«بريف»: أول هاتف بنظام التشغيل «آندرويد» من «بلاكبيري»

يجمع أفضل ما في النظامين ولوحة مفاتيح بأزرار ملموسة ويقدم مستويات أمن وحماية عالية ومواصفات تقنية متقدمة

«بريف»: أول هاتف بنظام التشغيل «آندرويد» من «بلاكبيري»
TT

«بريف»: أول هاتف بنظام التشغيل «آندرويد» من «بلاكبيري»

«بريف»: أول هاتف بنظام التشغيل «آندرويد» من «بلاكبيري»

فاجأت شركة «بلاكبيري» المستخدمين بإطلاقها هاتف «بريف» BlackBerry Priv الذي يعد أول هاتف لها يعمل بنظام التشغيل «آندرويد»، ويجلب خصوصيتها وأمانها المعروفين إلى هذا النظام، مع توفير مزايا متقدمة وتصميم مبهر وأداء سريع وشاشة مميزة وكاميرا عالية الدقة، ليتنافس مع أفضل الهواتف في الأسواق، ولتثبت الشركة أنها مرنة وتستطيع التكيف مع متغيرات الأسواق، ولو كان ذلك بعد محاولات للانتشار بنظام التشغيل الخاص بها في السابق. واختبرت «الشرق الأوسط» الهاتف الذي أطلق أخيرا في المنطقة العربية، ونذكر ملخص التجربة.
* لوحة مفاتيح «ذكية»
يقدم الهاتف ميزة غير متوافرة في الغالبية العظمى في الهواتف التي تعمل بنظام التشغيل «آندرويد» اليوم، وهي القدرة على استخدام لوحة مفاتيح بأزرار حقيقية وليس رقمية، ومن دون خسارة أي بوصة في مساحة الشاشة، ذلك أن الهاتف ينزلق إلى الأعلى، لتظهر تحته لوحة مفاتيح مميزة تسمح للمستخدم خفض نسب الأخطاء المطبعية بشكل كبير.
لوحة المفاتيح ذكية بشكل كبير، إذ إنها تستشعر لمس المستخدم لها من دون الحاجة إلى الضغط عليها، لتعمل كسطح للتفاعل مع محتوى الشاشة، بحيث يمكن تحريك الأصابع فوق الأزرار لتحريك محتوى المتصفح و«تويتر»، و«فيسبوك» بسهولة كبيرة، أو إلى اليسار لحذف كلمة بالكامل، وغيرها من طرق التفاعل المبتكرة. اللوحة ذكية أيضا، لأنها تتعلم تسلسل الكلمات التي يطبعها المستخدم، ولو كانت في عدة لغات، لتقترح على المستخدم الكلمات فور بدء التسلسل. أضف إلى ذلك أنها مريحة أثناء الاستخدام المطول لكتابة البريد الإلكتروني وتحرير الوثائق.
ويستطيع المستخدم التفاعل مع الجهاز من خلال لوحة المفاتيح الرقمية فور إعادة القسم العلوي إلى مكانه. ولن يعرف المستخدم بوجود لوحة مفاتيح في حال كان الجزء العلوي مقفلا، ذلك أن سماكة الهاتف منخفضة للغاية، لكن استخدامها مريح، ولن يقع الهاتف من يد المستخدم لدى فتح الجزء العلوي والكتابة على اللوحة في الجزء السفلي جراء وزن الشاشة، ذلك أن الشركة قامت بإعادة توزيع الوزن للحصول على توازن مريح في الاستخدامات المطولة. ويمكن الكتابة على لوحة المفاتيح في أي وقت، ليبدأ النظام بالبحث عن الكلمات المرتبطة.
* مستويات أمان غير مسبوقة
لا يجب الاعتقاد أن تجربة استخدام الهاتف ستكون مشابهة للهواتف الأخرى، لأنه يعمل بنظام التشغيل «آندرويد»، حيث دمجت «بلاكبيري» تقنيات التشفير والترميز المشهورة بها داخل نظام التشغيل في عدة طبقات، وذلك لحماية خصوصية المستخدم وملفاته. ويمكن مشاهدة ذلك في رسائل البريد الإلكتروني وتشفير المحتوى المسجل داخل الهاتف. ويشتق الهاتف اسمه باستعارة أول أربعة أحرف من كلمة الخصوصية باللغة الإنجليزية Privacy، للدلالة على أهمية هذه الميزة في تجربة استخدام الهاتف. أضف إلى ذلك أن النظام سيفحص ملفات التشغيل في كل مرة يعاد تشغيله فيها، وذلك للتأكد من عدم وجود برمجيات خبيثة تحاول سرقة بيانات المستخدم (من خلال ميزة Verified Boot and Secure Bootchain)، مع توفير ميزة مسح جميع التطبيقات (اسم الميزة «دي تيك» DTEK)، وتحديد ما يحاول الوصول إلى ملفات إضافية أو تشغيل وظائف غير مرتبطة بعمله، مثل تشغيل الكاميرا أو الميكروفون المدمج، أو حتى الوصول إلى ملفات المستخدم ودفتر عناوينه.
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع محمد المفلح، مدير إدارة المنتجات بمنطقة الشرق الأوسط في «بلاكبيري»، الذي قال إن مستويات الأمان في هذا الهاتف هي الأعلى، ويمكن ملاحظة ذلك بمعرفة أن كثيرا من رؤساء الدول والمنظمات الحكومية والوزارات وكبرى الشركات العالمية لا تستخدم إلا تقنيات «بلاكبيري» لحماية ملفاتها واتصالاتها. وأضاف أن الشركة دمجت أفضل ما في عالمي «بلاكبيري» و«آندرويد»، لتقديم تجربة استخدام مريحة وآمنة في جميع الأوقات، ومن دون تحميل تطبيقات إضافية مكلفة. وأكد كذلك أن الشركة ستدعم الإصدارات المقبلة لـ«آندرويد» بسرعة، مضيفا أن إصدار «آندرويد6» الملقب بـ«مارشميلو» سيصبح متوافرا على الهاتف قبل النصف الثاني من العام الحالي.
وقال إن الهاتف يرفع الإنتاجية بشكل كبير، بسبب تقدم مزايا أمن وحماية عاليين وسهولة في الاستخدام وتجميع للبيانات في مكان واحد، بالإضافة إلى توفير لوحة مفاتيح بالأزرار وشاشة ذات وضوح ودقة كبيرين وعمر طويل للبطارية، وتوفير منفذ لرفع السعة التخزينية بحجم كبير.
* مزايا مبتكرة
شاشة الهاتف كبيرة، ويبلغ قطرها 5.4 بوصة، وهي تعرض الصور بوضوح ودقة كبيرين، وسنتحدث عن مواصفاتها بعد قليل. وتتميز الشاشة بأنها منحنية من الجانبين وتسمح للمستخدم جلب القوائم الجانبية بمجرد سحبها، الأمر الذي يسمح بمزيد من التفاعل مع التطبيقات ونظام التشغيل. ويمكن كذلك النقر على الشاشة مرتين لإيقاظها والبدء باستخدامها. ونلفت النظر إلى أن جودة الغطاء الخلفي عالية جدا وفاخرة، وهو أمر اعتاد عليه مستخدمو أجهزة «بلاكبيري».
وبالنسبة للكاميرا الخلفية، فهي مبهرة وتلتقط الصور بدقة 18 ميغابيكسل وتتعرف على الأوجه وتعدل مكان التركيز آليا مع استخدام فلاش «إل إي دي» ثنائي، للحصول على صور بألوان أقرب إلى الواقع. أما الكاميرا الأمامية فهي تعمل بدقة 2 ميغابيكسل، لالتقاط صور ذاتية «سيلفي» عالية الدقة أيضًا.
ويستطيع المستخدم الوصول إلى جميع تطبيقات متجر «غوغل بلاي» وتحميلها بشكل عادي، نظرا لأن الهاتف يعمل بنظام التشغيل «آندرويد»، مع القدرة على استخدام تطبيق «بلاكبيري ميسنجر» للتواصل مع الآخرين، ذلك أن الشركة توفر التطبيق على نظام التشغيل «آندرويد». أضف إلى ذلك توافر ميزة «بلاكبيري هاب» BlackBerry Hub التي كانت حصرية على نظام التشغيل «بلاكبيري»، والتي تجمع جميع التنبيهات والرسائل الواردة من البريد الإلكتروني والشبكات الاجتماعية والرسائل النصية، وغيرها، في مكان واحد يسهل التفاعل معها، عوضا عن تشغيل عدة تطبيقات والرد من خلالها بشكل منفصل.
* مواصفات تقنية
وبالنسبة للمواصفات التقنية، يعد الهاتف مبهرا في هذا المجال، حيث يستخدم معالج «سنابدراغون 808» سداسي النواة (نواتان بسرعة 1.8 غيغاهرتز و4 بسرعة 1.44 غيغاهرتز للاستخدامات غير المتطلبة)، مع توفير 3 غيغابايت من الذاكرة للعمل، و32 غيغابايت من السعة التخزينية المدمجة التي يمكن رفعها بـ2 تيرابايت إضافية من خلال بطاقات الذاكرة الإضافية «مايكرو إس دي»، ودعم لتقنية الاتصال عبر المجال القريب Near Field Communication NFC وتقنيات «بلوتوث 4.1»، و«واي فاي» اللاسلكية.
ويستخدم الهاتف بطارية عالية الأداء تبلغ قدرتها 3410 ملي أمبير تستطيع العمل لنحو 24 ساعة من التحدث المستمر، أو 3 أيام من تشغيل الموسيقى، أو 10 أيام في وضعية الانتظار، مع القدرة على شحن أكثر من نصفها في نحو 10 دقائق. أضف إلى ذلك أن دقة الشاشة عالية جدا وتبلغ (1440x2560) بيكسل، وهي تعرض الصورة بكثافة مبهرة تبلغ 540 بيكسل للبوصة الواحدة باستخدام تقنية «أموليد» AMOLED، لعرض الصورة بألوان واقعية للغاية.
ويدعم الهاتف كذلك تجسيم الصوتيات ونظام ميكروفون ثلاثي لإلغاء الضجيج من حول المستخدم، بالإضافة إلى استخدام مكبرات صوت قوية وسماعات عالية الجودة. وتبلغ سماكة الهاتف 9.4 مليمتر، ويبلغ وزنه 192 غراما، وهو يدعم شبكات الجيل الرابع للاتصالات من خلال بطاقة «نانو سيم»، وهو متوافر في المنطقة العربية الآن باللون الأسود وبسعر 2899 ريالا سعوديا (نحو 770 دولارا أميركيا).
* منافسة مع الأفضل
يتنافس الهاتف مباشرة مع أفضل الهواتف الموجودة في الأسواق اليوم، ويتفوق على كثير منها في المواصفات التقنية والمزايا التي يقدمها وراحة الاستخدام. وبالنسبة لـ«آيفون 6 إس بلاس»، فيتراجع من حيث دقة الشاشة (1920x1080) بيكسل وكثافتها (401 بيكسل للبوصة الواحد)، والكاميرا (12 ميغابيكسل)، وقدرة المعالج (ثنائي النواة بسرعة 1.8 غيغاهرتز)، والذاكرة (2 غيغابايت) والبطارية (2750 ملي أمبير)، وتوفير منفذ لإضافة مزيد من السعة التخزينية من خلال بطاقات «مايكرو إس دي». ويتفوق «آيفون 6 إس بلاس» في مجال السماكة، حيث تبلغ سماكته 7.3 مليمتر، والكاميرا الأمامية التي تبلغ دقتها 5 ميغابيكسل، وتوفير وحدة لمسح البصمات، بينما يتساويان في الوزن.
أما بالنسبة لـ«غالاكسي إس 6 إيدج»، فيتراجع في قطر الشاشة (5.1 بوصة) وتوفير منفذ للذاكرة الإضافية، والكاميرا (16 ميغابيكسل). ويتفوق «غالاكسي إس 6 إيدج» من حيث السماكة (7 مليمترات)، والوزن (132 غراما)، ودقة العرض (577 بيكسل للبوصة الواحدة)، والكاميرا الأمامية (5 ميغابيكسل)، والمعالج (ثماني النواة بسرعة 2.1 غيغاهيرتز، و1.5 غيغاهرتز)، وتوفير وحدة لمسح البصمات، ويتساويان في دقة الشاشة والذاكرة.



بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

بين الابتكار والقلق… «ميتا» ترصد سلوك موظفيها لتعزيز الذكاء الاصطناعي

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

تعتزم منصات «ميتا» تتبّع طريقة عمل موظفيها، بما في ذلك ضَغطات لوحة المفاتيح ونقرات الفأرة، في خطوة تهدف إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وسط تزايد القلق داخل أروقة الشركة من تداعيات هذه السياسة على بيئة العمل ومستقبل الوظائف. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وأبلغت الشركة، المالكة لمنصتي «إنستغرام» و«فيسبوك»، موظفيها، الثلاثاء، بأن أداة جديدة ستعمل على أجهزة الشركة وتطبيقاتها الداخلية، حيث ستقوم بتسجيل نشاط المستخدمين واستخدامه كبيانات تدريب لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال متحدث باسم الشركة لهيئة الإذاعة البريطانية إن تطوير أنظمة ذكية قادرة على مساعدة المستخدمين في إنجاز مهامهم اليومية يتطلب «أمثلة واقعية لكيفية استخدام الناس لأجهزة الحاسوب فعلياً»، مشدداً على أن البيانات «لن تُستخدم لأي غرض آخر»، مع وجود «إجراءات حماية لضمان أمن المحتوى الحساس».

غير أن هذه التطمينات لم تبدّد مخاوف بعض العاملين. فقد عبّر أحد الموظفين، طالباً عدم الكشف عن هويته، عن قلقه من أن تتحول أدق تفاصيل عمله اليومي مادةَ تدريبٍ للذكاء الاصطناعي، في وقت تتزايد فيه التوقعات بموجة جديدة من تسريح العمال، واصفاً الأمر بأنه «كئيب وقريب من عالم ديستوبيا». وأضاف: «لقد أصبحت هذه الشركة مهووسة بالذكاء الاصطناعي».

كما رأى موظف سابق أن الأداة ليست سوى «وسيلة جديدة لفرض الذكاء الاصطناعي على الجميع»، في تعبير يعكس اتساع الفجوة بين طموحات الإدارة وهواجس الموظفين.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تغيّرات أوسع داخل الشركة، التي سرّحت بالفعل نحو 2000 موظف هذا العام عبر جولات تقليص محدودة، في حين تشير تقارير إلى احتمال حدوث تخفيضات أوسع خلال الأشهر المقبلة. كما فرضت «ميتا» الشهر الماضي تجميداً جزئياً للتوظيف، بدا أنه يتجه نحو مزيد من الشمول؛ إذ تراجع عدد الوظائف المعلنة من نحو 800 وظيفة في مارس (آذار) إلى سبع وظائف فقط حالياً، من دون تعليق رسمي على هذه التطورات.

وتُعرف أداة التتبع الجديدة باسم «مبادرة قدرات النماذج» (MCI)، حسب ما أفادت به وكالة «رويترز» التي كشفت عن الخبر أولاً. ورغم أن نشاط الموظفين على أجهزة الشركة كان متاحاً للإدارة سابقاً، فإن تخصيصه وتسجيله بهدف تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يُعدّ تحولاً لافتاً في نهج الشركة.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توجهات أعلنها مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ، الذي تعهّد بزيادة الإنفاق على مشاريع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، في مسعى لوضع «ميتا» في صدارة هذا السباق العالمي. وتخطط الشركة لإنفاق نحو 140 مليار دولار على هذا القطاع في عام 2026، أي ما يقارب ضعف استثماراتها قبل عام واحد.

وفي سياق توسعها، استحوذت الشركة في 2025 على نحو نصف شركة «سكيل إيه آي» باستثمار بلغ 14 مليار دولار، كما استقطبت عدداً من كبار مسؤوليها لدعم تطوير نماذج أكثر تقدماً. وكان أول إطلاق بارز بعد إعادة هيكلة مختبر «Meta Superintelligence Labs» نموذج «Muse Spark»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة الابتكار داخل الشركة.

وتعوّل «ميتا» على البيانات التي ستجمعها من موظفيها لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول الحدود الفاصلة بين الابتكار التقني وخصوصية الإنسان داخل بيئة العمل.

وكان زوكربيرغ قد صرّح في يناير (كانون الثاني) بأن عام 2026 سيكون «العام الذي سيغيّر فيه الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا بشكل جذري»، مضيفاً أن مشاريع كانت تتطلب فِرقاً كاملة بات يمكن إنجازها الآن بواسطة «شخص واحد موهوب للغاية» - عبارة تختصر، ربما، التحول العميق الذي يلوح في الأفق... ويحمل في طياته فرصاً واسعة، بقدر ما يثير من قلق إنساني مشروع.


مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
TT

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً، لم تعد المشكلة الأساسية دائماً في تصميم الشرائح أو توفر الطلب حتى التمويل، بل في الكهرباء والتبريد وسرعة الربط بالشبكات والحصول على التصاريح. من هنا بدأت تظهر فكرة مراكز البيانات المدارية، لا بوصفها خيالاً علمياً خالصاً، بل باعتبارها محاولة للالتفاف على اختناقات البنية التحتية الأرضية التي باتت تؤخر توسيع قدرات الحوسبة. لكن السؤال الأهم ليس هل الفكرة جذابة نظرياً؟ بل هل هي قادرة فعلاً على التحول إلى جزء عملي من بنية الذكاء الاصطناعي، أم أنها ستبقى حلاً محدوداً في تطبيقات متخصصة؟!

يضع شون ماكديفيت، الشريك في «آرثر دي ليتل»، النقاش في إطاره الأكثر واقعية. ماكديفيت لا يتعامل مع المدار باعتباره بديلاً شاملاً للأرض، بل كطبقة قد تستفيد من مزايا يصعب تكرارها على اليابسة، مثل الطاقة الشمسية المستمرة، والتبريد الإشعاعي السلبي، وبعض حالات المعالجة داخل المدار نفسه. ويقول، خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» بوضوح، إن أقوى حجة اليوم ليست «وضع كل الذكاء الاصطناعي في الفضاء»، بل استخدام الفضاء، حيث يمنح «ميزة هيكلية حقيقية». هذه الصياغة مهمة لأنها تخفف من المبالغة الشائعة في الخطاب المحيط بالبنية الفضائية، وتنقل النقاش من فكرة الاستبدال الكامل إلى فكرة التخصيص الذكي.

شون ماكديفيت الشريك في «آرثر دي ليتل»

حوسبة تصطدم بالطاقة

ما يمنح هذه الفكرة بعض الجدية هو أن عنق الزجاجة في الذكاء الاصطناعي تغيّر فعلاً. فبحسب ماكديفيت: «الرقائق موجودة، ورأس المال متاح، والطلب قوي»، لكن النشر يتباطأ بسبب شراء الطاقة، والتصاريح، وتوصيل البنية التحتية، ما يعني أن الاختناق العملي انتقل من سؤال: «هل يمكننا بناء القدرة الحاسوبية؟» إلى سؤال: «هل يمكننا تشغيلها بسرعة؟».

وهنا يبرز مفهوم «سرعة الوصول إلى الطاقة» كعامل أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى الحوسبة نفسها. في سوق تتحرك فيه دورات النماذج بسرعة، قد يعني تأخر منشأة في الوصول إلى طاقتها التشغيلية أن نافذتها الاستراتيجية أغلقت قبل أن تبدأ.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو مراكز البيانات المدارية وكأنها تحاول حلّ مشكلة أرضية من خلال بيئة غير أرضية. فالفكرة الأساسية تقوم على أن المدار قد يخفف بعض القيود المتعلقة بالطاقة والتبريد واستخدام المياه حتى طول دورات الترخيص. إلا أن ذلك لا يجعل التحول الواسع إليها قريباً أو سهلاً. ماكديفيت يحسم هذه النقطة بوضوح حين يقول إن «التحول الواسع في المدى القريب من البنية التحتية الأرضية إلى المدارية غير واقعي». السيناريو الأقرب، برأيه، هو نشر انتقائي لعقد حوسبة مدارية في حالات استخدام ضيقة، خصوصاً عندما تكون البيانات أصلاً مولودة في الفضاء، أو حين تكون المرونة التشغيلية أهم من انخفاض زمن الاستجابة. كما يقدّر أن المنصات التجارية لا تزال على بعد 5 إلى 7 سنوات، وذلك إذا انخفضت تكاليف الإطلاق بشكل حاد فقط، ربما إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف ثلاثينات هذا القرن.

أعباء تناسب المدار

هنا تبدأ الحدود التقنية والاقتصادية في الظهور بوضوح. فليست كل أعباء العمل متساوية، وليس كل ما يُشغَّل على الأرض قابلاً للنقل إلى الفضاء. الأعمال التي تبدو منطقية في المدار هي المعالجة الطرفية في الفضاء، والمعالجة المسبقة لبيانات مراقبة الأرض والاستشعار، والتحليلات الدفعية المتسامحة مع التأخير، وبعض المحاكاة، والتخزين المصمم للمرونة أو للأرشفة السيادية المقاومة للعبث. أما ما لا يبدو مناسباً بوضوح، فهو السحابة المؤسسية التقليدية، والتطبيقات الاستهلاكية التي تحتاج إلى زمن استجابة منخفض، والاستدلال التفاعلي المكثف، ومعظم أعمال التدريب التي تعتمد على حركة بيانات كثيفة وتجديد سريع للمعدات وسهولة الصيانة. وبكلمات ماكديفيت: «الأعباء الثقيلة من ناحية النطاق الترددي، لكنها متسامحة مع التأخير هي مرشحة أفضل من الأعباء الحساسة للزمن والتعاونية بكثافة».

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد ضبط التوقعات. فإذا كان كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية اليوم قائمة على التفاعل السريع مع المستخدمين، فإن المدار لا يقدم بديلاً عملياً لها، على الأقل في المستقبل المنظور. حتى في المدارات الأرضية المنخفضة، التي تعد أفضل من المعماريات الأبعد، تبقى الكمونات الزمنية عاملاً حاسماً يحدّ من القدرة على منافسة البنية الأرضية في التطبيقات اللحظية الموجهة للمستخدم. لذلك، فإن أفضل ما يمكن للمدار أن يقدمه حالياً ليس استضافة «السحابة الذكية» العامة، بل تقليل الحاجة إلى تنزيل كل البيانات الخام إلى الأرض من خلال معالجتها عند المصدر، ثم إرسال الرؤى أو النتائج فقط. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عالم تزداد فيه أحجام بيانات الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

البنية الأرضية ستبقى الخيار الأساسي لأنها أكثر نضجاً وأسهل في الصيانة والتوسع وأوضح من حيث الجدوى الاقتصادية (شاترستوك)

تفوق الأرض اقتصادياً

اقتصادياً، لا تزال الأرض تتفوق بوضوح. فالتوسع في مراكز البيانات الأرضية يبقى الخيار الافتراضي لأنه يستفيد من منظومات قائمة بالفعل كسلاسل توريد، وقابلية إصلاح وصيانة، وتمويل معروف، وبنية تشغيلية ناضجة. لذلك، كما يشير ماكديفيت، تصبح النماذج المدارية مثيرة للاهتمام فقط عندما تكون «التكلفة المتجنبة لتأخير البنية الأرضية مرتفعة جداً»، أو عندما يحل المدار مشكلة لا تستطيع الأرض حلّها «بأناقة». حتى مع الإشارة إلى تحليلات منشورة من «غوغل» تفترض إمكان الوصول إلى نوع من التكافؤ الاقتصادي إذا انخفضت تكاليف الإطلاق إلى أقل من نحو 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينات، يبقى الاستنتاج الحالي واضحاً؛ نحن أمام نشر مداري محدود وموجّه، لا أمام إحلال واسع.

وإذا كان الجانب الاقتصادي لا يزال حذراً، فإن الجانب التقني أكثر تعقيداً. فالقائمة التي يذكرها ماكديفيت طويلة، تشمل توليد الطاقة وتخزينها في المدار والتحكم الحراري ومقاومة الإشعاع وإدارة الأعطال بشكل ذاتي وشبكات ضوئية عالية السعة وبوابات أرضية قابلة للتوسع وإدارة الحطام الفضائي والتجميع الروبوتي، ثم قبل كل شيء تحديث الأجهزة. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون من أكثر العقبات حسماً، لأن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة شديدة، وأي منصة لا يمكن ترقيتها أو صيانتها بكفاءة قد تصبح قديمة قبل أن تسترد رأسمالها. لذلك، فإن التجارب الحديثة، مهما بدت لافتة، يجب أن تُفهم باعتبارها «إثباتات مفهوم»، لا دليلاً على نضج منظومة متكاملة جاهزة للسوق.

التوسع المداري الواسع لا يبدو واقعياً قريباً بسبب تعقيدات الإطلاق والتشغيل والتحديث التقني والتنظيم (شاترستوك)

تنظيم يحدّ التوسع

قد يكون البعد التنظيمي والجيوسياسي بطيئاً لكنه مؤثر. فحين تتحول الحوسبة المدارية إلى جزء من بنية رقمية ذات أهمية استراتيجية، تبدأ أسئلة السيطرة والاختصاص والسيادة في الظهور بقوة؛ من يملك هذه البنية؟ من ينظمها؟ من يضمن أمنها؟ ومن يملك حق تشغيل قدرة حاسوبية قد تصبح حيوية لقطاعات مثل الاستشعار الدفاعي أو النسخ الاحتياطي السيادي أو معالجة بيانات الأقمار الصناعية؟

ماكديفيت يشير إلى طيف واسع من العوائق، من تخصيص الطيف وإدارة الحركة المدارية وقواعد الحطام، إلى ضوابط التصدير، والهواجس الأمنية، وحوكمة الأمن السيبراني. هذه العوائق قد لا تمنع التبني، لكنها قد تبطئه وتجزئ السوق جغرافياً وسياسياً.

لهذا كله، تبدو المبالغة أكبر خطر يواجه هذا التصور اليوم. ماكديفيت يقرّ بأن هناك «خطراً حقيقياً» من أن يبالغ القطاع في تقدير الدور الذي ستلعبه البنية المدارية في الذكاء الاصطناعي إذا انزلق النقاش من الاستخدامات الانتقائية إلى سردية الاستبدال الشامل. لكن هذا التحفظ لا يلغي وجود فرصة فعلية. فربما لا يصبح المدار موطناً للطلب الرئيسي على الذكاء الاصطناعي، لكنه قد ينجح تجارياً في شريحة محددة من التطبيقات التي تتضرر بشدة من اختناقات الأرض أو تملك أفضلية طبيعية حين تتم معالجتها في الفضاء. وبذلك، فإن القضية ليست ما إذا كانت مراكز البيانات المدارية «المستقبل» كله، بل ما إذا كانت ستصبح جزءاً من المستقبل في أماكن بعينها.

يمكن الاستخلاص من حديث ماكديفيت أن المدار قد يصبح جزءاً من البنية الطبيعية لقطاعات مثل مراقبة الأرض والاستشعار المرتبط بالدفاع والنسخ السيادي الاحتياطي وبعض أعباء الذكاء الاصطناعي المتسامحة مع التأخير. أما البنية الأرضية فستبقى القلب الرئيسي للحوسبة العالمية، لأنها أسهل في الصيانة، وأسهل في التوسع التدريجي، وأكثر ملاءمة للجزء الأكبر من الطلب منخفض الكمون. بذلك، لا تبدو مراكز البيانات المدارية حلاً سحرياً لأزمة بنية الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مجرد خيال تقني أيضاً. الأقرب أنها ستظل، في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، طبقة متخصصة ذات قيمة حقيقية، ولكن ضمن حدود واضحة لا ينبغي تجاهله.


بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
TT

بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ خصوصاً في مجال إنتاج المحتوى البصري داخل بيئات المحادثة الذكية.

ويأتي هذا التحديث ضمن جهود الشركة لتعزيز تكامل قدرات إنشاء الصور مع الفهم اللغوي والسياقي؛ حيث يقدِّم النموذج الجديد تحسينات ملحوظة في دقة توليد النصوص داخل الصور، وهي من أبرز التحديات التي واجهت النماذج السابقة، إلى جانب تطوير قدرته على التعامل مع أوامر أكثر تعقيداً وتفصيلاً.

فهم أعمق وسياق أكثر دقة

وحسبما أعلنته الشركة، يعتمد النموذج الجديد على آليات متقدمة لفهم التعليمات النصية، ما يتيح له إنتاج صور أقرب إلى المطلوب، سواء من حيث التفاصيل أو التكوين العام. كما يدعم النموذج لغات متعددة بشكل أفضل، مع تحسينات واضحة في دعم اللغة العربية، ما يعزِّز استخدامه في الأسواق الناطقة بها.

وتشير هذه التحسينات إلى توجه متزايد نحو جعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر توافقاً مع الاستخدامات اليومية؛ سواء في مجالات الإعلام، أو التسويق، أو صناعة المحتوى الرقمي.

نحو تكامل مع مصادر المعلومات

وفي سياق متصل، لفتت تقارير تقنية إلى أن النموذج الجديد قد يستفيد -في بعض أوضاع التشغيل- من معلومات حديثة لتعزيز دقة النتائج، وهو ما يعكس توجُّهاً أوسع نحو ربط نماذج الذكاء الاصطناعي بمصادر بيانات محدَّثة، بما يرفع من موثوقية المخرجات ويحدُّ من الأخطاء.

ومع ذلك، لم توضح الشركة بشكل تفصيلي آلية هذا التكامل ولا نطاق استخدامه، ما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التحديثات المستقبلية.

سباق متسارع في سوق الذكاء الاصطناعي

يأتي إطلاق «Images 2.0» في وقت يشهد فيه سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي منافسة محتدمة بين الشركات التقنية الكبرى التي تسعى إلى تقديم أدوات أكثر دقة وسرعة وسهولة في الاستخدام؛ خصوصاً مع تنامي الطلب على المحتوى المرئي عالي الجودة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثِّل جزءاً من تحول أوسع نحو ما يمكن تسميته «الإنتاج البصري الذكي»؛ حيث تصبح عملية إنشاء الصور أقرب إلى حوار تفاعلي يعتمد على الفهم العميق للسياق، بدلاً من مجرد تنفيذ أوامر نصية مباشرة.

نموذج تم تصميمه عن طريق «إيمجز 2.0» (chatgpt)

تأثيرات متوقعة على صناعة المحتوى

من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على صُنَّاع المحتوى بشكل مباشر؛ إذ يتيح لهم إنتاج مواد بصرية أكثر احترافية خلال وقت أقصر، مع تقليل الحاجة إلى أدوات تصميم تقليدية معقدة.

كما يعزِّز دعم اللغة العربية فرص استخدام هذه التقنيات في المنطقة؛ خصوصاً في ظل النمو المتسارع لاقتصاد المحتوى الرقمي في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن مستقبل إنتاج الصور يتجه نحو مزيد من التكامل بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الحية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الاستخدامات الإبداعية والمهنية على حد سواء.