الوجه الآخر لأكبر اقتصاد في أوروبا

«الكتاب الأسود» يكشف فضائح مالية تجاوزت 100 مليار يورو في ألمانيا

وزير الاقتصاد زيغمار غابريل خلال مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
وزير الاقتصاد زيغمار غابريل خلال مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لأكبر اقتصاد في أوروبا

وزير الاقتصاد زيغمار غابريل خلال مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)
وزير الاقتصاد زيغمار غابريل خلال مؤتمر صحافي في برلين أمس (أ.ف.ب)

تنزعج بعض مؤسسات الدولة والوزارات الألمانية عند تقديم رابطة دافعي الضرائب سنويًا كتابها المسمى «الكتاب الأسود»، ويشرف على وضعه مجموعة من خبراء الاقتصاد والمال، ويتضمن الكتاب معلومات بالأرقام عن فضائح مالية بالملايين؛ نتيجة عبث سياسيين ووزراء وإداريين ومؤسسات عامة بأموال دافعي الضرائب، أو سوء التصرف وقلة الأمانة، أو عدم الشفافية، وكانت مثل هذا الأمور تمر في الماضي دون أن يلحظها المواطنون، ولكن «الكتاب الأسود لعام 2016» وثّق تجاوزات حدثت في أكثر من 1400 مؤسسة ودائرة حكومية وبلدية ووزارة في كل الأقاليم الألمانية؛ ما تسبب بديون تجاوزت الـ108 مليارات يورو.
في الوقت نفسه قدم الكتاب تحليلاً لهذه التجاوزات ومقترحات لمزيد من الشفافية في العمل، لوضع حد لها، مع الإشارة إلى المخاطر المحفوفة بها إذا ما تواصلت، إلا أن هذه المقترحات تقدم منذ صدور أول كتاب قبل أكثر من 40 عامًا دون فائدة، وإذ تم علاج التجاوزات في مؤسسة ما ستظهر في مؤسسة أو دائرة حكومية أخرى.
وحسب قول رالف فون هوهينهاو، رئيس رابطة دافعي الضرائب: «في كل كتاب يصدر نختار الحالات الأكثر تجاوزًا، لكي يدرك المواطن ما يجري وراء الكواليس، وكم الأموال التي أُنفقت وكيف أُنفقت، وكتاب هذا العام يضم أسوأ عشر حالات».
وعلى رأس هذه الحالات فضيحة بناء مطار برلين - براندبنورغ الذي يعتبره الكثيرون فضيحة القرن، وكان يجب أن يُفتتح عام 2011 لكن مواصلة البناء فيه متوقفة ومن غير المعروف تاريخ افتتاحه، فكل المشرفين والمسؤولين في حكومتي برلين وبراندبورغ يتقاذفون التهم، على الرغم من أن صيانة المبنى غير الجاهز وتنظيفه وحمايته من الحشرات يكلف أكثر من 5 ملايين يورو سنويا.
ولقد وُضعت أسس بناء المطار عام 1996 بعد توحيد ألمانيا بفترة، وبكلفة تصل إلى 1.7 مليار يورو، يشارك فيها إقليما برلين وبراندبورغ، وسوف يحل محل مطاري تيغل وتبملهوف، واعتبر مشروع القرن الـ21 في ألمانيا وأوروبا، إلا أنه واجه بعض الصعوبات الصغيرة، حسب وصف القائمين عليه، فحُدد موعد جديد للافتتاح، وكان شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2012، إلا أن هذا التاريخ كان مثل كذبة نيسان، بعد ما استعد الجميع حكومة وشعبا لليوم العظيم، لكن قبل يومين فقط من تاريخه تفاجأ الجميع بالتأجيل مجددًا، وكانت الشركة الموكلة بالتنفيذ قد أخفت حقيقة أن جهاز الإطفاء والإنذار وشريط الحقائب لتحميلها في الطائرة لا يعمل، وعند إجراء تحقيقات اتضح وجود تلاعب بالأسعار وعمليات غش بالملايين، وإهمال من قبل اللجنة المشرفة على المشروع، وعلى رأسها رئيس حكومة وعمدة برلين الأسبق كلاوس فوفرايت وماتياس بلاتشيك رئيس حكومة إقليم براندنبورغ، فما كان من الأخير إلا أن قدم استقالته من اللجنة.
بعد أيام من هذا التاريخ أعلن عن إلغاء عقد البناء ومنحه إلى شركة أخرى أكدت بأن المطار سوف يكون جاهزًا في عام 2014 مع ارتفاع التكاليف إلى 4.3 مليار يورو بحجة أن أسعار مواد البناء ارتفعت مقارنة مع السنة التي تقرر فيها بناء المطار، لكن أتى الموعد ولم تُحلق أي طائرة من المطار، بل ارتفعت تكاليفه مرة أخرى إلى 5.3 مليار يورو مع احتمال الانتهاء من البناء عام 2016.
والمفاجأة الكبيرة كانت بإعلان اللجنة المشرفة على البناء أن المشروع مهدد بالإفلاس، فدعمه الاتحاد الأوروبي بـ1.1 مليار يورو والحكومة الاتحادية في برلين بـ26.5 مليون يورو، والافتتاح قد يكون في عام 2017، والصفعة المؤلمة كانت اعتراف اللجنة بأن المطار قد يفتتح عام 2018، وتقديمها فاتورة جديدة بمبلغ إضافي للتكاليف وصل إلى 2.19 مليار يورو.
ونتيجة الضغوطات حكم على الرئيس السابق لإدارة الأعمال في المطار بالسجن ثلاث سنوات ونصف بتهمة الحصول على 150 ألف يورو رشوة من «إيمتيك»، وهي الشركة المشرفة على التمديدات الداخلية، وكانتقام منه فضح مشرفين بأنهم دفعوا الملايين لهذه الشركة دون إدخالها في دفاتر المحاسبة.
والحديث اليوم عن دفع رشى بالملايين من أجل عطاءات لشركات غير ذات كفاءة أوكلت دون أن تدخل مناقصة، كما لم تتم مساءلة عمدة برلين السابق فوفرايت بعد ظهور تلاعب بالفواتير.

تجاوزات الوزارات
ومرتكبو التجاوزات وقلة التقدير هم أيضًا وزراء، مثل وزير الاقتصاد الاشتراكي زيغمار غابريل الذي خصص مبلغ 45 مليون يورو من أجل حملة إعلانية لإقناع المواطنين بترشيد الطاقة الكهربائية وهو مبلغ باهظ لم يأت بالنتيجة التي كان يتوقعها. ليس هذا فقط بل خصص مبلغ 235 ألف يورو بهدف الترويج للمعاهدة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فهو كوزير من المؤيدين لها، لكن ما يدعو للغرابة أنه كسياسي اشتراكي داعم لمنظمات مناهضة لهذه المعاهدة.
ولم تسلم الحكومة والوزارات الاتحادية من انتقاد رابطة دافعي الضرائب، حيث تجاوزت أتعاب خبراء وضعوا تدابير الاحتياجات الدفاعية المليون يورو، فخرجوا بالنتيجة نفسها التي وصلت إليها الوزارات، كما خصصت الحكومة الاتحادية مبلغ 11.5 مليون يورو للمكتب الاتحادي للهجرة واللجوء كي يبرم عقودًا مع مؤسسات استشارية لتحسين سير العمل فيه دون نتيجة تذكر.
وشملت اللائحة وزارة الدفاع، فهي سرحت قبل سنوات قليلة الكثير من العاملين فيها بحجة تراجع حجم موازنتها وعدم الحاجة إليهم، واليوم ومع أن الوضع لم يتغير خصصت 11 مليون يورو من أجل القيام بحملات دعائية للتوظيف من جديد.
وهناك حالة أخرى تدعو للاستغراب، فالحكومة الاتحادية كانت تملك بناية بوزارة الداخلية ظلت خالية منذ عام 2009 مع تكاليف لصيانتها تصل إلى 80 ألف يورو سنويا، لكن بدلاً منها استأجرت الوزارة مبنى في مكان يبعد بضعة كيلومترات، وظلت حتى عام 2015 فيها إلا أنها اضطرت لإخلائه والانتقال إلى المبنى الآخر، بعد أن طالب المالك برفع قيمة الإيجار. مع ذلك كان على الوزارة دفع 10 ملايين يورو بدل إيجار المبنى السابق لمدة عام كامل؛ لأن عقد الإيجار فسخ من طرفها قبل نهاية مدته، إضافة إلى مليون يورو دفعته إلى مكتب مخصص لتنظيم عملية الانتقال.

والبلديات متهمة أيضا
في ساكسن تقرر بناء معبر لسكة الحديد في وسط المدينة رغم وجود معبر قديم بحجة أنه غير صالح للاستعمال، وأوكل أمر التنفيذ إلى شركة مغمورة وحددت التكاليف بنحو مليون يورو لأنها بنت ممرا خاصا لراكبي الدراجات، لكن المشكلة اليوم أن لا أحد يستخدم هذا المعبر بل القديم، ومن يتحمل التقدير الخاطئ لاعتماد مشروع قيل إنه مربح هم بالطبع دافعو الضرائب لوحدهم.
وفي تورينغن شرق ألمانيا تم تسجيل دفع شركات رشى لأعضاء البلديات من أجل الموافقة عليها، لكن اتضح أنها فاشلة، منها في بلدة كامرفورست التي قررت لجنة البلدية فيها بناء مطعم جديد وسط الغابة بدلاً من القديم لأنه غير جذاب، وعند الانتهاء عام 2016 من بنائه تم تأجيره لمدد طويلة ووصلت تكاليفه إلى 800 ألف يورو، إلا أن المطعم لم يؤجر وتكاليف صيانته ترتفع إلى أن بيع بالمزاد العلني بـ200 ألف يورو مع ديون على البلدية أكثر من 600 ألف تضاف إليها الفوائد المصرفية.
وأصبح موقف الدراجات أمام المحطة الرئيسية للقطارات في مدينة إيرفورد مادة ساخنة، فعند إقراره العام الماضي وضعت له ميزانية وصلت إلى 484 ألف يورو، لكن وبسبب أخطاء في تقدير ثمن مواد البناء وأتعاب مكتب للاستشارات زادت التكلفة 90 ألف يورو.
وبعد نقاشات حادة أقرت بلدية مدينة شفرين توسيع خطوط الترام في الوسط التجاري وربطها ببعضها البعض بكلفة 4 ملايين يورو طوله بضعة كيلومترات، وكان البدء في مد الخطوط من جانبي المدينة لكن عند التقاء الخطين معًا اتضح أن كل واحد له اتجاه آخر، أي من دون نقطة التقاء والخطأ في التخطيط والتنفيذ، لكن الشركة المنفذة ترفض تحمل المسؤولية وتقول إنها اعتمدت على خرائط قدمتها البلدية إليها وكان المواطنون يراهنون في تنقلاتهم على الترام.
وسوء التصرف بأموال دافعي الضرائب لا يقتصر على الأقاليم الشرقية بل أيضا الغربية مثل بافاريا، حيث قررت بلدية ميونيخ عام 2010 ترميم مسرح الدولة بتكاليف تصل إلى أكثر من 70 مليون يورو أقرها البرلمان البافاري وتطلب الإنجاز عامين، إلا أن تنفيذ المشروع تعرقل لخطأ في تقدير الشركة المنفذة، فارتفعت التكاليف 6.6 مليون يورو، وحل عام 2015 والمشروع لم ينجز فاعترض السكان على الضجيج، واستخدام أرض غير تابعة للمسرح لوضع معدات البناء وغيرها، وطالبوا بتعويض، فأضيفت إلى التكاليف 19.7 مليون يورو لتصل في النهاية إلى 97 مليون يورو، والموعد الجديد لانتهاء المشروع هو عام 2018.
وتلعب المعرفة في بعض الأحيان دورًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بمشروع دسم، فمدير سجن الأحداث في بلدة إيشاخ بولاية بافاريا لديه صديق إسباني يملك شركة للتبليط أوكله أمر تبليط السجن، لكن عقب البدء بالعمل ارتفعت التكاليف من 18 إلى 21 مليون يورو، ليس هذا فقط، إذ لم يمض وقت قصير حتى بدأ البلاط يتكسر، فظهر سوء مستوى العمال والمواد؛ ما دفع إدارة السجن إلى رفع دعوى ضد الشركة الإسبانية، وهذا يكلف أيضًا مبالغ طائلة، وقد يحل المتهم ضيفًا على السجن إذا ما قُبلت الدعوى.

لاجئون سياسيون بالتاكسي إلى مخيماتهم
وتتطلب الإنسانية معاملة اللاجئ بالإحسان، لكن أن يستخدم التاكسي فإنه شيء غير عادي، لكن هذا ما حدث في مقاطعة ساكسونيا، حيث تولت مكاتب خاصة رعاية شؤون طالبي اللجوء أيضا ما يتعلق بتنقلهم، وكانت ترسلهم بالتاكسي إلى مكاتب شؤون اللاجئين أو إلى المعاينة الطبية، ووصل المبلغ إلى 51 ألف يورو عام 2015، واتضح أن هذه المكاتب أرادت تشغيل ما لديها من سيارات أجرة، وتم لها ما أرادت لعدم وجود مراقبة على عملها.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.