افتتاح مفاوضات الكويت برعاية أممية.. ودعوة إلى تغليب الحكمة لإنهاء الصراع

وزير الخارجية الكويتي: المشاورات فرصة تاريخية لا بد من استثمارها * ولد الشيخ: سننطلق من النقاط الخمس في «2216»

صورة نشرتها وكالة الأنباء الكويتية {كونا} لجلسة انطلاق المفاوضات بين الحكومة اليمنية والمتمردين التي احتضنتها الكويت أمس
صورة نشرتها وكالة الأنباء الكويتية {كونا} لجلسة انطلاق المفاوضات بين الحكومة اليمنية والمتمردين التي احتضنتها الكويت أمس
TT

افتتاح مفاوضات الكويت برعاية أممية.. ودعوة إلى تغليب الحكمة لإنهاء الصراع

صورة نشرتها وكالة الأنباء الكويتية {كونا} لجلسة انطلاق المفاوضات بين الحكومة اليمنية والمتمردين التي احتضنتها الكويت أمس
صورة نشرتها وكالة الأنباء الكويتية {كونا} لجلسة انطلاق المفاوضات بين الحكومة اليمنية والمتمردين التي احتضنتها الكويت أمس

وسط أجواء مشحونة انطلقت المفاوضات بين الحكومة اليمنية والمتمردين (الحوثي – صالح)، في دولة الكويت، بعد تأخير دام قرابة 4 أيام؛ جراء عدم وصول وفد المتمردين، طوال الأيام الماضية، قبل أن يتعرضوا لضغط أممي، وبعد أن كان مقررا أن تنطلق المفاوضات الاثنين الماضي.
وجاء انطلاق المفاوضات، مساء أمس، بعد وصول وفد المتمردين إلى الكويت قادما من العاصمة العمانية مسقط، التي وصل إليها من صنعاء.
وفي الجلسة الافتتاحية أكد الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، أن هذه المشاورات التي ترعاه الأمم المتحدة ممثلة في مبعوثها إسماعيل ولد الشيخ، بشأن المسألة اليمنية، تشكل الفرصة التاريخية السانحة، الذي يعوِّل عليها في قيادة وإرساء الحكمة اليمنية إلى برِّ الأمان، من خلال إنهاء الصراع الدائر لحقن الدماء أبناء البلد الواحد.
ودعا الصباح وفدي «الشرعية» و«الحوثيين» المفاوضين في الكويت برعاية الأمم المتحدة، إلى وضع معاناة ودماء الشعب اليمني نصب أعينهما، منوها بضرورة إدراك أن الحرب لا تؤدي إلا إلى المزيد من الدمار والخراب والخسائر والتشريد، وسيدفع اليمن الجزء الأكبر من تكاليفها، تأخرا في تنميته ودمارا في بنيته وهلاكا لشعبه.
وقال النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي في كلمة له وجهها في الجلسة الافتتاحية للحوار بين «الشرعية» والحوثيين»: «إن أبناء جلدتكم وأشقاءكم يتطلعون بكل الرجاء لمساهمتكم الإيجابية في دولة المشاورات السياسية، وصولا في وضع الصيغة التي تقود إلى حل شامل ودائم ينقذ وطنكم ويصون أمن واستقرار المنطقة».
وأضاف: «إن الكويت الذي وقفت إلى جانب أشقائه في اليمن منذ عقود ترحب اليوم برعايتها في جهودكم المباركة الهادفة إلى وضع نهاية للصراع الدائم متطلعين بكل أمل إلى نجاح مشاوراتكم وصولا إلى السلام الذي يعيد الأمن والاستقرار إلى اليمن ويحافظ على وحدة ترابه».
وشدد على ضرورة الانطلاق إلى مرحلة جديدة بالتعاون مع الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي، وفقا لما نص عليه قرار المجلس الأعلى في دورته 36، بالدعوة لإقامة مؤتمر دولي لإعادة إعمار اليمن، بالتعاون مع المجتمع الدولي لنعمل من خلالها على تلبية الاحتياجات الإنسانية اللازمة لإعادة البناء والأعمار من خلال الدعم الذي تتعاون في تقديمه لهم بالتعاون مع المجتمع الدولي، وصولا إلى التمكن من تحويل الحرب إلى سلام، والدمار إلى أعمار، والتخلف إلى تنمية.
وقال المسؤول الكويتي: «نحن ندرك جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقكم لمعالجة هذا الصراع المدمر، ونحن على يقين حرصكم على وطنكم سيعيد بإذن الله في المساهمة الفاعلة والتسامي فوق الجراح إلى الحل المنشود، فالمسؤولية الجسيمة سيسجلها التاريخ، وسيذكرها أبناؤكم». فيما قال، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، المبعوث الأممي لليمن، في كلمة له، إن المشاورات اليمنية، يعول عليها الكثير وأنتم من يرسم معالمها، بل تكن هذه المرحلة هي مرحلة السلم والأمان واحترام حقوق الإنسان، وإن خيار اليوم هو خيار واحد من اثنين، لا ثالث لهما، وطن آمن يضمن الاستقرار والحقوق لأبنائه، أو لا قدر الله بقايا أرض يموت أبناؤها كل يوم.
وأوضح ولد الشيخ، أن الوضع الإنساني في اليمن، لا يحتمل الانتظار، فالأرقام تؤكد خلال عام واحد، سقوط ما يقارب 7 آلاف قتيل، و35 ألف جريح؛ الأمر الذي اضطر إلى مغادرة ثلاثة ملايين يمني للبحث عن ملجأ آمن، مشيرًا إلى أن اليمن يخوض حروبا على جبهات مختلفة، يدفع ثمنها باهظا من أمنه واستقراره ودماء أبنائه، وأن العمليات الإرهابية طبعت يوميات اليمنيين في معظم أنحاء البلاد، بيد أنه لا يسعنا في هذا الصدد أن نشيد بالنجاحات التي تحققها السلطات اليمنية في مكافحة الإرهاب.
وأضاف: «كما بدأ العمل في وقف العمليات الانتقالية في منتصف ليل العاشر من الشهر الحالي، وعلى الرغم من الخروقات المقلقة في بعض المناطق، تفيد التقارير أن ثمة تحسنا ملحوظا على الصعيد الأمني، ولابد من الإشادة بالعمل من لجنة التنسيق والتهدئة واللجان المحلية».
وأكد المبعوث الأممي لليمن أنه من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والتغير الماضي، ولكن بإمكان النظر إلى المستقبل وتحسين الواقع، فالمناصب السياسية تضعكم في دائرة المسؤولية وأنتم مسؤولون عن واقع اليمنيين ومستقبل اليمن، وأنظار العالم عليكم، وآمال اليمنيين بين أيديكم، وسوف تنطلق جولة المشاورات من النقاط الخمس من قرار مجلس الأمن 2216، وجدول الأعمال المتفق عليه والمعمول به، ورؤيتنا في الأمم المتحدة، أن هذه النقاط غير متسلسلة في التنفيذ، بل سيتم النقاش بشكل متواز بلجان عمل وآليات تنفيذية بهدف التوصل إلى اتفاق واحد شامل يمهد إلى مسار سلمي بناء على المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني.
وشدد ولد الشيخ الأطراف اليمنية على الدعوة للحضور إلى الجلسات، بحسن نية، ومرونة من أجل التوصل إلى حل سياسي ومخرج نهائي من الأزمة الحالية؛ حيث إن طريق السلام قد يكون شائكا، ولكنه سالك وممكن، والفشل خارج المعادلة، وأن التباين في وجهات النظر جائز، ولكن هناك حلول وسطاء، والثغرات كثيرة ولكن بالأفكار البناء يمكن معالجتها، والتحديات قد تعرقل المسار، ولكن الحلول متوفرة، والاختلافات موجودة في حين يمكن التوفيق بينها، فمعظم أنظمة العالم تبني على مكوناتها السياسية وتحولها إلى منحى إيجابي.
وأضاف: «إن خطة العالم مفتوحة تشكل هيكلية صلبة لمسار سياسي جديد سوف يساعد اليمن، واليمنيين على الاستقرار والعيش بسلام، ولا شك أن التوصل إلى حل عملي وإيجابي يتطلب التنازلات من مختلف الأطراف، وسوف يعكس مدى التزامكم وسعيكم للتوصل إلى اتفاق شامل تفأهمي، ويبقى الواقع الجنوبي، محط اهتمام رئيسي، ولابد أن يكون هناك تصور شامل للمرحلة المقبلة مع الأطراف المعنية، وعلى رأسها المكونات الجنوبية».
وقال ولد الشيخ: «حرصنا على أن تكون المرأة اليمنية حاضرة في المباحثات اليمنية، وصوتها مسموعة ورؤيتها حاضرة، فالنساء اليمنيات لعبن دورا محوريا قبل الحرب وخلالها، ولا شك في أنهم سيساهمن في مرحلة إعادة الأعمار، وأن يفعل دورهن أكثر وأكثر على الصعيد الوطني، وبعد مشاركة سيدتين في محادثات السابقة، تمنينا من الوفود زيادة عدد النساء اليمنيات في هذه الدورة».
وقدم المبعوث الأممي لليمن، شكره لأمير الكويت على الدعوة الكريمة، والشكر أيضا لسلطنة عمان على الجهود الجبارة السياسية والتقنية لمهام الأمم المتحدة في المنطقة في المشاورات السلام اليمنية في الكويت، فلتبدأ من هنا من الكويت لطالما لها أياد بيضاء بدعم اليمنيين على الأصعدة كافة، فلتبدأ بإيقاف العنف.
وأكد ولد الشيخ، أن المباحثات اليمنية - اليمنية، مفصلية على التاريخ السياسي في اليمن، ونحن اليوم أقرب إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، وأنتم وحدكم بإمكانكم الإعادة لليمنيين الأمل والاستقرار، فهو منك يستحق أن تتعالوا فوق الضغط القائم، وتطوى صفحة الماضي، من أجل وطن يحترم حقوق الإنسان، وسلطة القانون.
مصادر مقربة من المحادثات قالت: إن هناك خلافا نشب بين أوساط الانقلابيين حول من يبدأ في كلمته، أي بين المؤتمر الشعبي والحوثيين، مشيرة خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن هناك خلافات على أجندات العمل في المشاورات فبين تأكيدات الشرعية اليمنية، على أن استعادة الدولة يمثل أولولية مهمة، قبل الخوض في استئناف العملية السياسية، لا ترغب أن ترى الميليشيات الحوثية بالدخول في أجندات التفاوض المقررة سلفا، وتسعى إلى إنشاء تسوية سياسية جديدة وعدم الالتفات للمطالب الخمسة، وهي: «تسليم مؤسسات الدولة، وتسليم السلاح الثقيل، وإطلاق المعتقلين والأسرى والمختطفين، واستئناف العملية السياسية، وتثبيت الهدنة»، فضلا عن القفز على مخرجات المبادرة الخليجية.
وتؤكد المعلومات، أن الحوثيين يعملون على «الانتقائية» في مسألة تطبيق وقف إطلاق النار، حيث يطالبون بوقف الغارات الجوية، في ظل استمرار خروقاتهم لاتفاقيات وقف إطلاق النار التي وقّعت الأسبوعين الماضيين.
وأكدت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن «وفد الحكومة اليمنية إلى مفاوضات الكويت، يرفض أي تعديل على أجندة جدول أعمال المفاوضات، وأنه سلم المبعوث الأممي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، رسالة تؤكد تمسكه بالأجندة التي تم الاتفاق عليها سلفا، والتي تنص على خطوات تنفيذ القرار، بدءا بانسحاب الميليشيات وتسليم السلاح وانتهاء باستئناف العملية السياسية وقضية الأسرى والمعتقلين». وأشارت المصادر إلى أن الرسالة أكدت، أيضا، على مرجعيات المفاوضات هي المتفق عليها وهي القرار 2216، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل والمبادرة الخليجية.
في السياق ذاته، جدد وزير الإعلام اليمني، الدكتور محمد عبد المجيد قباطي، رفض حدوث أي تعديلات على أجندة المفاوضات؛ لأنه «حدثت تفاهمات واتفاقيات حول طبيعة المفاوضات وهي طبيعية وتتماشى تماما مع القرار 2216»، مؤكدا أن «أي محاولة للتعديل سوف تصيب القرار الأممي في مقتل». وقال قباطي لـ«الشرق الأوسط» إنه «ورغم البداية غير الواعدة (في إشارة إلى تأخر وفد الحوثيين في الوصول إلى الكويت)، فإننا نأمل أن يكون مع وصولهم إثبات لحسن النيات للدخول في المفاوضات بصورة جادة، من أجل التوافق على خطة لتنفيذ بنود القرار 2216.
وأضاف الوزير اليمني: «نتمنى أن تكون الأيام الأربعة الماضية التي أهدرت في ظل تخلف وفد المتمردين عن الحضور، قد أفهمت الطرف الآخر بأنه يجب أن يأتي بحسن نية وأن يفي بما قدمه من التزامات»، مؤكدا أنه «وفي حال عدم الالتزام، فإن الأمر يعود للمجتمع الدولي الذي سيعرف من هو الطرف الذي يريد إخراج المفاوضات والتسوية السياسية عن الآفاق التي رسمت لها منذ صدور القرار 2216». ورغم حديثه الإيجابي، فقد أشار وزير الإعلام اليمني إلى وجود «نيات مبيتة لإفشال أي محاولة للتوصل إلى تسوية سياسية»، ودلل على ذلك بـ«استمرار إيران في إرسال السلاح إلى المتمردين الحوثيين».
وكان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي يكثف، هنا، في العاصمة السعودية الرياض، لقاءاته بمستشاريه، أصدر توجيهات إلى وفد الحكومة الشرعية بالانتظار يوما آخر وعدم مغادرة دولة الكويت، أثناء تخلف وفد المتمردين عن الحضور، الأيام الماضية؛ وذلك للتأكيد على حرص الدولة اليمنية والحكومة الشرعية على السلام وسعيها للتوصل إليها، وقد جاءت توجيهات هادي بعد أن هدد وفد الحكومة الشرعية بمغادرة الكويت إن لم تعقد أولى جلسات المفاوضات صباح أمس.
وتزامناً مع التطورات في اليمن، أعلنت تركيا، أمس، تجميدها أموال الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في بنوكها بشكل كامل؛ بموجب العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على صالح ونجله العميد الركن أحمد علي عبد الله صالح وعدد من قيادات الحركة الحوثية.
وقد عبر مراقبون سياسيون يمنيون لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقادهم بأن توقيت القرار التركي يحمل رسائل كثيرة للانقلابيين في اليمن.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.