«كلاشنيكوف».. القاتل الأول والسلاح المفضل لـ«الإرهابيين»

من أولمبياد ميونيخ 1972 وهجمات مومباي وأوروبا.. ولأفغانستان نصيب الأسد منه

«كلاشنيكوف» السلاح المفضل لدى الأفغان قبل وبعد طالبان وحتى الآن.. وفي أيدي أطفال فيتنام خلال الحرب ضد الأميركيين (نيويورك تايمز)
«كلاشنيكوف» السلاح المفضل لدى الأفغان قبل وبعد طالبان وحتى الآن.. وفي أيدي أطفال فيتنام خلال الحرب ضد الأميركيين (نيويورك تايمز)
TT

«كلاشنيكوف».. القاتل الأول والسلاح المفضل لـ«الإرهابيين»

«كلاشنيكوف» السلاح المفضل لدى الأفغان قبل وبعد طالبان وحتى الآن.. وفي أيدي أطفال فيتنام خلال الحرب ضد الأميركيين (نيويورك تايمز)
«كلاشنيكوف» السلاح المفضل لدى الأفغان قبل وبعد طالبان وحتى الآن.. وفي أيدي أطفال فيتنام خلال الحرب ضد الأميركيين (نيويورك تايمز)

مرة تلو المرة يتكرر نفس الشيء. أحد المسلحين المنفردين أو مجموعة من القتلة يحملون البنادق ويرتكبون جريمة مروعة تشد انتباه العالم بأسره. تعود القائمة المطولة إلى عقود ماضية: مقتل البعثة الرياضية الإسرائيلية في دورة الألعاب الأوليمبية في ميونيخ عام 1972، والاستيلاء على المدرسة في بيسلان بروسيا في عام 2004، وهجمات مومباي في الهند عام 2008، والهجوم على المركز التجاري في نيروبي في كينيا عام 2013، ومقتل أكثر من مائة شخص في باريس عام 2015.
وفي كثير من الأحيان ما تكون الأسلحة المستخدمة هي نسخ متنوعة من البندقية الهجومية الروسية (إيه كيه 47) المعروفة باسم الكلاشنيكوف، وهي أكثر الأسلحة النارية انتشارا في العالم، وهي بندقية رخيصة الثمن، وسهلة الاستخدام، وتعود للحقبة السوفياتية القديمة، وهي سلاح يسمح لحامله بقتل عشرات من الناس وتهديد المئات الآخرين في حياتهم، كما تمكن من قتال الند بالند ضد الجنود المسلحين بالأسلحة الحديثة إلى جانب قوات الشرطة.
وظهرت في السنوات الأخيرة نسخ من البندقية الهجومية الأميركية (إيه آر 15)، وهي تمثل استجابة الجيش الأميركي لانتشار بندقية الكلاشنيكوف الروسية. ولقد استخدمت نسخ نصف آلية من تلك البندقية بواسطة المتعاطفين مع تنظيم داعش الإرهابي في حادثة سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا عام 2015. وهناك البندقية طراز (ميني - 14)، وطراز (إم سي إكس)، التي تستخدم الذخيرة نفسها المستخدمة في بندقية (إيه آر 15)، وتنافسها في حصص المبيعات بالأسواق، والتي استخدمت في حوادث القتل الجماعية في النرويج عام 2011. وفي أورلاندو بولاية فلوريدا في يونيو (حزيران) الماضي.
استخدمت البنادق ذات الطراز العسكري، في أيدي الإرهابيين، في عمليات القتل السريعة وعلى نطاق كبير. ولكن كيف تمكنت بندقية الكلاشنيكوف - التكنولوجية التخريبية التي أغرقت العالم عبر ما يقرب من ثلاثة أجيال ولا تزال تحتل مكانا بارزا في عالم الجريمة المنظمة - أن تصبح من مضاعفات الشر والغضب على مستوى العالم؟ وبأية طريقة تمكنت من الدفع ببندقية (إيه آر 15) ومنافساتها إلى مستوى الصدارة والأهمية كذلك؟
تعود الإجابات عن الأسئلة المطروحة إلى السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، في الوقت الذي كان الاتحاد السوفياتي يطور فيه كثير من الأسلحة لكثير من الأغراض. وفي حين كان العلماء السوفيات يعملون على تطوير الأسلحة النووية التي من شأنها تجميد الحدود الدولية مخافة اندلاع الحرب الشاملة، كانت فرق من صناع الأسلحة والمهندسين يعكفون على مسابقة لتصميم سلاح ناري تقليدي - بندقية - تجمع بين سرعة إطلاق الرصاصات للمدافع الرشاشة مع خفة وزن الأسلحة الخفيفة. وكان مقررا للسلاح الجديد أن يكون نسخة تصورية من البندقية الألمانية (ستورمغفير)، التي نشرتها ألمانيا النازية في وقت متأخر من نهاية الحرب.
وفي التقييمات والتجارب الميدانية التي أعقبت ذلك، تلقى الرقيب أول، ميخائيل كلاشنيكوف، وهو المحارب القديم المصاب من حرب الدبابات في الجبهة السوفياتية الغربية، الفضل على تطويره للنموذج الأولي من البندقية ذات الطاقة المتوسطة، على غرار البندقية الألمانية (ستورمغفير)، وتعمل بالأسلوب الآلي ونصف الآلي.
لقيت البندقية (إيه كيه 47)، ذات المدى الفعال الذي يتجاوز طول ملعبين من ملاعب كرة القدم، القبول في عام 1947. وبعد سنوات قليلة، دخل التحديث الأخف وزنا والأسهل صنعا، البندقية (إيه كيه إم)، مرحلة التصنيع الضخم في روسيا، وكانت في طريقها لأن تصبح البندقية القياسية لجميع القوات البرية الشيوعية في تلك الفترة. وسرعان ما ترك السلاح الجديد بصماته.
كانت البندقية الكلاشنيكوف أقصر طولا وأخف وزنا من البنادق الهجومية التقليدية. وكانت غير مكلفة من حيث التصنيع، ومصممة لقوة التحمل والموثوقية العالية حتى درجة استثنائية. ومع بعض الأجزاء المتحركة، والتصميم الذي يجعل من فكها وتركيبها في منتهى السهولة، يمكن لأساسيات التعامل مع البندقية أن يتقنها كل أنواع المقاتلين - من الجنود الذين يتلقون التعليمات التقليدية، وحتى أعضاء جماعات حرب العصابات غير المدربين بالمرة - وفي وقت قليل للغاية.
كانت ذخائر البندقية أصغر من ذخائر البنادق التقليدية، مما يعني أن المقاتل الذي يحمل تلك البندقية يمكنه حمل مزيد من الذخيرة بصحبتها، وبالتالي يكون أكثر فتكا في الحرب، بأكثر من الرماة في العصور السابقة. وتعني ذخيرة البندقية متوسطة القوة أيضا أن السلاح قليل الارتداد، مما يسمح للمتدربين بتعلم الرماية في النطاقات القتالية القياسية وبسهولة نسبية. وساهمت هذه الخصائص في زيادة شعبية السلاح بين أولئك الذين يحملونه، وفي أكثر بلدان العالم أصبحت البندقية الكلاشنيكوف هي السلاح المفضل لكل الرجال.
لا توضح الخصائص المادية للكلاشنيكوف بمفردها سبب شهرة السلاح عالميا، بل كان ذلك النطاق الواسع من البندقية وصناعة الذخائر في مصانع السلاح العملاقة هو ما أوصل الكلاشنيكوف إلى وضعها باعتبارها أحد أكثر المنتجات المعترف بها في الحقبة الشيوعية، وأحد أكثر الأشياء التي يسهل التعرف عليها في العالم.
تظهر الخرائط الطرق الكثيرة التي انتشرت بها البندقية. حيث بدأ التصنيع في الاتحاد السوفياتي في أربعينات القرن الماضي قبل التوسع إلى الدول التابعة لحلف وارسو، وإلى الصين، وكوريا الشمالية، ويوغوسلافيا، وغيرها. ولقد تحركت عشرات الملايين من البنادق في الاقتصادات المخطط لها، سواء كانت هناك حاجة إليها من عدمه. وفي الاتحاد السوفياتي، والذي اعتبرت فيه الكلاشنيكوف أداة من أدوات الدفاع عن الوطن، دخلت البندقية في النسيج المدني. حيث كان الطلاب يتدربون عليها في المدارس. أنشأت مصانع الذخيرة في الدول التي صنعت فيها البندقية، لضمان سهولة الإمدادات. وتبنت المزيد من القوات الحكومية لمختلف البلدان السلاح الجديد وبدأت في تصنيع ذخائره لديها أيضا. واجتاحت البندقية الروسية معظم أنحاء العالم. وفي سبعينات القرن الماضي قدم الجيش السوفياتي الطراز الجديد (إيه كيه 74)، التي تستخدم ذخيرة أصغر وأسرع. وأصبح الملايين من البندقية الكلاشنيكوف قد عفا عليها الزمن رسميا، وخرجت من المخازن للتجارة العالمية.
غير انتشار الأسلحة من وجه الحروب الحديثة. ومع تمرير الحكومات الشيوعية البندقية الكلاشنيكوف إلى الدول الحليفة وإلى الوكلاء، اتخذت البندقية لنفسها دورا غير متوقع وهو الانتشار على مستوى ميادين القتال.
كانت فيتنام الأولى في ذلك. وكانت أفريقيا قد أصبحت مستعمرة من قبل الجنود الأوروبيين الذين يستخدمون الأسلحة الرشاشة ضد القوات المحلية الكبيرة، التي ينقصها الحصول على الأسلحة المكافئة. وفي فيتنام، كان كثير من هذا الزخم قد انقضى، حيث كانت قوات العصابات المسلحة ببندقية الكلاشنيكوف تقاتل ساقا لساق في مواجهة جنود الدولة العظمى. والحملات العسكرية الحديثة، التي تواجه نيران الأسلحة الآلية من البنادق الرخيصة التي يحملها الفلاحون، قد رفعت من حد التطابق في معارك القتال القريب.
كان تفوق البندقية الكلاشنيكوف على البندقية الأميركية (إم 14) في قتال الغابات في فيتنام قد أثار حفيظة روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأميركي في تلك الفترة، حتى إنه دفع بوزارة الدفاع الأميركية للإسراع في إنتاج البندقية الهجومية الأميركية الجديدة، (إيه آر 15)، التي اشتهرت باسم (إم 16). وكان من شأن القرار أن يدفع بالبنادق الهجومية إلى وضعها العالمي الحالي بوصفها الأسلحة العسكرية المعيارية على مستوى العالم.
* «نيويورك تايمز»



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».