خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزاماتها في الناتو

تشارك في قمة «تاريخية» للحلف.. وتلتزم بنشر قواتها لمجابهة خطر روسيا

الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
TT

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزاماتها في الناتو

الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)

قالت بريطانيا بأن التزامها بنشر قواتها في دول أوروبا الشرقية يعبر عن رغبتها على المدى الطويل في تثبيت نفسها «كطرف رئيسي محرك داخل الحلف شمال الأطلسي» (الناتو)، وأن قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى يوم 23 يونيو (حزيران) لا يعني «تقوقعها». إذ أعلن رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون خلال قمة الحلف الأطلسي في وارسو أمس الجمعة عن نشر بلاده 650 جنديا في دول أوروبا الشرقية في إطار تعزيز الدفاعات الأوروبية في مواجهة روسيا.
ويتوقع أن يعلن قادة الأطلسي في وارسو عن «تعزيز عسكري لا سابق له منذ نهاية الحرب الباردة» عبر اتخاذ قرار بنشر أربع كتائب تضم 600 إلى ألف عنصر في استونيا وليتوانيا ولاتفيا وبولندا بهدف طمأنة مخاوفها بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014 واندلاع النزاع في شرق أوكرانيا.
قمة الحلف الحالية مخصصة بشكل أساسي لتعزيز دفاعات الحلفاء تجاه الأخطار القادمة من الشرق والجنوب، والعمل على تحقيق الاستقرار في دول الجوار. ومن المقرر أن يصادق أعضاء الحلف على قرارات بنشر أربعة آلاف جندي في دول ليتوانيا، واستونيا وبولونيا، لمساعدة هذه الدول على حماية حدودها الشرقية. وحسب مصدر أطلسي مطلع، فإن «الأمر تلبية لطلب هذه الدول لمواجهة أي تهديد روسي محتمل. كما يهدف هذا القرار»، حسب المصدر نفسه، إلى توجيه رسالة «تحذير» لروسيا، التي يرى الحلفاء عبر الأطلسي بأنها باتت أكثر عدوانية، ومفادها أن دولهم متحدة وجاهزة لمواجهة أي تهديد. وعلى الرغم من أن الإحساس بالخوف من روسيا لا يزال يتصاعد لدى ناتو، فإنه يريد الإبقاء على قناة حوار مع موسكو، ومن هنا دعوة أمينه العام يانس ستولتنبرغ، لعقد اجتماع لمجلس الحلف مع روسيا على مستوى السفراء في 13 الجاري في بروكسل.
ومن المواضيع المدرجة أيضًا على جدول أعمال قمة وارسو، معالجة التهديدات القادمة من الجنوب، خاصة تهديد تنظيم (داعش)، وحسب المصدر «ستكون القرارات هنا رمزية أكثر من أي شيء آخر». فمن المقرر أن يوسع الحلف مهمة تدريب القوات العراقية التي كانت تتم في الأردن ليصار إلى تنفيذها داخل الأراضي العراقية، وكذلك تعزيز عمليات المراقبة التي تقوم بها طائرات أواكس على حدود دول الحلف جنوبًا.
وكان الأمين العام للحلف يانس ستولتنبرغ، قد دعا كلا من رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ورئيس الاتحاد دونالد توسك، لعقد جلسة خاصة لبحث التعاون بين الطرفين، حيث من المقرر توقيع إعلان مشترك أوروبي – أطلسي حول مواجهة التهديدات، وتقاسم المهام في الرد على التحديات مثل الإرهاب والهجرة، وكذلك تعزيز التعاون المدني والعسكري بين الطرفين. وفي هذا الإطار، أكد الأمين العام للحلف أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي سيساهم في تعزيز مناخ الأمن في المنطقة الأطلسية الأوروبية: «كما سيساعد في تكثيف العمل على استقرار الجوار الذي هو في مصلحتنا».
هذا ومن المتوقع أن تفرض مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نفسها بقوة على مناقشات الزعماء المجتمعين في وارسو، فعلى الرغم من تأكيد ستولتنبرغ أن لندن لا تزال عضوًا فعالاً في ناتو، فإن الحلف يريد الاطمئنان على استقرار حليفه البريطاني واستمراره بالوفاء بالتزاماته.
وزير المشتريات الدفاعية البريطانية فيليب دون قال أمس الجمعة بأن قرار الناخبين البريطانيين تأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزام البلاد بأن تبقى شريكا قويا في حلف شمال الأطلسي.
وقال دون خلال العرض الملكي الدولي للطيران وهو أكبر عرض جوي عسكري في العالم بأن بريطانيا «لن تتقوقع على نفسها». وذكر أن بريطانيا لا تزال الشريك الدولي الأكبر في برنامج شركة لوكهيد مارتن لطائرات إف - 35 المقاتلة إذ تنتج مؤسسات في بريطانيا نحو 15 في المائة من كل طائرة يجري تصنيعها.
وسيعلن كاميرون كذلك عن تمديد مهمة طائرات «تايفون» الحربية الأربع في دول البلطيق في إطار «مهمة شرطة البلطيق الجوية» بعد أن تتولى المملكة المتحدة في 2017 الرئاسة الدورية للقوة المشتركة ذات الجهوزية العالية بين جيوش دول الحلف وهي وحدة قادرة على الانتشار خلال 48 ساعة ويمكن أن يصل عددها إلى خمسة آلاف عنصر.
وقال رئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال ديفيد جولدفين أمس الجمعة بأنه لا يرى أي مؤشرات على أن بريطانيا تتراجع عن التزاماتها في حلف شمال الأطلسي أو عن علاقاتها الدفاعية القوية مع الولايات المتحدة بعد أن وافقت في استفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وقال جولدفين «لم أسمع أحدا يتكلم عن التراجع». وأضاف أن من السابق لأوانه التكهن بشأن تداعيات نتيجة الاستفتاء البريطاني على المدى البعيد.
اتخذ الحلف الأطلسي في 2014 تدابير كبيرة لزيادة قدرته على التدخل وبناء قواعد لوجستية في دول الاتحاد السوفياتي السابقة المجاورة لروسيا.
القمة تكتسب طابعا رمزيا في المدينة التي شهدت في 1955 التوقيع على إنشاء حلف وارسو ردا على الحلف الأطلسي.
وقبل محادثات في العاصمة البولندية وارسو مع كبار مسؤولي الاتحاد
الأوروبي، كتب أوباما في صحيفة «فايننشيال تايمز»: «ليس لدي أي شك أن المملكة المتحدة سوف تظل أحد أكثر أعضاء الناتو جدارة. دولة تدفع حصتها كاملة من أجل أمننا المشترك وهي مساهم مهم في مهمات الحلف».
روسيا حذرت الجمعة من أن نشر درع صاروخية أميركية في كوريا الجنوبية «يضر بالتوازن في المنطقة» وقد تكون له «عواقب لا يمكن إصلاحها». وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان بأن «هذا النظام الدفاعي الصاروخي يضر بالتوازن في المنطقة». وأضافت: «نأمل في أن يتجنب شركاؤنا القيام بتحركات ستكون لها عواقب لا يمكن إصلاحها».
وأضافت الخارجية الروسية أن «مثل هذه التحركات أيا تكن مبرراتها، لها تأثير سلبي على الاستقرار العالمي وتثير خطر تفاقم التوتر وستخلق مشاكل جديدة في شبه الجزيرة الكورية».
كما أعربت الصين هي الأخرى عن «رفضها التام» لقرار سيول وواشنطن نشر درع صاروخية أميركية في كوريا الجنوبية، محذرة من أن تنفيذ هذا المشروع «سيلحق ضررا بالغا» بالأمن الإقليمي.
وقالت وزارة الخارجية الصينية في بيان بأن نشر منظومة «ثاد» المضادة للصواريخ «سيلحق ضررا بالغا بالمصالح الأمنية الاستراتيجية لدول المنطقة بما فيها الصين». وأضافت أن الصين «تعرب عن معارضتها الشديدة ورفضها التام» لهذا المشروع.
وكانت سيول وواشنطن بدأتا في فبراير (شباط) المباحثات بشأن نشر منظومة «ثاد»، وذلك بعد شهر من إجراء كوريا الشمالية تجربتها النووية الرابعة.
وقال البيان الأميركي - الكوري الجنوبي بأنه «عندما تنشر منظومة ثاد في شبه الجزيرة الكورية سيكون تركيزها محصورا فقط بالتهديدات النووية والصاروخية الكورية الشمالية ولن توجه باتجاه أي دولة ثالثة».
وجاء الإعلان عن نشر منظومة الصواريخ الأميركية في أجواء من التوتر الشديد بين الصين والولايات المتحدة بسبب ملف آخر هو الخلاف على بحر الصين الجنوبي الذي يفترض أن تصدر محكمة دولية الثلاثاء قرارا بشأنه.
وتطالب الصين بالسيادة على كل هذا البحر تقريبا على الرغم من معارضة دول أخرى واقعة عليه وخصوصا الفلبين الحليفة العسكرية للولايات المتحدة. ولتأكيد مطالبها، قامت الصين بتوسيع جزر صغيرة بشكل اصطناعي وأقامت عليها مدرجات هبوط للطائرات ومرافئ ومنشآت أخرى. وردا على ذلك نشرت البحرية الأميركية سفنا حربية قرب المكان في الأشهر الأخيرة. وتجوب حاملة الطائرات الأميركية رونالد ريغان حاليا في المنطقة.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.