{الشرق الأوسط} في سيناء: موظفون من بريطانيا في شرم الشيخ لسرعة إجلاء السياح

أبواب خلفية للدخول والخروج.. وضعف الخبرة في التعامل مع أجهزة كشف المتفجرات

جانب آخر من السياح العائدين لبلادهم من مطار شرم الشيخ أمس («الشرق الأوسط»)
جانب آخر من السياح العائدين لبلادهم من مطار شرم الشيخ أمس («الشرق الأوسط»)
TT

{الشرق الأوسط} في سيناء: موظفون من بريطانيا في شرم الشيخ لسرعة إجلاء السياح

جانب آخر من السياح العائدين لبلادهم من مطار شرم الشيخ أمس («الشرق الأوسط»)
جانب آخر من السياح العائدين لبلادهم من مطار شرم الشيخ أمس («الشرق الأوسط»)

لا يمكن لغير المسافرين الدخول إلى مطار شرم الشيخ، إلا إذا كان يحمل على الأقل أربع بطاقات تعريف؛ الأولى، وهي الأصل، تسمى «الكارنيه الجنائي»، والثلاث بطاقات الباقية هي كالتالي: بطاقة من غرفة المنشآت السياحية، وبطاقة من تجمع المرشدين السياحيين، والرابعة من وزارة السياحة. لكن مصادر في المطار قالت أمس لـ«الشرق الأوسط» إن التدقيق في حمل هذه البطاقات لمن يترددون على المطار بشكل دوري لم يعد بتلك الشدة التي كان عليها أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي كان يفضل الإقامة في المنتجع الواقع جنوب سيناء، خصوصا فيما يتعلق بالبطاقة الأصل.
وتعرضت شرم الشيخ لهزة عنيفة في أعقاب تحطم طائرة «إيرباص إيه 321» الروسية، الأسبوع الماضي، وعلى متنها 224 شخصًا، مما دفع الكثير من الحكومات الأجنبية لإجلاء رعاياها الذين كانوا يقضون إجازاتهم في المدينة ذات المنتجعات السياحية المعروفة أيضًا باسم «مدينة السلام»، حيث سادت حالة من القلق والارتباك امتدت ما بين مئات الفنادق والمتاجر، وحتى صالات السفر في المطار، بينما استمرت التحقيقات لمعرفة سبب تحطم الطائرة، وما إن كان عملا إرهابيًا أو عطلاً فنيًا، وسط لغط حول إجراءات التأمين والسلامة في المطارات المصرية.
من بين الاحتمالات التي يفحصها المحققون أن يكون أحد الأشخاص دس قنبلة في حقيبة سفر تخص أحد السياح، لصالح تنظيم داعش الذي له فرع في سيناء. ومن بين فئة المدنيين المترددين على مطار شرم الشيخ ممن يمكنهم الوصول حتى سيور حقائب السفر للمقبلين والمغادرين، جانب من مندوبي شركات السياحة الذين يستقبلون أو يودعون السياح داخل صالات الوصول والسفر، وبعض العاملين في المحال التجارية والكافتيريات داخل المطار.
ويقول مصدر في مطار شرم الشيخ: «بعد أشهر من تردد مثل هؤلاء على المطار يصبح وجهه مألوفًا. يقول للشرطي على البوابة: سلام عليكم، ويدخل، دون السؤال عن بطاقته، خصوصا البطاقة ذات العلامة المائية، المعروفة باسم (كارنيه الأمن الجنائي). هذا خطأ كبير بطبيعة الحال».
ويُعد التساهل في التعامل مع المندوبين وعمال المطار نوعًا من الأبواب الخلفية للدخول والخروج «ما قد يغري البعض باستغلال هذه الثغرة وهذه الثقة»، بالإضافة إلى ضعف الخبرة لدى بعض العاملين في المطار في التعامل مع أجهزة الكشف عن المعادن والمتفجرات، التي يتطلب العمل عليها تدريبًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن المطار توجد فيه أجهزة حديثة يتوجب على كل مسافر وكل حقيبة اجتيازها قبل الصعود إلى الطائرة، وعلى أعلى مستوى، وعدد منها أحدث مما هو موجود في مطارات مصرية أخرى «لكن المشكلة تكمن غالبا في العنصر البشري».
ويقول أحد العاملين في المطار إن هناك «ضباطًا وعساكر مسؤولين عن تأمين المطار لكن (ليسوا متيقظين).. مثلا هناك مندوبون عن شركات السياحة يدخلون إلى المطار لاستقبال الضيوف الجدد من السياح. وهؤلاء المندوبون معروفون لرجال الأمن، ويدخلون من أبواب خاصة، ولا يخضعون للتفتيش كما هو مفتَرض. يوجد، بالإضافة لهؤلاء المندوبين، عاملون مدنيون داخل المطار وفي الكافيتريات والمطاعم ومحال البيع. ومن كثرة الاعتياد على وجوههم لا يوجد اهتمام كبير بمتابعتهم أو تفتيشهم كما ينبغي في كل مرة يدخلون فيها المطار، سواء في فترات الصباح أو المساء».
وبينما تستمر التحقيقات الرسمية في محاولة لكشف غموض ما حدث للطائرة الروسية، تتزايد التكهنات والمخاوف بين العاملين والمستثمرين في شرم الشيخ من احتمالية وصول «داعش» إلى المدينة التي تدر على مصر أكثر من مليار دولار سنويًا. ويقول جمال الذي يدير مبنًى تجاريًا مؤسسًا على الطراز الفرعوني في منطقة خليج نعمة: «لا يمكن أن نتخيل أن تنظيم داعش في سيناء أو غير سيناء هو من قام بهذه العملية، لعدة أسباب، من بينها أنه لا تنظيم داعش ولا أي تنظيم آخر يمكنه جمع كل هذه الملابسات في بوتقة واحدة. قنبلة في حقيبة بضائع على طائرة روسية. لو كانت أي طائرة أخرى لكان يمكن التفكير في الأمر».
وبعد أن يستمع إلى تفسيرات مغايرة من زملائه في المبنى الذين أصبحوا عاطلين عن العمل، يضيف محاولا طرد المخاوف من «داعش»: «ثم إن (داعش) لو كانت لديه إمكانية للدخول إلى منتجع شرم الشيخ، لقام بتنفيذ أعمال مروعة، مثلما فعل تنظيم القاعدة في عام 2005، حين فجر سيارات مفخخة في ثلاثة أماكن، هي السوق القديم، وخليج نعمة، وغزالة. عملية مثل هذه كانت تغني (داعش) عن القيام بتفجير طائرة روسية في هذا التوقيت. توجد خفايا لا نعرفها».
وانتشرت في جلسات الدردشة في شرم الشيخ احتمالات أخرى لانفجار الطائرة، منها ما يتحدث عن أن أسطوانة أكسجين من تلك التي تُستخدم في الغوص ربما جرى شحنها مع البضائع على الطائرة الروسية ولم تكشفها أجهزة الأشعة، ولم تحظَ بالتأمين الكامل، حيث تكون هناك خطورة لانفجارها إذا لم تُفرغ من الأكسجين ولم تُخزن في الطائرة بالطريقة الصحيحة.
يقول خبير في الغوص في البحر الأحمر بعد أن فقد زبائنه من محبي مشاهدة الشعاب المرجانية في أعماق شواطئ شرم الشيخ، وهو يشرح هذه النظرية: «أسطوانات الغطس قابلة للانفجار في ظروف معينة». لكنه استبعد هذه الفرضية لسبب يبدو وجيهًا، حيث قال إن «السياح الروس لا يميلون عادة إلى ممارسة رياضة الغوص التي يفضلها الإنجليز والإيطاليون».
وعلى المستوى الرسمي تقول السلطات المصرية إنه لا يمكن الجزم بسبب الحادث، إلا بعد الانتهاء من التحقيقات التي يشارك فيها عدد من ممثلي الدول المعنية، بما فيها بريطانيا التي ظهر لها موظفون في مطار شرم الشيخ يرتدون سترات صفراء مكتوبًا عليها من الخلف «موظف في الحكومة البريطانية». ويؤكد جون، وهو أحد هؤلاء الموظفين البريطانيين وفي الثلاثينات من العمر، إنه يستقبل السياح أمام مطار شرم الشيخ، ويحل لهم مشكلاتهم، بالتعاون مع موظفي سلطات المطار المصرية.
وأضاف بشأن ما تردد عن تفضيل المصريين للروس في المعاملة أثناء المغادرة، وتسهيل عودتهم لبلادهم أكثر من البريطانيين، إن هذا غير صحيح، و«لكن المشكلة التي تواجهنا هي رفض كثير من السياح الاستجابة لنداء شركات الطيران لهم بالمغادرة في الأوقات التي حددتها لهم بعد حادث الطائرة الروسية. شركات الطيران حددت مواعيد تتعارض مع المواعيد التي وضعوها لأنفسهم سلفًا. وكثير منهم يرى أنه لم تكن هناك حاجة لكل هذه الفوضى».
ويقول موظف إنجليزي آخر في الأربعينات، يدعى سوندز، وهو يجلس مع عدد من السياح إنه موفد مع زملاء له آخرين من بلاده لمساعدة البريطانيين على إنهاء إجراءات سفرهم بأسرع وقت، نافيًا ما تردد عن وجود عراقيل تضعها السلطات المصرية أمام عودة البريطانيين. ووفقًا لمصادر أمنية في شرم الشيخ، فإن وجود موظفين إنجليز يشاركون بشكل أو بآخر في تأمين المطار يرجع لعدة شهور، بطلب من مصر.
ومن بين عشرات الرؤوس والحقائب، قالت كريستينا، وهي بريطانية تبلغ من العمر 36 عامًا، إنها جاءت إلى شرم الشيخ بوصفها سائحة منذ أسبوعين، لكنها تركت البحر ورياضة الغوص التي تحبها، وتحولت إلى متطوعة للمشاركة في تهدئة زملائها بعد حالة الهلع التي انتابت الكثير من السياح عقب إخطارهم من شركات الطيران البريطانية بضرورة المغادرة، وأن «من لن يضع اسمه الآن فلن يجد مكانًا». وأضافت: «من يريد أن يرحل فليرحل.. أنا باقية هنا، وكثيرون من جنسيات مختلفة باقون هنا حتى الاحتفال بأعياد الكريسماس الشهر المقبل».
وبينما غصت بوابات السفر بالسياح المغادرين، بدت بوابات الوصول فارغة ومهجورة. وقال ضابط في المطار: «الطائرات تأتي خاوية وتشحن السياح وتغادر. ووقف ثلاثة من موظفي المطار أمام باب الوصول، وهم يشعرون بالأسى. وقال أحدهم إن مشكلة شرم الشيخ قد تطول كلما تأخرت نتيجة التحقيقات»، وأضاف: «ما يحدث مؤامرة».
ويوجد في شرم الشيخ 325 فندقًا من بينها 228 من الفنادق والمنتجعات الكبرى. وتعتمد بشكل شبه كامل على العمالة الوافدة من خارج المدينة التي تنتظرها أيام اقتصادية صعبة، حيث بدت الأسواق دون زبائن ولا سهرات إلا فيما ندر، والشوارع شبه مهجورة، والشرطة في كل شارع وميدان. وعلى جانب طريق السلام، أي بعد مبنى المطار بقليل، كانت عناصر من الجيش تحفر لصنع متاريس من أجولة الرمل، بينما وقفت سيارة عسكرية وحولها جنود مقنعون بأسلحة رشاشة. وفيما تتجه الحافلات التي تقل السياح المغادرين إلى المطار، يركب سياح آخرون اختاروا البقاء، جمالا وخيولا ويعبرون بها الطريق إلى الجهة الأخرى.
وفي منتجع قريب يحوي 800 غرفة تطل على البحر وعلى البحيرات الصناعية، قال مديره المصري، واسمه محمد، وهو يحصي عدد من قرروا الرحيل ومن فضّلوا البقاء ومن ألغوا رحلاتهم من الخارج: «بريطانيا تنشر الذعر بين ألوف السياح الذين يحبون شرم الشيخ. وصلت إلينا أوامر من شركات الطيران البريطانية تطلب تمريرها على السياح الإنجليز بضرورة (الإخلاء فورًا)»، وأضاف: «هل المنطقة مقبلة على حرب كبرى؟ لأن هذا لا يحدث إلا في حالة الحرب. حوادث الطيران تقع في كل مكان، ولم نرَ إصرارًا على تنفيذ عمليات إخلاء مثل هذه».
وتجري عملية الإخلاء بطريقة آلية؛ تقوم شركة الطيران الإنجليزية المعنية بتجميع السياح من فنادقهم ومنتجعاتهم الأصلية، ثم تنقلهم بالحافلات وتضعهم في فنادق لها تعاقد مسبق معها (بروتوكول خاص بالتدخل في مثل هذه الأحوال). وتكون الفنادق الجديدة غالبًا قرب المطار. وجرت عملية تجميع آلاف السياح بهذه الطريقة منذ الأسبوع الماضي حتى يوم أمس، على أساس أن عدد الطائرات التي ستقل هؤلاء الناس لن يقل عن 24 طائرة بريطانية، لكن السلطات المصرية قالت إنه لن يكون في مقدورها استقبال أكثر من 12 طائرة في اليوم.
وأدى هذا إلى ارتباك كبير.. وقال صاحب فندق يقع في منطقة نبق في شرم الشيخ: «لدي 23 سائحًا إنجليزيًا رفضوا المغادرة أمس حين شاهدوا هذه الفوضى». وقالت شابة إنجليزية في طريقها صباح أمس إلى شاطئ البحر: «شرم الشيخ آمنة وسنكمل إجازتنا ونعود على مهل. لا يوجد شيء مزعج. لكن الخبر المزعج الذي وصل بعد ذلك بدقائق لأصحاب الفندق أن هناك نحو 80 سائحًا روسيًا يُفترض وصولهم بعد يومين، طلبوا إلغاء حجوزاتهم، وأنهم لن يأتوا إلى شرم الشيخ في الوقت الحالي بسبب تداعيات الطائرة المنكوبة».
وعلى كل حال، كما يضيف محمد الذي يدير منتجعات أخرى قرب القاهرة وفي الساحل الشمالي الغربي، أنه رغم كل شيء «فإن هذا لا ينفي أننا كمصريين في حاجة لمراجعة المنظومة الأمنية.. ليس في مطار شرم الشيخ فقط، ولكن في مطار القاهرة أيضًا.. زيادة رواتب العاملين في المطار وإخضاعهم لدورات تدريبية.. أحيانا تعبر حقيبتي من الجهاز بينما الموظف ينظر إلى الجانب الآخر، ويقول لي: مر.. هكذا بكل بساطة».
وشارك الرجل في اجتماع لكبار المسؤولين في شرم الشيخ عقد يوم أول من أمس (السبت)، لمتابعة التداعيات المحتملة لسقوط الطائرة الروسية. وأضاف أن «بعض المشاركين في الاجتماع تحدثوا بالفعل عن مشكلة التدريب والخبرة في العمل على أجهزة الكشف بالأشعة عن المعادن في حقائب السفر». وتابع قائلا إن المنظومة كلها تحتاج إلى مراجعة، بما في ذلك التشديد على حمل «كارنيهات (بطاقات) الأمن الجنائي». وأضاف: «بطاقتي لم تُجدد بعد، وانتظر تسلمها منذ ثلاثة أشهر، فما بالك ببطاقات صغار العمال والموظفين والغرباء الذين يتسكعون في المدينة..؟! في أيام الرئيس الأسبق مبارك لم يكن هذا ممكنًا. مَن ليس معه بطاقة من هذا النوع كان لا يُسمح له بدخول شرم الشيخ، ويعود للمدينة التي جاء منها».
وقال مصدر أمني إن عميدًا في الشرطة هو من أسّس نظام بطاقات «الأمن الجنائي» حين كان مسؤولا عن البحث الجنائي في شرم الشيخ في أواخر عام 2002 وبداية عام 2003، وذلك لتحقيق أعلى درجة من التأمين للمدينة التي يصل إليها كل عام مئات الألوف من مختلف دول العالم. وبالإضافة إلى تردد مبارك عليها في ذلك الوقت، كانت المدينة تتأهب لاستقبال مؤتمر «صانعي السلام» الضخم، حيث أصبحت بعد ذلك تستقبل مؤتمرات دولية يحضرها رؤساء ورجال دولة من مختلف بلدان العالم.
ويتطلب الحصول على هذه البطاقة موافقة ثلاث مؤسسات أمنية، هي «البحث الجنائي» و«الأمن الوطني (أمن الدولة)» و«المخابرات»، وذلك للتأكد من أن الذي سيعمل ويقيم في شرم الشيخ «نظيف من النواحي الجنائية والأنشطة السياسية هو وأسرته وأقاربه». ويقدم مع طلب الحصول على البطاقة رخصة عمل من الجهة التي سيلتحق بها والبطاقة الضريبية لهذه الجهة. وتجدد البطاقة كل عام، وكان لا يمكن دخول شرم الشيخ إلا بها.
ووفقا للمصادر، فقد تراجع الاهتمام بحمل هذه البطاقة بعد 2011، لعدة أسباب، منها «طول مدة الإجراءات التي أصبح يستغرقها صدور البطاقة، ويصل الأمر أحيانًا إلى ثمانية شهور، إضافة إلى عدم تطوير المطبعة الوحيدة التي تطبع هذه البطاقات، رغم زيادة عدد العمالة، وهذه المطبعة موجودة في منطقة اسمها الرويسات قرب شرم الشيخ». وفي السابق، أي قبل ثورة يناير، كان الكمين الأمني في نفق الشهيد أحمد حمدي على بعد نحو 350 كيلومترًا من شرم الشيخ يمنع مرور من ليست له صفة ولا يحمل بطاقة الأمن الجنائي إلى المدينة.
ثم تراجع السؤال عن البطاقة حتى أصبح على بعد 90 كيلومترًا من شرم الشيخ، أي في الكمين الأمني الموجود في بوابة الرويسات. وفي الوقت الحالي من النادر أن تجد كمينًا أمنيًا يسأل عن هذه البطاقة التي يعتقد الكثير من أصحاب فنادق ومنتجعات شرم الشيخ أنها كانت سببًا مهمًا في حفظ الأمن في المدينة طول سنوات، باستثناء التفجيرات الإرهابية التي وقعت عام 2005.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.