قائد الأركان المسلحة الإيرانية: نوظف خبراتنا العسكرية في 5 دول عربية

تصعيد عسكري إيراني في ذكرى حرب الخليج الأولى

العرض العسكري السنوي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ36 لانطلاق الحرب الإيرانية - العراقية في طهران أمس (أ.ف.ب)
العرض العسكري السنوي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ36 لانطلاق الحرب الإيرانية - العراقية في طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

قائد الأركان المسلحة الإيرانية: نوظف خبراتنا العسكرية في 5 دول عربية

العرض العسكري السنوي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ36 لانطلاق الحرب الإيرانية - العراقية في طهران أمس (أ.ف.ب)
العرض العسكري السنوي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ36 لانطلاق الحرب الإيرانية - العراقية في طهران أمس (أ.ف.ب)

عاد قادة القوات العسكرية أمس إلى تصعيد نبرة التهديد العسكري في مشهد يتكرر كل عام في الذكرى السنوية لحرب الخليج الأولى وسط استعراض عسكري في طهران وعدد من المناطق الاستراتيجية في إيران، وتفاخر قائد أركان المسلحة محمد باقري بحرب الخليج الأولى، معتبرا دور إيران في خمس دول عربية هي العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين من تجارب من تلك السنوات، بينما طالب قائد الحرس الثوري القوات الأميركية بالخروج من مياه الخليج العربي.
في هذا الصدد، استعرضت القوات العسكرية الإيرانية صواريخ وأسلحة مع تأكيد قادة الجيش والحرس الثوري على تطوير مزيد من الأسلحة في رسالة تحد موجهة إلى قرارات الأمم المتحدة التي تطالب إيران بالابتعاد عن النشاطات المثيرة للقلق والتوتر في المنطقة.
وعرضت إيران في طهران صاروخ «عماد» الباليستي لأول مرة فضلا عن عشرات الصواريخ الهجومية بما فيها الصواريخ باليستية والنظام الصاروخي إس 300، وفي ميناء «بندر عبارس» بحضور قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري شاركت في العرض العسكري مقاتلات سوخو 17 الروسية و«ناتو فيتر» البريطانية الصنع وإف 4 وإف 14 تام كت الأميركية وقطع من البحرية الإيرانية في مياه الخليج العربي، كما كشفت إنتاج صاروخ «ذو الفقار» الباليستي الذي يبلغ مدى نوعه الأول 700 كيلومتر.
كذلك شارك في العرض العسكري لأول مرة مقاتلات سوخو 22 الروسية. في السياق ذاته، شدد قائد قوات «الصاروخية» في الحرس الثوري أمير علي حاجي زاده على أن طهران ستواصل إنتاج وتطوير مدى الصواريخ الباليتسية وفقا لوكالة «مهر» الإيرانية، كما افتتح في طهران وزير الدفاع حسين دهقان خط إنتاج صواريخ «ذو الفقار» الباليستية وفق ما ذكرت وكالة «فارس».
وقال قائد الأركان المسلحة محمد باقري في خطاب الافتتاح للاستعراض العسكري في طهران إن قواته العسكرية و«إخوانهم في العقيدة» في اليمن والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان استفادوا من خبراتها في حرب الخليج الأولى في «الجهاد الأكبر والأصغر».
وافتتح قائد الأركان المسلحة محمد باقري الاستعراض العسكري التقليدي في إيران بدلا من الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي يوجد في نيويورك لحضور الدورة الـ71 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعلى خلاف قادة القوات العسكرية الإيرانية حاول خلال حضوره طمأنة الدول الغربية على استعداد طهران للتوافق مع المجتمع الدولي.
في غضون ذلك، جدد باقري الرواية الإيرانية عن حرب الخليج الأولى بقوله إن «التاريخ يشهد أن إيران لم تكن البادئ بالحرب والتوتر وإنها لم تعتد على أي بلد وهو ما يثبت أن الشعب الإيراني مسالم». كما اتهم أميركا وفرنسا والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وألمانيا ودول الخليج والمغرب والأردن ومصر بتشكيل ائتلاف دولي للوقوف مع العراق ضد إيران في حرب الخليج الأولى.
وفي وقت أبدت فيه حكومة روحاني مخاوفها من تأثير مناورات صواريخ الباليستية على منافع مرحلة ما بعد الاتفاق النووي شدد باقري على مضي القوات المسلحة قدما في المناورات الصاروخية، مؤكدا التزام القوات العسكرية بالجداول الزمنية المحددة للقيام بتلك المناورات كما شدد على تطوير برنامج التسلح الإيراني في مختلف الأصعدة البحرية والجوية والبرية والصاروخية.
وبصفته قائدا لأركان القوات المسلحة أشار باقري ضمنا إلى ما يتردد عن صراع خفي بين الحرس الثوري والجيش الإيراني، معتبرا ما يتردد عن الخلافات بين القوى المتنافسة على القوة العسكرية في إيران محاولات «منابر إعلامية وسيناريوهات وحرب نفسية تابعة للدول الاستكبارية».
يعد هذا أول تعليق من باقري القائد السابق لمخابرات الحرس الثوري منذ تعيينه في منصب رئيس هيئة الأركان في يونيو (حزيران) الماضي. ولم يمض على تعيينه أكثر من شهر حتى تفجرت أزمة بين الحرس الثوري والجيش حاول النظام الإيراني التكتم عليها بعدما سربت وسائل إعلام مقطع فيديو للمحلل الاستراتيجي حسن عباسي الذي تربطه صلات وثيقة بالحرس الثوري يصف الجيش صراحة بعديم الفائدة و«وفق مشتهى الأجانب وأميركا وصامت وبلا موقف في القضايا الداخلية».
تلك التصريحات أثارت غضب قادة الجيش الإيراني وخرج قائد القوات البرية في الجيش الإيراني أحمد رضا بوردستان لوسائل الإعلام كاشفا عن رفع دعوى ضد منظر الحرس الثوري. بدوره الحرس الثوري سارع إلى إبعاد الشبهة عنه نفسه وقال المتحدث باسمه رمضان شريف أن الجهاز العسكري «يدين أي تحرك يضعف أجهزة ومؤسسات الثورة». لكن رغم ذلك فالإعلام الإيراني كان أكثر من تحدث عن هذا الموضوع خلال الفترة الماضية. في 23 من مايو (أيار) الماضي كشف قائد مخابرات الجيش الإيراني في فيلق 92 الذي يستقر في وسط الأحواز أن الخلافات بين الجيش والحرس الثوري بلغت ذروتها في حرب الخليج الأولى وفق ما نقلت عنه وكالة «إيسنا» الإيرانية. وأشار إلى أن تقسيم مناطق المهام بين الجيش والحرس الثوري يعود إلى صراعهما السابق في حرب الخليج الأولى.
في مايو الماضي، نفى مساعد قائد الأركان الجنرال عليرضا أفشار وجود أي تنافس بين الحرس الثوري والجيش، ونقل موقع «انتخاب» أن «الحرس الثوري ليس بديلا للجيش ولا يعتبر قوة موازية له».
قبل سبع سنوات في 22 سبتمبر (أيلول) 2009 أجرى قائد الحرس الثوري حوار مع صحيفة «جام جم» بمناسبة ذكرى الحرب وتهكم ضمنا على الجيش، وقال إن «قوة» الحرس الثوري تعود إلى أنه «لم يكن عديم الفائدة بعد الحرب وفي زمن السلام»، في إشارة إلى تدخل الحرس الثوري في النشاط الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية وإنتاج الأسلحة والصواريخ.
لكن كثيرون في إيران يعتقدون أن دور الجيش تراجع بعد صعود الحرس الثوري. خلال السنوات الماضية أسس الحرس الثوري مكاتب تابعة للباسيج داخل قواعد الجيش الإيراني وبذلك أصبح الانتماء للباسيج من الطرق التي يلجأ لها ضباط الجيش من أجل الحصول على ترقية في الرتب العسكرية.
أمس في الذكرى السادسة والثلاثين لحرب الخليج الأولى حاول كل من قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني ترطيب الأجواء والتأكيد على التعاون ونفي وجود أي خلافات. من جانب الجيش برز ذلك في خطاب قائد القوات البحرية حبيب الله سياري وفي الجهة المقابلة قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري.
في هذا السياق، هاجم جعفري القوات الأميركية في مياه الخليج العربي متهما إياها بـ«السلوك غير الاحترافي» وفقا للموقع الإعلامي للحرس الثوري «سباه نيوز». وكرر عبارات خامنئي التي طالب فيها الأميركيين بمغادرة الخليج والتوجه إلى «خليج الخنازير لاستعراض قوتهم والمغامرة».
وتوجه جعفري أمس إلى شمال الخليج العربي بميناء «بندرعباس» لحضور الاستعراض العسكري. وقال إن بلاده «يقظة لتجوال الأعداء في جواره». ودافع عن تكليف القوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني بتأمين «أمن» مضيق هرمز ومياه الخليج العربي بدلا من بحرية الجيش الإيراني وقال إنه قرار «ذكي ودقيق وصحيح». ويعد الخليج منطقة الحرس الثوري بينما الجيش الإيراني يتكفل بحراسة المياه الإيرانية في بحر العرب.
من جانبه قال أمين عام لجنة الأمن القومي علي شمخاني إن بلاده «لم تقصد الاعتداء على أي بلد لكنها ترد على أي اعتداء بقوة»، فاتحا باب الدعاية أمام الإيرانيين من مثقفين وفنانين لما اعتبره الدفاع عن صورة إيران «السلمية» بمختلف الأساليب والوسائل. ووضع رسم صورة إيران في الحرب الخليج الأولى على عاتق المجالات الثقافية والفنية. وبموازاة دعوة شمخاني دافعت وسائل إعلام ناطقة باللغة الفارسية خارج إيران عن أداء الجيش الإيراني في حرب الخليج الأولى.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.