كيري: لا نثق بإيران.. والتعاون مع دول الخليج لا غنى عنه

قال إن السعودية تلعب دورًا رياديًا في حل الأزمة اليمنية > اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون مع وزير الخارجية الأميركي ناقش أوضاع المنطقة

كيري ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لدى اجتماعهم في المنامة أمس ({الشرق الأوسط})
كيري ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لدى اجتماعهم في المنامة أمس ({الشرق الأوسط})
TT

كيري: لا نثق بإيران.. والتعاون مع دول الخليج لا غنى عنه

كيري ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لدى اجتماعهم في المنامة أمس ({الشرق الأوسط})
كيري ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لدى اجتماعهم في المنامة أمس ({الشرق الأوسط})

عقد وزراء خارجية مجلس التعاون مع جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، اجتماعا في المنامة أمس ناقش التحديات في المنطقة سواء في لبنان أو سوريا.
وقال عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، إن الاجتماع راجع تأكيدات الولايات المتحدة في التصدي لأي عدوان خارجي، وبحثنا كيفية التصدي لتدخلات إيران في المنطقة، وأيضا التحديات في المنطقة سواء في لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا، كما راجعنا عملية السلام والقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى الجهود المشتركة في الإرهاب والتطرف.
وقال عادل الجبير، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأميركي جون كيري، في المنامة أمس، إن مجلس وزراء دول مجلس التعاون عبّر عن تأييده لحق المملكة المغربية فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية، وأهمية الاستمرار في الاقتراح المغربي فيما يتعلق بالحكم الذاتي وعدم اتخاذ أي إجراءات قد تضعف من ذلك، وهذا ما هو عليه الموقف الأميركي.
وأشار الوزير الجبير إلى أن مجلس وزراء خارجية الخليج عبّر عن استنكاره لمحاولة إيران تهريب أسلحة للحوثيين في اليمن وغيرهم، في الوقت الذي تُجرى فيه محاولات للتقدم في العملية السلمية، كما تم استنكار محاولات إيران تهريب متفجرات وأسلحة إلى دول المنطقة بما فيها دول مجلس التعاون، كما تم التأكيد على إيران إذا كانت تريد علاقات طبيعية مع دول المنطقة عليها أن تغير من سياساتها ونهجها وتبدي حسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون المنطقة حتى تكون العلاقات طبيعية.
وأضاف: «إذا استمرت في سياساتها العدائية وفي تدخلاتها في دول المنطقة هذا سيجعل من الصعب التعامل مع إيران».
بدوره قال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن المناقشات استمرت بشكل مكثف، التي هي انعكاس للاهتمام المشترك بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون.
وأضاف الوزير كيري أن الولايات المتحدة عملت بشكل مكثف مع دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الماضية، واجتماعات كامب ديفيد كانت تمثل نقطة غاية في الأهمية فيما يتعلق بتعزيز العمل المشترك، وقد ناقش الاجتماع قمة مجلس التعاون التي ستعقد في الرياض والتي يعتزم الرئيس باراك أوباما حضورها مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وقد اتفقنا على أن نبدأ عملية تقييم إذا ما أردنا أن تكون هناك شراكة بين حلف الناتو ودول مجلس التعاون تكون داعمة بشكل كبير الأمن في المنطقة، وهذا التحليل يستمر ويتواصل في الأيام المقبلة.
وأضاف الوزير كيري أن الاجتماع ناقش التحول الذي لا يحدث في المنطقة فقط، بل على مستوى العالم، كما ناقش المجلس أسعار النفط والوضع الاقتصادي إذا ما أردنا أن يحدث تحول اقتصادي.
وقال كيري إن المجلس ينظر في هذه المكونات الأساسية التي تشكل نقاط البحث للقمة التي سيحضرها الرئيس أوباما. وأضاف أن الرئيس أوباما يؤمن بالتواصل الفعال بين الولايات المتحدة ودول المجلس، لأنه يعزز قدرتنا على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، لذا يتطلع الرئيس أوباما إلى قادة مجلس التعاون، لتعزيز وترسيخ التزام الولايات المتحدة في دعم دول مجلس التعاون، لتعزيز الأمن والسلام في هذه المنطقة، في ظل التحديات الكبرى التي برزت في السنوات الماضية، ولذلك عندما التقى قادة دولها في كامب ديفيد في مايو (أيار) الماضي اتفقوا على شراكة استراتيجية جديدة من شأنها تعزيز التعاون الأمني، ومن ذلك الحين ونحن نعمل بشكل مكثف على تطبيق هذه المبادرة من خلال ست مجموعات عمل.
وأكد وزير الخارجية الأميركي، أن هناك قلقا مشتركا، أميركيا خليجيا، لأعمال إيران في المنطقة، والمزعزعة للاستقرار، حيث اعترض الأسطول الخامس البحري في البحرين، الأسبوع الماضي، شحنة أسلحة تتحرك باتجاه اليمن، وسوف نستمر بالدفع من أجل إيقاف الأعمال الاستفزازية في المنطقة.
وأضاف: «تحدثنا عن كيفية إقامة إيران بإعطاء معنى حقيقي للكلمات التي نطق بها الرئيس الإيراني حسن روحاني، حول عدم تهديد الشعوب في المنطقة». وقال كيري، من المؤسف أن نرى نشاطات إيران بتدخلها في شؤون وسياسات الدول الأخرى، لذلك ندعو إيران من أجل أن تنظم هذا الجهد بشكل بناء، من أجل بناء السلام، وتساعدنا في حل الأزمة السورية، بدلا من الاستمرار في إرسال الأسلحة إلى الحوثيين ومساعدتهم في إطالة الحرب، وأن تعمل لوقف الأعمال العدائية.
وأكد أن أميركا ودول الخليج تظل قلقة من نشاطات إيران الصاروخية، لكن نكرر ما قاله الوزير الجبير، الآن نحن مستعدون لتحديد إجراءات جديدة، من أجل حل سلمي لهذه القضايا، ونحن ننتظر من إيران أن توضح أنها مستعدة لوقف مثل هذه النشاطات التي تثير كثيرا من علامات الاستفهام حول مصداقيتها وعن نياتها.
وذكر كيري، أن التعاون بين دول الخليج وأميركا لا غنى عنه لشعوب هذه المنطقة، وأن أجندتنا الطموحة تعتمد على رغبتنا الأساسية في تحقيق السلام والاستقرار. قال إن السعودية تلعب دورًا رياديًا في حل الأزمة اليمنية.
وفي مؤتمر صحافي سابق شدد كيري على أن بلاده «لا تثق في الإيرانيين».. بل ذهب أبعد من ذلك حين قال «نحن لا نصدقهم ولا نصدق كلامهم، ونتحقق من كلامهم كل يوم».
وأكد وزير الخارجية الأميركي، ارتياب الإدارة الأميركية في السلوك الإيراني، وقال «فيما يتعلق بسلوكهم، نحن لا نثق في أقوالهم، ولهذا السبب اعترضنا أربعة قوارب تحمل أسلحة، وأثبتنا للعالم ما هو هذا السلاح، وقلنا إننا سنتعامل مع هذا الوضع من خلال الخطوات المتاحة».
وأضاف: «واقع الأمر لا يوجد حوار أو مفاوضات، لذا قام الرئيس أوباما بوضع كيانات عدة تابعة لإيران على لائحة العقوبات بسبب دورها في تهريب السلاح»، ووعد بمزيد من الإجراءات في هذا الجانب إذا ما استمرت إيران في هذا الاتجاه. وفي الوقت ذاته، أبدى كيري تفاؤله بأن تساعد إيران في القيام بدور بنّاء لتغيير ديناميكية المنطقة لتدخل في نشاط اقتصادي كامل، وتتعامل مع حالة عدم الاستقرار التي تسببها الطائفية.
ولفت إلى أن الرئيس الأميركي لم يطور العلاقات الدبلوماسية مع إيران، كما لا توجد أي انفراجات في القضايا الأخرى. وقال «الرئيس أوباما حقق مهمة واحدة للعالم، وهي تخليصه من إيران نووية». وأشار كيري إلى أن الرئيس الأميركي لديه فهم كامل للتحديات التي تمثلها إيران في المنطقة، ولذلك يجري أعقد اجتماعات مع وزراء دول مجلس التعاون من أجل التحضير لزيارة الرئيس المرتقبة ليشرح لقادة دول المجلس تفهم الولايات المتحدة طبيعة هذه التحديات. إلى ذلك، أشار الشيخ خالد آل خليفة، وزير خارجية البحرين، في المؤتمر الصحافي إلى أن الطرفين اتفقا على ضرورة ألا تتدخل إيران في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك لمصلحة الجميع، إضافة إلى تشجيع السعي لحل قضية الملف النووي وغيره من التحديات. وقال كيري: «إن البحرين تلعب دورا مهما في الأمن البحري للمنطقة، وستشارك البحرين في التمرين البحري لمكافحة الألغام، وهو أكبر تمرين بحري من نوعه يضم أكثر من 42 دولة ملتزمة بالأمن العالمي وحرية الملاحة البحرية».
وأشار وزير الخارجية الأميركي إلى الانقسامات الطائفية في البحرين، وحمّل المعارضة خطأ مقاطعة الانتخابات، مما أدى إلى الاستقطاب بين المواطنين. مضيفا، أن وزير الخارجية البحريني أبلغه بأن البحرين تريد أن يشارك الجميع في الانتخابات التي ستجري عام 2018، لكن من دون عنف أو تهديد أو تطرف يؤدي إلى استقطاب المواطنين، وستقوم أميركا بجهود من أجل التأكد من ذلك.
وعن الاتفاق النووي الذي أطلق يد إيران في المنطقة، ذكر كيري، أن الهدف من المفاوضات مع إيران كان منعها من امتلاك سلاح نووي، وجرى الاتفاق على ذلك «ولو ناقشنا كل الخلافات لم نكن لنتوصل إلى أي اتفاق».
وقال كيري: «كلنا نعلم أن إيران تدعم حزب الله، وتشارك في الحرب في سوريا، وتدعم الأعمال التخريبية في المنطقة، وتزعزع الاستقرار، وتدعم الحوثيين في الصراع اليمني، وكان هذا السبب الرئيس الذي جعل الرئيس أوباما يعقد مؤتمر كامب ديفيد مع قادة دول مجلس التعاون للحديث عن الخطوات التي يتوجب القيام بها بعد الاتفاق النووي، لحمل إيران على تغيير سلوكها فيما يتعلق بالأمور الأخرى».
وأعرب كيري عن اعتقاده بأن ترحب دول مجلس التعاون الخليجي بوجود إيران ومشاركتها على طاولة المفاوضات إذا أرادت طهران أن تتوصل إلى إجراءات أمنية في المنطقة دون هذه الأعمال التخريبية، وإذا أرادت إيجاد حلٍ بنّاء في سوريا واليمن سيتحقق ذلك، مشددا على أن إرسال قوارب عبر الخليج محملة بالسلاح والمتفجرات (للحوثيين) أمر غير بنّاء.
وأبدى رغبة بلاده في إمكانية بحث هذه الأمور، وذلك بعد أن تم الاتفاق النووي، لكنه أشار إلى أنه حيثما تكون هناك مخالفات لقرارات مجلس الأمن، أو زعزعة أمن المنطقة، أو تخريب في مناطق أخرى، فإن أميركا ستستمر في جهودها لحماية الأمن ومصالح المنطقة، وستقف إلى جانب حلفائها في جهودهم لحماية بلدانهم. ولفت كيري إلى الجهود التي بذلت على مدى أسابيع من أجل الوصول إلى اتفاق لإيقاف إطلاق النار في اليمن، لافتا إلى أن محادثات تمت في هذا الجانب مع عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي. وانتقد التغييرات في بعض المناصب الحكومية التي أجراها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وقال كيري: «لا يمكنني أن أتجنب القول إن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي عقّد هذه الجهود عندما اتخذ قرارات خلال الساعات الماضية»، معربا عن أمله أن يتخذ قرارات تسهل التحرك في اتجاه المفاوضات في 18 أبريل (نيسان) الجاري، والعمل على إيقاف جميع الأعمال القتالية وتشكيل حكومة جديدة.
من جهته، أكد وزير الخارجية البحريني، أن دول مجلس التعاون تدعم الاتفاق النووي بين مجموعة 5+1 وإيران، ورحبت بالاتفاق في حينه، وتدعم تنفيذه، لكن كانت دول المجلس قلقة من فهم إيران الخاطئ لهذه الجهود، وتحققت توقعات قادة دول المجلس، إذ لا يزال البرنامج الصاروخي الإيراني مستمرا ويمضى قدما، إضافة إلى تدخلات طهران في المنطقة عبر حرب بالوكالة دون النظر في مسؤولية حسن الجوار. ولفت إلى أن «دول الخليج العربي تدعم الحل السياسي، لكن إيران ترسل المقاتلين إلى سوريا، وتدعم حزب الله الإرهابي، ما يجعل الأمر يستمر كما هو في سوريا».
وشدد آل خليفة على أن إيران لو اتخذت خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح، فإن مجلس التعاون الخليجي سيخطو خطوتين، وبالتالي، فإن الخطوة الكبيرة لإيران حاليا هي أن تغير سياستها الخارجية تجاه المنطقة، وأن تبذل جهودا لإيقاف العبوات الناسفة والمتفجرات للإرهابيين، وأن توقف من يقومون بالحرب بالوكالة في المنطقة.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.