أحمد قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط» : ليبيا في خطر.. والأسلحة تتدفق رغم الحظر

المسؤول في جبهة النضال الوطني الليبية قال إن عسكريين عربًا وأجانب وآلاف المرتزقة من آسيا وأفريقيا في صفوف الميليشيات

مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
TT

أحمد قذاف الدم لـ «الشرق الأوسط» : ليبيا في خطر.. والأسلحة تتدفق رغم الحظر

مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم
مبان مدمرة بسبب الاشتباكات بين الفصائل الليبية (رويترز) ويبدو في الإطار أحمد قذاف الدم

أكد أحمد قذاف الدم، القيادي البارز في جبهة النضال الوطني الليبية، وأحد أبرز القيادات في نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تطلع غالبية القوى الوطنية الليبية إلى دور سعودي من أجل حل الأزمة المشتعلة في بلاده، منذ مقتل القذافي في انتفاضة مسلحة دعمها حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 2011. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن تدهور الأوضاع في ليبيا بشكل خطير.
وقال قذاف الدم، إن عسكريين عربا وأجانب وآلاف المرتزقة من آسيا وأفريقيا يعملون في صفوف الميليشيات، وإن الأسلحة تتدفق على ليبيا عبر الجو من البحر، والبر، تحت بصر العالم، رغم الحظر الدولي. وتابع قذاف الدم، الذي شغل في السابق منصب المبعوث الخاص للقذافي ومنسق العلاقات المصرية الليبية، قائلا إن المشهد أصبح عبثيا، حيث توجد في طرابلس حكومتان وبرلمان، وفي الشرق حكومة وبرلمان، بالإضافة إلى حكومات غير منظورة مثل «داعش» والميليشيات.
وكشف عن التحاق آلاف العسكريين ممن كانوا في القوات المسلحة الليبية أيام القذافي، بالجيش الوطني الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر. وقال إن هذا ليس دفاعا عن نظام (سابق)، ولكن للحفاظ على الوطن. وتحدث عن لقاءات مع أطراف ليبية في الداخل والخارج، ممن سماهم «خصوم الأمس»، قائلا إنه «توجد حوارات بين قياداتنا وسجانيهم». وعما تردد خلال الأسابيع الأخيرة عن مبايعة قبائل محسوبة على نظام القذافي لتنظيم داعش الذي يتمدد في البلاد، رد قائلا إن هذه الأقاويل «مجرد محاولة لزرع الفتن». وعن علاقته بفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، التي جرى اقتراحها برعاية من الأم المتحدة، أوضح أنه لا يعرف الرجل معرفة شخصية، ولكن بمجرد اعتراف البرلمان الشرعي (في طبرق) بحكومته «سوف ننصاع جميعا له من أجل ليبيا».
* لماذا اختار تنظيم داعش مدينة سرت؟
- تعرف أنه جرى سحق المدينة بصواريخ الـ«ناتو» في 2011. طائرات من الجو وأربعة أساطيل من البحر صبت حممها على سرت. كانت آخر مدينة تسقط في الحرب على ليبيا. وبالتالي، شبابها المقاتلون إما أنهم استشهدوا مع معمر القذافي، أو في السجون، أو في المهجر. وبالتالي، وجدت القوى الظلامية مكانا آمنا لها في سرت. القوى التي جاءت إلى سرت وبايعت (الخليفة المزعوم) أبو بكر البغدادي، هي في الأساس من جاءت في 2011 تحت مظلة الغرب. كانوا يكبِّرون تحت راياته وتحت حماية أساطيله. وبالتالي، من الصعب أن نتحالف مع مثل هؤلاء الناس الذين دمروا بلادنا وهجَّروا شعبنا وساقوا بلادنا نحو هذا الوضع البائس الذي وصلنا إليه.
* يقال كذلك إن من أسباب انتصارات الجيش الوطني، بقيادة حفتر، على المتطرفين في بنغازي ودرنة، انضمام ضباط وجنود ممن يسمونهم أنصار النظام السابق. ما تعليقك؟
- أولا القوات المسلحة الليبية تضم أبناء كل الليبيين. لم تكن حكرا على قبيلة. ومهمة العسكريين الدفاع عن الوطن. كانت القوات المسلحة الليبية من أقوى الجيوش في المنطقة. وأثناء هجوم حلف الـ«ناتو» على ليبيا تعرضت أسلحة القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية للسحق بثلاثين ألف غارة جوية وعشرات الآلاف من الصواريخ الذكية التي صبت حممها على الليبيين. وخلال ثمانية أشهر من عمليات الـ«ناتو» المسلحة، كانت مواجهته شبه مستحيلة. تعلم أن قوات حلف شمال الأطلسي موجهة أساسا للصين وروسيا، وليس لدولة مثل ليبيا. ومع ذلك صمد الليبيون والقوات المسلحة الليبية صمودا أسطوريا، وهو الذي أطال أمد المواجهة إلى ثمانية أشهر، لكن كان من نتيجة ذلك تدمير أسلحة القوات الليبية، واستشهد الآلاف من أبنائها، ثم إنه ما زال لدينا آلاف مؤلفة داخل السجون في ليبيا، من العسكريين والقادة. هؤلاء أسرى حرب كان ينبغي أن يفرج عنهم فور سقوط الدولة، لو كان هناك عدل في هذا العالم. وبهذه المناسبة أناشد أن تتولى الأمم المتحدة هذا الموضوع، لأن هؤلاء كانوا يقاتلون تحت سلطة شرعية، وكان ينبغي وفقا لكل قوانين جنيف للأسرى أن يتم الإفراج عنهم فورا بعد أن سيطرت القوى التي نصبتها صواريخ حلف الأطلسي على ليبيا في 2011.
* نعم.. لكن ما حقيقة انضمام عسكريين ممن كانوا يقاتلون مع القذافي إلى الجيش الوطني بقيادة حفتر؟
- بعد ما حل من خراب وفوضى في ليبيا كانت المحصلة أن العسكريين تنادوا مؤخرا، بعد الدعوة التي وجهها لهم البرلمان والقوات المسلحة، والتحقوا بالجيش الليبي، دفاعا عن الوطن وتحت راية القوات المسلحة. لدينا قرابة 70 ألفا أو 80 ألفا من المقاتلين ما زالوا في تونس وفي مصر وفي داخل ليبيا. والذين التحقوا بالجيش والتحموا به في الشرق والغرب والجنوب لا يعني أنهم جاءوا لكي يدافعوا عن نظام (سابق).. لأن المعركة الواجبة الآن في ليبيا لم تعد صراعا على السلطة ولكن على وطن يضيع. وبالتالي هذه ليست معركة سياسية حتى يصنف هؤلاء مع هذا أو ضد ذاك. نحن اليوم أمام مشهد عبثي. هناك في طرابلس حكومتان... حكومة السيد خليفة الغويل، والحكومة التي جاءت عن طريق البحر (السراج). وأيضا برلمان في طرابلس (المؤتمر الوطني)، وبرلمان في طبرق، وحكومة السيد عبد الله الثني في الشرق. هذه ديمقراطية جديدة. بالإضافة إلى الحكومات غير المنظورة... وهي حكومة «داعش» التي تسيطر على مناطق كثيرة، وتهيمن عليها، بما فيها طرابلس، وحكومة الميليشيات التي تقود من الخلف. وكل ذلك لا يُمثل فيه أنصار ثورة الفاتح (القذافي)، وهم الأغلبية؛ أي القبائل الكبيرة في الشرق وفي الغرب وفي الجنوب. بالتالي، فإن الحديث عن أن تأتي حكومة واحدة بجرة قلم بأمر من الدول الغربية سواء في روما أو غيرها لكي تثبِّت الأوضاع في ليبيا، هذا واضح منه أن الناس لم يدرسوا جيدا الواقع الليبي الحالي ويتعاطون معه بهزل.
* هناك تسريبات عن اجتماعات تعقد بين ممثلين من أنصار النظام السابق، خصوصا من قبيلة القذاذفة، مع قيادات بالعاصمة الليبية، سواء من الموالين للمجلس الرئاسي للسراج، أو من بين أولئك الذين يسيطرون على طرابلس ومصراتة. ما قولك؟
- نحن أنصار ثورة الفاتح (1969)، لا يستطيع أحد تهميشنا. نحن الرقم الصعب في المعادلة الليبية. وعندما نتحاور مع أي طرف لا نتحاور على أساس قبلي ولا نتحاور على أساس مناطقي. الحوار مبدأ أساسي في استراتيجيتنا التي نسعى فيها لإعادة الوطن لأهله، وبالتالي، نعد الحوار معركة، لكنها من دون دماء. وأيضا نرى أن علينا جميعا أن نقدم تنازلات وأن ننحني أمام ليبيا التي تتجه إلى الهاوية ويتساقط أبناؤها بالآلاف، وتسيل الدماء كل صباح، ونهبت ثرواتها وشرد شعبها. وأصبحت مطمعا لكل من هب ودب، وأصبحت تباع تارة في روما وأخرى في فيينا، وتتقاذفها الأمواج.
* تعني أن باب الحوار مفتوح مع الجميع؟
- نحن لا نتردد في الحوار مع كل الأطراف الليبية، ومع الخيِّرين أيا كانت انتماءاتهم، طالما كان هدفهم الوطن. وكما أقول دائما: الصراع بين سبتمبر (أيلول) (أنصار القذافي) وفبراير (شباط) (خصوم القذافي) لم يعد له وجود على الأرض. هدفنا أن نوحد رؤى الليبيين تحت راية بيضاء تمثل الجميع لحقن الدماء. نريد أن نعيد صناعة وطن جديد وحراك جديد لا علاقة له بالماضي ولا بهذا الواقع البائس.
* في هذا الإطار.. هل أجريتم أي حوارات أو أي مبادرات أو أي لقاءات فعلية؟
- الحوار الحقيقي هو الحوار غير المعلن. الحوار الحقيقي هو الذي يجري بين الليبيين، والليبيون سواء داخل الوطن أو خارجه. نحن، وخصومنا بالأمس، نلتقي. وقد ذهبت مجموعة من القيادات في المهجر ممن كانت ممنوعة في السابق من دخول ليبيا... ذهبت إلى ليبيا، وحتى في داخل السجون توجد حوارات بين قياداتنا وسجانيهم. ولا أذيع سرا إذا قلت ذلك. نحن نبحث الآن عن وطن وليس صراعا على السلطة. أما إذا فتحنا الأمور للمحاسبة، فلا ندري مَن سيحاكم مَن بعد ما تعرضت له البلاد منذ 2011 من نهب وسرقة وقتل واستباحة.
* هل نقول إنه أصبح يوجد توجه جديد؟
- ما يمكن أن أقوله إنه من أجل ليبيا ومن أجل الأجيال القادمة، نحن نقدم التنازلات وننحني أمام الوطن لإنقاذه، وبالتالي نُسقط كل خلافتنا حتى لا تذهب ليبيا إلى سيناريو الصومال أو تقع تحت قبضة الدول الاستعمارية.
* دول كثيرة تسعى، كما ظهر في مؤتمر فيينا حول ليبيا، لإصدار قرار برفع حظر توريد السلاح إلى ليبيا. من يمكن أن يستفيد من هذا. الجيش أم الميليشيات؟
- هذا القرار مجرد محاولة لذر الرماد في العيون. التسليح في ليبيا مستمر ومتواصل. الأسلحة تتدفق على ليبيا في جرافات (مراكب)، وبالطيران وغيرها، على مرأى ومسمع من العالم، رغم الحظر الدولي. وحتى مساء أول من أمس (قبل يومين) كانت هناك طائرات مجهولة تأتي لتسقط أسلحة في منطقة اسمها النقازة... الطيران يأتي ليلا إلى ليبيا ليُسقط أسلحة ومعدات، مع أن ليبيا محاصرة بأساطيل الغرب. وإلى سرت تأتي قوارب وسفن تُنزل أسلحة ومقاتلين. هذا حتى الأسبوع الماضي وبعد اجتماع فيينا نفسه. هل العالم لا يستطيع أن يدرك هذه الطائرات التي تأتي ولا يستطيع أن يراقبها أو أن يرصد من أين أتت. هم يدركون ما يجري في ليبيا. وما قد يترتب على أي مواجهات غدا قد تستخدم فيها أسلحة محرمة من جانب «الدواعش». هذا شيء خطير. وما حدث للأسف في فيينا مسرحية هزلية، نوقش فيها كل الملفات إلا الملف الليبي الذي ظل مغلقا وعاد إلى طرابلس كما ذهب، وللأسف استخدمت فيه قيادات، من بينها السيد السراج وآخرون، ديكورا في هذا المحفل الدولي، لأن الدول دافعت عن أطماعها في ليبيا وعن مصالحها، ولم تدافع عن المواطن الليبي المسحوق، ولا عن هؤلاء الذين يُذبحون في كل صباح، ولم تتخذ أي قرار جدي حقيقي للحوار مع القوى الحقيقية على الأرض. بالنسبة لفايز السراج... نحن لا نختلف على أسماء. قد يكون رجلا فاضلا. أنا لا أعرفه شخصيا، ولا أطعن فيمن معه في الحكومة، ولكن لا بد أن يحوزوا على ثقة البرلمان. عندما يعترف البرلمان بهؤلاء فإننا سوف ننصاع جميعا لهذه الحكومة من أجل ليبيا، ومن أجل أن تستقر، ومن أجل حقن دماء الليبيين.
* وما تفسيرك لما تصفه بعدم جدية الغرب في معاجلة الأزمة الليبية؟ مع ملاحظة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أقر مؤخرا بأن ما حدث في ليبيا في 2011 كان خطأ؟
- مثل هذه التصرفات تجعلني أتساءل عما إذا كانت الدول الغربية تجهل الوضع في ليبيا إلى هذا الحد، أم هم يتعمدون وصول ليبيا إلى نقطة الصفر، حتى تأتي لحظة نستجدي الغرب لكي يأتي لإنقاذنا ونصبح مستعمَرين من جديد. لقد أرسلت كتابا إلى الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الخصوص، ودعوت فيه للتحقيق فيما قاله الرئيس أوباما من أن أكبر أخطائه كان إسقاط النظام في ليبيا. وأقرَّ كثير من المسؤولين الغربيين بهذا الأمر أيضا. هذا اعتراف من أكبر رئيس دولة في العالم بأنهم من أسقطوا النظام في ليبيا، ولهذا نطالب باسم الليبيين الذين هم جميعا ضحايا، نحن وخصومنا، باعتذار رسمي من الولايات المتحدة ومن رئيسها، وأطالب الأمم المتحدة بالتحقيق فيما حدث في ليبيا. إذا ارتكبت خطأ لا بد أن تعتذر عنه. وطالما نتج عن هذه الأخطاء كل هذا النهب، والقتل بالآلاف، والفوضى، والسجون، فنحن - الليبيين - نطالب بالتحقيق في من هو المسؤول عن هذه الجريمة، خصوصا في ضوء اعترافات كثيرة، بدأت كذلك من جانب بعض الليبيين الشرفاء، بأنهم أخطأوا في حق ليبيا، وأنهم كانوا على علاقة بمخابرات أجنبية ودول أجنبية. على الليبيين أن يدركوا أن ما حدث جزء من مخطط كبير على المنطقة كلها. ونحن ضحاياه.
* هناك أمور غير مفهومة. مثلا... هل يوجد في تركيبة ميليشيات طرابلس ومصراتة ضباط سابقون سواء من الجيش أو من الشرطة؟
- يؤسفني أن أقول إن العسكريين الذين هم داخل مثل هذه الميليشيات معظمهم أجانب. من دول عربية ومن تركيا، يقدمون الدعم في غرف العمليات لهذه الميليشيات. قلة من العسكريين الليبيين انساقوا في 2011 وراء (الأحداث)، ومنهم من خرج عن الحياد، ومنهم من قاتل (مع القذافي) حتى النهاية، ومنهم من استشهد، ومنهم من ينتظر. لا يوجد عسكريون ليبيون في تلك الميليشيات إلا بعض المتقاعدين أو بعضا ممن شاركوا في مؤامرات في السابق وأدينوا، وهم ليسوا عسكريين محترفين؛ أي أنهم تركوا الخدمة العسكرية منذ سنوات. كما أنهم لم يكونوا مدربين على مواجهة مثل هذه الأحداث الموجودة في ليبيا الآن، أو أن يسيطروا على مثل هذه الأوضاع. وأكرر بهذه المناسبة، أن هؤلاء الذين يسيطرون على طرابلس اليوم، أو على بعض المناطق، يسيطرون عليها بواسطة آلاف المرتزقة الذين جاءوا بهم إلى ليبيا، ويتدفقون عليها كل يوم، من إندونيسيا وماليزيا ومن نيجيريا ومن مالي ومن تشاد، وللأسف من مصر، ومن الجزائر، ومن تونس، بمقابل مادي. إذا كان (أصحاب تلك الميليشيات) غير قادرين على السيطرة على ليبيا وعلى طرابلس، بأنفسهم، فهذا دليل فشل، وعلى أن ما حدث في 2011 ليس ثورة، وأن هؤلاء ليسوا هم الذين أسقطوا النظام. هم أضعف من أن يواجهوا الواقع الحالي، خصوصا بعدما ظهرت الشمس وسقط القناع وشاهد الليبيون بأعينهم حجم الدمار الذي وصلوا إليه.
* هل ترى إمكانية قريبة للحل السياسي؟
- في الحقيقة كل ما يجري غير شرعي لأنه بني على باطل. كل هذا الوهم الذي يصورونه لليبيين حقيقة، لا أساس له. الذين يظهرون على هذه الواجهات الهشة الآن لا يعبِّرون عن الليبيين، ولا عما يجري في ليبيا. وبالتالي، لا يستطيعون النجاح في أي حلول. هذا الوهن الذي نعيشه ناتج عن ضعف هذه القيادات؛ ليس لديها خبرة، وليس لديها وعي بما يجري حولها، وليست قادرة على إدارة دولة في وضع استثنائي. وبالتالي، سنظل ندور في حلقة مفرغة.
* لكن كثيرا من دول العالم تعلن عن تأييدها لكثير من القيادات الجديدة؟
- نعم... العالم يتعمد التعاطي مع هذه الواجهات، وهو يعرف، وأنا واثق من هذا، أن هذه الواجهات لا تستطيع أن تخرج ليبيا مما هي فيه، ويتجاهل كثيرا من القيادات الفعلية، والقوى الحية، والقبائل، والعسكريين القادرين على حسم الأمر في خلال أسابيع، لأن الروح الإيجابية موجودة في كل المدن. نحن – الليبيين - من مختلف التوجهات نلتقي معا في القاهرة وفي تونس وفي داخل الوطن على المستويات كافة. لم يعد بين الليبيين أي مشكلات. بالعكس جمَّعتنا الآلام ونريد أن نخرج من هذا الواقع بأي ثمن. العرقلة تأتي من هذه الدول التي تدعي أنها ترعى ليبيا، بينما هي تريد أن ترعى مصالحها، وتريد دمى لتحركها، وتريد قيادات تصدر لها أوامر. هذا غير مقبول. وأنا أدين هنا قرارات صدرت من بعض الدول بإلحاق عقوبات على رئيس البرلمان (المستشار عقيلة صالح). هذا غير مقبول وغير شرعي وغير أخلاقي. الذي ينزل العقوبات هو مجلس الأمن، وليس الدول. هذا نوع من التهديد والترهيب يتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية التي يدَّعونها. هذه اللغة الاستعمارية، مشروع فاشل. ولا تؤدي إلى نتيجة. وبهذه المناسبة أحيي موقف المملكة العربية السعودية التي تسعى لرعاية حوار بين الليبيين، أي مؤتمر «طائف ليبي»، بين كل الليبيين. فالسعودية ليس لها أي أطماع سياسية أو اقتصادية أو غيرها في ليبيا. وفي الوقت الحالي يوجد تواصل بين كثير من الأطراف الليبية والقوى السياسية من أجل الوصول إلى مؤتمر بوساطة سعودية. هناك روح إيجابية في هذا الاتجاه، ونحن نبارك مثل هذا المؤتمر الذي يجد ترحيبا من كل الأطراف الليبية.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».