مما عليه الآن؟ الإجابة الممكنة على هكذا تساؤل هي: أجل.



ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
TT

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال اتصال تلقاه ولي العهد السعودي من رئيس الوزراء الكندي يوم الأربعاء، بحث الجانبان خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا مجالات التعاون القائمة وسبل تعزيزها وتطويرها في عدد من المجالات.


«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
TT

«الداخلية» السعودية: إجراءات بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية

وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)
وزارة الداخلية حذّرت كل من يحاول المساس بالنظام العام أو النيل من اللحمة الوطنية (واس)

أعلنت وزارة الداخلية السعودية، الأربعاء، مباشرة الجهات المختصة في حينه الإجراءات النظامية بحق متورطين في جرائم مُهددة للوحدة الوطنية، والتي تمثل خطاً أحمر لا يُقبل المساس به، أو التأثير عليه.

جاء ذلك في بيان للوزارة أشار إلى «ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من محتوى من شأنه المساس بالوحدة الوطنية، وتهديد السلم والأمن المُجتمعي، متضمناً عبارات مثيرة للتعصب القبلي المقيت»، في تصرف غير مسؤول، ولا يعكس وعي المجتمع السعودي، وإدراكه لخطورة تلك الممارسات الشاذة التي لا تمثل إلا أصحابها.

وحذَّرت «الداخلية» من «كل ما من شأنه المساس بالنظام العام»، مؤكدة أن الجهات الأمنية تقف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللُّحمة الوطنية بإثارة النعرات القبلية المقيتة، وأن الجزاء الرادع سيكون مصيره»، باعتبار أن تلك الأفعال تعدّ جريمة خطيرة يُعاقب عليها القانون.

من جانبها، أكدت النيابة العامة، في منشور على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن إثارة النعرات القبلية أو الدعوة للتعصب والكراهية بين أفراد المجتمع جرائم يعاقب عليها النظام، وتعرّض مرتكبيها للمساءلة الجزائية والعقوبات المقررة.

بدورها، قالت «هيئة تنظيم الإعلام»، في منشور عبر حسابها على منصة «إكس»، إن «قيمنا المجتمعية ترفض كل أنواع الفرقة وإثارة النعرات القبلية»، مؤكدة أن «أي محتوى يتضمن تعصباً قبلياً، أو قدحاً بالأنساب تصريحاً أو تلميحاً، يعدّ مخالفة صريحة للفقرة الرابعة من المادة الخامسة من نظام الإعلام المرئي والمسموع».

وأشارت الهيئة إلى ممارسات غير مباشرة تثير النعرات القبلية، هي: «الإيحاء بوجود أفضلية على أساس الانتماء، وإبراز الانتماء القبلي خارج سياق المحتوى، وعبارات عامة تحمل معاني تمييزية مبطنة، وطرح قضايا اجتماعية بإيحاءات توحي بالفرقة».


كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
TT

كيف دعمت «قمة جدة» العمل الخليجي المشترك؟

أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)
أعلام دول الخليج ترتفع في جدة قبيل القمة (واس)

وجّه قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم التشاورية، في جدة غربي السعودية، الثلاثاء بضرورة استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية، مشيرين إلى أهمية مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس، والإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون، والمضي قدماً في دراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف التكامل العسكري ما بين دول المجلس، والإسراع في إنجاز مشروع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.

وعكست هذه التوجيهات التي كشف عنها البيان الإعلامي لجاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عقب القمة، إشاراتٍ لافتة جاءت بالتوازي مع أخذ السعودية زمام المبادرة للدعوة لهذه القمة التشاورية، حيث تضمّنت «التوجيهات السامية»، كما وصفها البديوي، مصطلحات واضحة ومباشرة اشتملت على «الاستعجال» و«الإسراع» في مناسبتين، إلى جانب «أهمية»، والدعوة المباشرة لتكثيف التكامل العسكري، الأمر الذي لقي تفاعلاً واسعاً يكشف عن جدية، ووضوح في المبادرة السعودية، واللقاء التشاوري الخليجي، للخروج بنتائج حقيقية لهذا اللقاء في ظل الظروف الراهنة شديدة التعقيد.

ولي العهد السعودي وملك البحرين قبيل القمة (واس)

ودلّلت تعليقات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد عقب القمة على ذلك قائلاً: «قمتنا الخليجية التشاورية اليوم في جدة تجسد الموقف الخليجي الموحد تجاه الأوضاع الراهنة، وما تستلزمه من تكثيف التنسيق، والتشاور، بما يعزز الدور الفاعل لدولنا في دعم المسارات الدبلوماسية، وصون أمن المنطقة، واستقرار شعوبها، وتحقيق تطلعاتها نحو التنمية، والازدهار».

امتداد لجهود ولي العهد السعودي وقادة الخليج

الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، قال لـ«الشرق الأوسط» إن استضافة المملكة للقمة الخليجية التشاورية جاءت استجابة لبحث الظروف التي تمر بها منطقة الخليج العربي جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية، والتشاور، وتنسيق مواقف دول مجلس التعاون الخليجي على ضوء ما أسفرت عنه هذه الحرب، ولاحتواء تداعيات الأزمة الراهنة، سواء من الناحية الأمنية، أو الاقتصادية، أو غيرهما. واستدرك أنها تهدف إلى تعزيز الجهود المبذولة لمعالجة هذه الأزمة، وتداعياتها، لتحقيق استقرار المنطقة، وحفظ مصالح دول مجلس التعاون، وتعزيز أمنها الجماعي، وتابع أنها تأتي امتداداً لجهود الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي.

ولي عهد الكويت لدى وصوله إلى جدة وفي استقباله ولي العهد السعودي (واس)

الدكتور عبد العزيز يرى أن رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز -لتعزيز العمل الخليجي المشترك، وترسيخ الوحدة الاقتصادية، وتطوير المنظومتين الدفاعية، والأمنية، وصولاً إلى تكامل خليجي أكثر رسوخاً واستدامة، بما يحقق قيمة مضافة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الحيوية، ويعزز التعامل الجماعي مع ما قد تفرضه الأزمة الحالية من تحديات، أو تحسباً لأي أزمات قد تطرأ على المنطقة مستقبلاً- تعد من الملفات التي طرحت على طاولة لقاء القادة.

عدم ارتهان القرار الخليجي لجهات أخرى

وتوقع بن صقر خلال حديثه أن القمة سوف تبني على نجاح دول المجلس في التصدي للهجمات الإيرانية بالصواريخ الموجهة، والمسيرات، والبناء على هذا النجاح في وضع استراتيجية دفاعية متكاملة وشاملة لدول المجلس، تبدأ بالتسليح الحديث الذي يناسب الأجيال الجديدة من الحروب، والتدريب، والشراكات الدفاعية الخارجية، بما يرسي قواعد دفاع استراتيجية قوامها الاعتماد على الذات، والشراكات المناسبة، والمفيدة، وعدم ارتهان القرار الخليجي لأي جهات أخرى.

ولي العهد السعودي مستقبلاً أمير قطر (واس)

وكان القادة الخليجيّون أكدوا على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها، وأمنها، واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أشار الأمين العام للمجلس إلى إشادة القادة بما أظهرته القوات المسلحة لدول المجلس من «شجاعة وبسالة عاليتين في الدفاع عن دول المجلس في وجه الاعتداءات الإيرانية السافرة، وبما أبدته هذه القوات من قدرات وجاهزية مكنتها -بعد توفيق الله- من التصدي للاعتداءات الصاروخية، وبالطائرات المسيرة، والتعامل معها باحترافية وكفاءة عاليتين»، إلى جانب الحفاظ على أمن الدول الأعضاء، ومقدرات شعوبها.

الممرات البديلة «نقاش الفترة المقبلة»

وتوقّع بن صقر أن العمل على إيجاد ممرات بديلة لتأمين سلاسل إمدادات الطاقة سوف يكون محل نقاش خليجي جاد في الفترة المقبلة، وهو الأمر الذي تناوله بيان الأمين العام لمجلس التعاون الذي كشف عن توجيه القادة إلى الإسراع بالبدء في أخذ خطوات تجاه إنشاء مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز، علاوةً على استعجال استكمال متطلبات تحقيق الوصول لكافة المشاريع الخليجية المشتركة، بما في ذلك النقل، والخدمات اللوجستية، مع الإسراع في تنفيذ مشروع سكك الحديد الخليجية.

وزير الخارجية السعودي استقبل نظيره الإماراتي عقب وصوله للمشاركة في القمة (واس)

ويتّفق أحمد الإبراهيم، المحلل السياسي، مع هذا الطرح، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن البيان الذي أعقب القمة عكس أهميّتها، وأكّد على أن السعودية كما تولّت الأمر، وأمّنت سلاسل الإمداد لوجستيّاً لدول الخليج خلال الأزمة، وعملت على تأمين ممرات بديلة للطاقة عبر خط أنابيب شرق–غرب كجزء من معالجة أزمة مضيق هرمز، جدّدت اليوم خطواتها المبدئية عبر جمع دول الخليج على طاولة واحدة، للتعامل مع المرحلة المقبلة.

«توجيهات صريحة ومباشرة»

وأضاف: «هذه من المرّات النادرة التي أشهد فيها بياناً مباشراً وصريحاً يتضمن التوجيهات الصارمة، خاصةً في التعامل مع المتطلّبات المستقبلية، والسيناريوهات المفتوحة على كافة الاحتمالات الآن، مع احتمالية تعثر المفاوضات الأميركية–الإيرانية، أو أي سيناريو خطير قادم».

جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي أدلى ببيان عقب القمة (مجلس التعاون)

بدوره يرى المحلل السياسي محمد الدوسري أن أهمية مجلس التعاون الخليجي تكمن في مقدرته على العبور من الكثير من الأزمات، ومن ذلك الحرب العراقية-الإيرانية، وأزمة احتلال العراق للكويت، ودور المجلس -وعلى رأسه السعودية- في تجاوز العديد من المحن، مشدّداً على أن العقل الجمعي لمواطني الخليج يرى أهمية توحيد الموقف الخليجي لعبور الأزمات، ومن ذلك الأزمة الجارية، وانعكاسات إغلاق مضيق هرمز.

«الخيمة السعودية»

ونوّه الدوسري إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول الخليج هو بمثابة رسالة لاجتماعها، واستظلالها في «الخيمة الكبيرة»، وهي السعودية، لتفتح آفاقاً جديدة، وتتفق على معالجة وتجاوز الأخطار الحالية المحدقة.