أحمد قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط» : ليبيا في خطر.. والأسلحة تتدفق رغم الحظر

المسؤول في جبهة النضال الوطني الليبية قال إن عسكريين عربًا وأجانب وآلاف المرتزقة من آسيا وأفريقيا في صفوف الميليشيات

مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
TT

أحمد قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط» : ليبيا في خطر.. والأسلحة تتدفق رغم الحظر

مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم

أكد أحمد قذاف الدم، القيادي البارز في جبهة النضال الوطني الليبية، وأحد أبرز القيادات في نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تطلع غالبية القوى الوطنية الليبية إلى دور سعودي من أجل حل الأزمة المشتعلة في بلاده، منذ مقتل القذافي في انتفاضة مسلحة دعمها حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 2011. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن تدهور الأوضاع في ليبيا بشكل خطير.
وقال قذاف الدم، إن عسكريين عربا وأجانب وآلاف المرتزقة من آسيا وأفريقيا يعملون في صفوف الميليشيات، وإن الأسلحة تتدفق على ليبيا عبر الجو من البحر، والبر، تحت بصر العالم، رغم الحظر الدولي. وتابع قذاف الدم، الذي شغل في السابق منصب المبعوث الخاص للقذافي ومنسق العلاقات المصرية الليبية، قائلا إن المشهد أصبح عبثيا، حيث توجد في طرابلس حكومتان وبرلمان، وفي الشرق حكومة وبرلمان، بالإضافة إلى حكومات غير منظورة مثل «داعش» والميليشيات.
وكشف عن التحاق آلاف العسكريين ممن كانوا في القوات المسلحة الليبية أيام القذافي، بالجيش الوطني الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر. وقال إن هذا ليس دفاعا عن نظام (سابق)، ولكن للحفاظ على الوطن. وتحدث عن لقاءات مع أطراف ليبية في الداخل والخارج، ممن سماهم «خصوم الأمس»، قائلا إنه «توجد حوارات بين قياداتنا وسجانيهم». وعما تردد خلال الأسابيع الأخيرة عن مبايعة قبائل محسوبة على نظام القذافي لتنظيم داعش الذي يتمدد في البلاد، رد قائلا إن هذه الأقاويل «مجرد محاولة لزرع الفتن». وعن علاقته بفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، التي جرى اقتراحها برعاية من الأم المتحدة، أوضح أنه لا يعرف الرجل معرفة شخصية، ولكن بمجرد اعتراف البرلمان الشرعي (في طبرق) بحكومته «سوف ننصاع جميعا له من أجل ليبيا».
* لماذا اختار تنظيم داعش مدينة سرت؟
- تعرف أنه جرى سحق المدينة بصواريخ الـ«ناتو» في 2011. طائرات من الجو وأربعة أساطيل من البحر صبت حممها على سرت. كانت آخر مدينة تسقط في الحرب على ليبيا. وبالتالي، شبابها المقاتلون إما أنهم استشهدوا مع معمر القذافي، أو في السجون، أو في المهجر. وبالتالي، وجدت القوى الظلامية مكانا آمنا لها في سرت. القوى التي جاءت إلى سرت وبايعت (الخليفة المزعوم) أبو بكر البغدادي، هي في الأساس من جاءت في 2011 تحت مظلة الغرب. كانوا يكبِّرون تحت راياته وتحت حماية أساطيله. وبالتالي، من الصعب أن نتحالف مع مثل هؤلاء الناس الذين دمروا بلادنا وهجَّروا شعبنا وساقوا بلادنا نحو هذا الوضع البائس الذي وصلنا إليه.
* يقال كذلك إن من أسباب انتصارات الجيش الوطني، بقيادة حفتر، على المتطرفين في بنغازي ودرنة، انضمام ضباط وجنود ممن يسمونهم أنصار النظام السابق. ما تعليقك؟
- أولا القوات المسلحة الليبية تضم أبناء كل الليبيين. لم تكن حكرا على قبيلة. ومهمة العسكريين الدفاع عن الوطن. كانت القوات المسلحة الليبية من أقوى الجيوش في المنطقة. وأثناء هجوم حلف الـ«ناتو» على ليبيا تعرضت أسلحة القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية للسحق بثلاثين ألف غارة جوية وعشرات الآلاف من الصواريخ الذكية التي صبت حممها على الليبيين. وخلال ثمانية أشهر من عمليات الـ«ناتو» المسلحة، كانت مواجهته شبه مستحيلة. تعلم أن قوات حلف شمال الأطلسي موجهة أساسا للصين وروسيا، وليس لدولة مثل ليبيا. ومع ذلك صمد الليبيون والقوات المسلحة الليبية صمودا أسطوريا، وهو الذي أطال أمد المواجهة إلى ثمانية أشهر، لكن كان من نتيجة ذلك تدمير أسلحة القوات الليبية، واستشهد الآلاف من أبنائها، ثم إنه ما زال لدينا آلاف مؤلفة داخل السجون في ليبيا، من العسكريين والقادة. هؤلاء أسرى حرب كان ينبغي أن يفرج عنهم فور سقوط الدولة، لو كان هناك عدل في هذا العالم. وبهذه المناسبة أناشد أن تتولى الأمم المتحدة هذا الموضوع، لأن هؤلاء كانوا يقاتلون تحت سلطة شرعية، وكان ينبغي وفقا لكل قوانين جنيف للأسرى أن يتم الإفراج عنهم فورا بعد أن سيطرت القوى التي نصبتها صواريخ حلف الأطلسي على ليبيا في 2011.
* نعم.. لكن ما حقيقة انضمام عسكريين ممن كانوا يقاتلون مع القذافي إلى الجيش الوطني بقيادة حفتر؟
- بعد ما حل من خراب وفوضى في ليبيا كانت المحصلة أن العسكريين تنادوا مؤخرا، بعد الدعوة التي وجهها لهم البرلمان والقوات المسلحة، والتحقوا بالجيش الليبي، دفاعا عن الوطن وتحت راية القوات المسلحة. لدينا قرابة 70 ألفا أو 80 ألفا من المقاتلين ما زالوا في تونس وفي مصر وفي داخل ليبيا. والذين التحقوا بالجيش والتحموا به في الشرق والغرب والجنوب لا يعني أنهم جاءوا لكي يدافعوا عن نظام (سابق).. لأن المعركة الواجبة الآن في ليبيا لم تعد صراعا على السلطة ولكن على وطن يضيع. وبالتالي هذه ليست معركة سياسية حتى يصنف هؤلاء مع هذا أو ضد ذاك. نحن اليوم أمام مشهد عبثي. هناك في طرابلس حكومتان... حكومة السيد خليفة الغويل، والحكومة التي جاءت عن طريق البحر (السراج). وأيضا برلمان في طرابلس (المؤتمر الوطني)، وبرلمان في طبرق، وحكومة السيد عبد الله الثني في الشرق. هذه ديمقراطية جديدة. بالإضافة إلى الحكومات غير المنظورة... وهي حكومة «داعش» التي تسيطر على مناطق كثيرة، وتهيمن عليها، بما فيها طرابلس، وحكومة الميليشيات التي تقود من الخلف. وكل ذلك لا يُمثل فيه أنصار ثورة الفاتح (القذافي)، وهم الأغلبية؛ أي القبائل الكبيرة في الشرق وفي الغرب وفي الجنوب. بالتالي، فإن الحديث عن أن تأتي حكومة واحدة بجرة قلم بأمر من الدول الغربية سواء في روما أو غيرها لكي تثبِّت الأوضاع في ليبيا، هذا واضح منه أن الناس لم يدرسوا جيدا الواقع الليبي الحالي ويتعاطون معه بهزل.
* هناك تسريبات عن اجتماعات تعقد بين ممثلين من أنصار النظام السابق، خصوصا من قبيلة القذاذفة، مع قيادات بالعاصمة الليبية، سواء من الموالين للمجلس الرئاسي للسراج، أو من بين أولئك الذين يسيطرون على طرابلس ومصراتة. ما قولك؟
- نحن أنصار ثورة الفاتح (1969)، لا يستطيع أحد تهميشنا. نحن الرقم الصعب في المعادلة الليبية. وعندما نتحاور مع أي طرف لا نتحاور على أساس قبلي ولا نتحاور على أساس مناطقي. الحوار مبدأ أساسي في استراتيجيتنا التي نسعى فيها لإعادة الوطن لأهله، وبالتالي، نعد الحوار معركة، لكنها من دون دماء. وأيضا نرى أن علينا جميعا أن نقدم تنازلات وأن ننحني أمام ليبيا التي تتجه إلى الهاوية ويتساقط أبناؤها بالآلاف، وتسيل الدماء كل صباح، ونهبت ثرواتها وشرد شعبها. وأصبحت مطمعا لكل من هب ودب، وأصبحت تباع تارة في روما وأخرى في فيينا، وتتقاذفها الأمواج.
* تعني أن باب الحوار مفتوح مع الجميع؟
- نحن لا نتردد في الحوار مع كل الأطراف الليبية، ومع الخيِّرين أيا كانت انتماءاتهم، طالما كان هدفهم الوطن. وكما أقول دائما: الصراع بين سبتمبر (أيلول) (أنصار القذافي) وفبراير (شباط) (خصوم القذافي) لم يعد له وجود على الأرض. هدفنا أن نوحد رؤى الليبيين تحت راية بيضاء تمثل الجميع لحقن الدماء. نريد أن نعيد صناعة وطن جديد وحراك جديد لا علاقة له بالماضي ولا بهذا الواقع البائس.
* في هذا الإطار.. هل أجريتم أي حوارات أو أي مبادرات أو أي لقاءات فعلية؟
- الحوار الحقيقي هو الحوار غير المعلن. الحوار الحقيقي هو الذي يجري بين الليبيين، والليبيون سواء داخل الوطن أو خارجه. نحن، وخصومنا بالأمس، نلتقي. وقد ذهبت مجموعة من القيادات في المهجر ممن كانت ممنوعة في السابق من دخول ليبيا... ذهبت إلى ليبيا، وحتى في داخل السجون توجد حوارات بين قياداتنا وسجانيهم. ولا أذيع سرا إذا قلت ذلك. نحن نبحث الآن عن وطن وليس صراعا على السلطة. أما إذا فتحنا الأمور للمحاسبة، فلا ندري مَن سيحاكم مَن بعد ما تعرضت له البلاد منذ 2011 من نهب وسرقة وقتل واستباحة.
* هل نقول إنه أصبح يوجد توجه جديد؟
- ما يمكن أن أقوله إنه من أجل ليبيا ومن أجل الأجيال القادمة، نحن نقدم التنازلات وننحني أمام الوطن لإنقاذه، وبالتالي نُسقط كل خلافتنا حتى لا تذهب ليبيا إلى سيناريو الصومال أو تقع تحت قبضة الدول الاستعمارية.
* دول كثيرة تسعى، كما ظهر في مؤتمر فيينا حول ليبيا، لإصدار قرار برفع حظر توريد السلاح إلى ليبيا. من يمكن أن يستفيد من هذا. الجيش أم الميليشيات؟
- هذا القرار مجرد محاولة لذر الرماد في العيون. التسليح في ليبيا مستمر ومتواصل. الأسلحة تتدفق على ليبيا في جرافات (مراكب)، وبالطيران وغيرها، على مرأى ومسمع من العالم، رغم الحظر الدولي. وحتى مساء أول من أمس (قبل يومين) كانت هناك طائرات مجهولة تأتي لتسقط أسلحة في منطقة اسمها النقازة... الطيران يأتي ليلا إلى ليبيا ليُسقط أسلحة ومعدات، مع أن ليبيا محاصرة بأساطيل الغرب. وإلى سرت تأتي قوارب وسفن تُنزل أسلحة ومقاتلين. هذا حتى الأسبوع الماضي وبعد اجتماع فيينا نفسه. هل العالم لا يستطيع أن يدرك هذه الطائرات التي تأتي ولا يستطيع أن يراقبها أو أن يرصد من أين أتت. هم يدركون ما يجري في ليبيا. وما قد يترتب على أي مواجهات غدا قد تستخدم فيها أسلحة محرمة من جانب «الدواعش». هذا شيء خطير. وما حدث للأسف في فيينا مسرحية هزلية، نوقش فيها كل الملفات إلا الملف الليبي الذي ظل مغلقا وعاد إلى طرابلس كما ذهب، وللأسف استخدمت فيه قيادات، من بينها السيد السراج وآخرون، ديكورا في هذا المحفل الدولي، لأن الدول دافعت عن أطماعها في ليبيا وعن مصالحها، ولم تدافع عن المواطن الليبي المسحوق، ولا عن هؤلاء الذين يُذبحون في كل صباح، ولم تتخذ أي قرار جدي حقيقي للحوار مع القوى الحقيقية على الأرض. بالنسبة لفايز السراج... نحن لا نختلف على أسماء. قد يكون رجلا فاضلا. أنا لا أعرفه شخصيا، ولا أطعن فيمن معه في الحكومة، ولكن لا بد أن يحوزوا على ثقة البرلمان. عندما يعترف البرلمان بهؤلاء فإننا سوف ننصاع جميعا لهذه الحكومة من أجل ليبيا، ومن أجل أن تستقر، ومن أجل حقن دماء الليبيين.
* وما تفسيرك لما تصفه بعدم جدية الغرب في معاجلة الأزمة الليبية؟ مع ملاحظة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أقر مؤخرا بأن ما حدث في ليبيا في 2011 كان خطأ؟
- مثل هذه التصرفات تجعلني أتساءل عما إذا كانت الدول الغربية تجهل الوضع في ليبيا إلى هذا الحد، أم هم يتعمدون وصول ليبيا إلى نقطة الصفر، حتى تأتي لحظة نستجدي الغرب لكي يأتي لإنقاذنا ونصبح مستعمَرين من جديد. لقد أرسلت كتابا إلى الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الخصوص، ودعوت فيه للتحقيق فيما قاله الرئيس أوباما من أن أكبر أخطائه كان إسقاط النظام في ليبيا. وأقرَّ كثير من المسؤولين الغربيين بهذا الأمر أيضا. هذا اعتراف من أكبر رئيس دولة في العالم بأنهم من أسقطوا النظام في ليبيا، ولهذا نطالب باسم الليبيين الذين هم جميعا ضحايا، نحن وخصومنا، باعتذار رسمي من الولايات المتحدة ومن رئيسها، وأطالب الأمم المتحدة بالتحقيق فيما حدث في ليبيا. إذا ارتكبت خطأ لا بد أن تعتذر عنه. وطالما نتج عن هذه الأخطاء كل هذا النهب، والقتل بالآلاف، والفوضى، والسجون، فنحن - الليبيين - نطالب بالتحقيق في من هو المسؤول عن هذه الجريمة، خصوصا في ضوء اعترافات كثيرة، بدأت كذلك من جانب بعض الليبيين الشرفاء، بأنهم أخطأوا في حق ليبيا، وأنهم كانوا على علاقة بمخابرات أجنبية ودول أجنبية. على الليبيين أن يدركوا أن ما حدث جزء من مخطط كبير على المنطقة كلها. ونحن ضحاياه.
* هناك أمور غير مفهومة. مثلا... هل يوجد في تركيبة ميليشيات طرابلس ومصراتة ضباط سابقون سواء من الجيش أو من الشرطة؟
- يؤسفني أن أقول إن العسكريين الذين هم داخل مثل هذه الميليشيات معظمهم أجانب. من دول عربية ومن تركيا، يقدمون الدعم في غرف العمليات لهذه الميليشيات. قلة من العسكريين الليبيين انساقوا في 2011 وراء (الأحداث)، ومنهم من خرج عن الحياد، ومنهم من قاتل (مع القذافي) حتى النهاية، ومنهم من استشهد، ومنهم من ينتظر. لا يوجد عسكريون ليبيون في تلك الميليشيات إلا بعض المتقاعدين أو بعضا ممن شاركوا في مؤامرات في السابق وأدينوا، وهم ليسوا عسكريين محترفين؛ أي أنهم تركوا الخدمة العسكرية منذ سنوات. كما أنهم لم يكونوا مدربين على مواجهة مثل هذه الأحداث الموجودة في ليبيا الآن، أو أن يسيطروا على مثل هذه الأوضاع. وأكرر بهذه المناسبة، أن هؤلاء الذين يسيطرون على طرابلس اليوم، أو على بعض المناطق، يسيطرون عليها بواسطة آلاف المرتزقة الذين جاءوا بهم إلى ليبيا، ويتدفقون عليها كل يوم، من إندونيسيا وماليزيا ومن نيجيريا ومن مالي ومن تشاد، وللأسف من مصر، ومن الجزائر، ومن تونس، بمقابل مادي. إذا كان (أصحاب تلك الميليشيات) غير قادرين على السيطرة على ليبيا وعلى طرابلس، بأنفسهم، فهذا دليل فشل، وعلى أن ما حدث في 2011 ليس ثورة، وأن هؤلاء ليسوا هم الذين أسقطوا النظام. هم أضعف من أن يواجهوا الواقع الحالي، خصوصا بعدما ظهرت الشمس وسقط القناع وشاهد الليبيون بأعينهم حجم الدمار الذي وصلوا إليه.
* هل ترى إمكانية قريبة للحل السياسي؟
- في الحقيقة كل ما يجري غير شرعي لأنه بني على باطل. كل هذا الوهم الذي يصورونه لليبيين حقيقة، لا أساس له. الذين يظهرون على هذه الواجهات الهشة الآن لا يعبِّرون عن الليبيين، ولا عما يجري في ليبيا. وبالتالي، لا يستطيعون النجاح في أي حلول. هذا الوهن الذي نعيشه ناتج عن ضعف هذه القيادات؛ ليس لديها خبرة، وليس لديها وعي بما يجري حولها، وليست قادرة على إدارة دولة في وضع استثنائي. وبالتالي، سنظل ندور في حلقة مفرغة.
* لكن كثيرا من دول العالم تعلن عن تأييدها لكثير من القيادات الجديدة؟
- نعم... العالم يتعمد التعاطي مع هذه الواجهات، وهو يعرف، وأنا واثق من هذا، أن هذه الواجهات لا تستطيع أن تخرج ليبيا مما هي فيه، ويتجاهل كثيرا من القيادات الفعلية، والقوى الحية، والقبائل، والعسكريين القادرين على حسم الأمر في خلال أسابيع، لأن الروح الإيجابية موجودة في كل المدن. نحن – الليبيين - من مختلف التوجهات نلتقي معا في القاهرة وفي تونس وفي داخل الوطن على المستويات كافة. لم يعد بين الليبيين أي مشكلات. بالعكس جمَّعتنا الآلام ونريد أن نخرج من هذا الواقع بأي ثمن. العرقلة تأتي من هذه الدول التي تدعي أنها ترعى ليبيا، بينما هي تريد أن ترعى مصالحها، وتريد دمى لتحركها، وتريد قيادات تصدر لها أوامر. هذا غير مقبول. وأنا أدين هنا قرارات صدرت من بعض الدول بإلحاق عقوبات على رئيس البرلمان (المستشار عقيلة صالح). هذا غير مقبول وغير شرعي وغير أخلاقي. الذي ينزل العقوبات هو مجلس الأمن، وليس الدول. هذا نوع من التهديد والترهيب يتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية التي يدَّعونها. هذه اللغة الاستعمارية، مشروع فاشل. ولا تؤدي إلى نتيجة. وبهذه المناسبة أحيي موقف المملكة العربية السعودية التي تسعى لرعاية حوار بين الليبيين، أي مؤتمر «طائف ليبي»، بين كل الليبيين. فالسعودية ليس لها أي أطماع سياسية أو اقتصادية أو غيرها في ليبيا. وفي الوقت الحالي يوجد تواصل بين كثير من الأطراف الليبية والقوى السياسية من أجل الوصول إلى مؤتمر بوساطة سعودية. هناك روح إيجابية في هذا الاتجاه، ونحن نبارك مثل هذا المؤتمر الذي يجد ترحيبا من كل الأطراف الليبية.



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.