السعودية ودول خليجية تسيّر معدات لمساعدة اليمنيين العالقين نتيجة إعصار {تشابالا}

وزير الصحة اليمني لـ «الشرق الأوسط»: لا نجلي المواطنين إلى مناطق الصراع

يمني يعبر أحد شوارع حضرموت بعد غرقه في الأمطار الناجمة عن إعصار تشابالا (غيتي)
يمني يعبر أحد شوارع حضرموت بعد غرقه في الأمطار الناجمة عن إعصار تشابالا (غيتي)
TT

السعودية ودول خليجية تسيّر معدات لمساعدة اليمنيين العالقين نتيجة إعصار {تشابالا}

يمني يعبر أحد شوارع حضرموت بعد غرقه في الأمطار الناجمة عن إعصار تشابالا (غيتي)
يمني يعبر أحد شوارع حضرموت بعد غرقه في الأمطار الناجمة عن إعصار تشابالا (غيتي)

كشف الدكتور ناصر باعوام، وزير الصحة العامة والسكان اليمني، عن تنسيق يجري في الوقت الراهن مع قوات التحالف ودول مجلس التعاون؛ وذلك لتسيير معدات ضخمة تساعد المسؤولين اليمنيين على الوصول إلى المناطق التي يوجد فيها مواطنون يمنيون عالقون نتيجة السيول التي تشهدها بعض المناطق نتيجة إعصار «تشابالا».
وقال باعوام، لـ«الشرق الأوسط»، أمس: «منذ مطلع الأسبوع الحالي شكّلت لجنة خاصة للطوارئ بعد توجيه الرئيس اليمني بذلك، وأنشئت غرفة عمليات مركزية في اليمن، وفي العاصمة السعودية الرياض». وأفاد بأن الجهات الحكومية أجلت عددا كبيرا من السكان، وهذا التحرك أسهم بدرجة كبير في تقليل الخسائر.
وأوضح أن وزارة الصحة لم تسجل حتى الآن أي خسائر بشرية، وأن الخسائر في الوقت الراهن هي مادية فقط، مبينا أن سلطنة عمان سيّرت أمس طائرة تحتوي على مواد غذائية، وبعض المواد الإغاثية، كما أن مركز الملك سلمان للأعمال الإغاثية والإنسانية سيسير طائرتين تحملان المواد الغذائية والإغاثية والطبية، مع وجود فرق طبية منتشرة في بعض المناطق التي جرى إجلاء المواطنين لها.
ولفت باعوام إلى أن المشكلة الرئيسية في الوقت الراهن وجود مناطق معزولة لا يمكن الوصول إليها، وعليه فإن هناك حاجة ماسة لمروحيتين على الأقل لإنقاذ المحتجزين، مبينا أن الحكومة اضطرت إلى إيقاف التيار الكهربائي بالكامل خوفا من حدوث حرائق، وذلك في منطقة المكلا، التي شهدت تدفق كمية كبيرة من السيول. وشدد وزير الصحة اليمني على أنه جرى إجلاء المواطنين إلى مناطق آمنة وبعيدة عن مناطق الصراع، ويمكث النازحون في المدارس وكهوف بمناطق جبلية، كما أُجلي السكان في محافظة حضرموت إلى منطقة الربوة المرتفعة عن سطح الأرض.
وقدمت لجنة الطوارئ تقريرا مفصلا عن أعمال اللجنة أمس إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي أكد على وجود تنسيق مع دول الخليج وقوات التحالف بشأن إدخال المعدات التي تساعد في الوصول إلى المواطنين المحتجزين، نتيجة للسيول الجارفة التي شهدتها المناطق. كما وجه الرئيس اليمني بالنزول إلى الأماكن المتضررة بدءا من سقطرى، وسيذهب وفد حكومي إلى هناك قريبا، بالتنسيق مع مركز الملك سلمان للأعمال الإغاثية والإنسانية.
وأكد الدكتور ناصر باعوام أن التحوط الآن فقط من ارتفاع أمواج البحر، وسرعة قوة الرياح، وارتفاع منسوب مياه الأمطار في الأودية.
من جانب آخر، كشف فهد كفاين، وزير الثروة السمكية اليمني، عن استجابة السعودية وبعض دول مجلس التعاون إلى النداء الذي وجهته الحكومة الشرعية اليمنية بشأن إنفاذ المحتجزين بعد إعصار شابالا، مبينا أنه في المناطق التي تشهد صراعا ومنها المكلا فإن الحكومة اليمنية تتدخل على حذر، وفعلت الخطة المحلية لتوصيل المساعدات إلى هناك.
ولفت إلى وصول فريق حكومي إلى المناطق المتضررة، للوقوف الميداني على إعصار شابالا، كما وجه بإنشاء لجنة برئاسة وكيل وزارة الأسماك لحصر الأضرار التي حدثت نتيجة الإعصار. كما وجه الرئيس اليمني بالتدخل العاجل لإصلاح ميناء سقطرى والطريق الدائري بصورة عاجلة.
وسجلت الحكومة الشرعية غرق منطقة جعلة في محافظة شبوة، وجرى إجلاء السكان، وهناك أسر عالقة يجري التواصل مع القوات المسلحة الوطنية للتدخل وإجلائها.
بدوره، قال المركز الوطني للأرصاد الجوية اليمني إن إعصار «شابالا» المصحوب بأمطار غزيرة سيتحول خلال الساعات الست المقبلة إلى عاصفة إعصارية شديدة تتمركز على خط 14.6 شمالا وخط طول 48.3 شرقا غرب البحر العربي.
وأوضح المركز أن صور الأقمار الاصطناعية وخرائط الطقس تشير إلى أن العاصفة الإعصارية المدارية تسير بسرعة 10 عقدات، أي 18 كيلومترا في الساعة، باتجاه غرب وشمال غرب موقعها الحالي شرق مدينة المكلا.
وتبعد العاصفة 442 كيلومترا عن مدينة الغيضة (جنوب غربي اليمن)، و80 كيلومترا عن مدينة المكلا باتجاه الشرق، كما تبعد عن مدينة عتق 120 كيلومترا، وعن محافظة أبين «محطة الكود» 330 كيلومترا، و380 كيلومترا عن مدينة عدن.
وبحسب المركز، فقد تأثرت مدينة المكلا - وما زالت - بالعاصفة الإعصارية، مما أدى إلى ارتفاع الموج من مترين إلى ستة أمتار، ووصلت سرعة الرياح إلى 60 عقدة، مع تغطية السماء بالسحب المنخفضة والمتوسطة وهطول أمطار متوسطة إلى غزيرة مصحوبة بعواصف رعدية، تدفقت على أثرها السيول في الوديان، خصوصا في محافظتي حضرموت والمهرة.
وأوضح المركز أن محافظة شبوة تأثرت بالإعصار «تشابالا» بأمطار رعدية غزيرة في الوديان وارتفاع عالٍ في الموج، كما توقع المركز أن تتأثر المهرة والسواحل والأجزاء الداخلية لمحافظتي حضرموت وشبوة، مع احتمال أن تتأثر محافظات أبين والبيضاء ومأرب والجوف والمرتفعات الجبلية خلال الساعات الـ12 المقبلة.
وحذر المركز الوطني للأرصاد الجوية المواطنين وقائدي السفن بأنواعها كافة والصيادين ومرتادي البحر من سوء الأحوال الجوية الخطرة والاضطراب الشديد في البحر، وعدم الإبحار في المناطق المذكورة.
وحذر المركز المواطنين القاطنين في المناطق الداخلية للمحافظات المذكورة بعدم الوجود في مجاري السيول وبطون الأودية، مهيبا بالجهات الرسمية ذات العلاقات اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتمالات التأثيرات الخطيرة جدا لهذه العاصفة ومتابعة النشرة الصادرة من المركز الوطني للأرصاد والتفاعل معها، حفاظا على الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.
وكان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي التقى أمس باللجنة الحكومية المعنية بالمتابعة والوقوف على تداعيات إعصار «تشابالا»، واطمأن الرئيس على أوضاع المواطنين في كل من محافظات سقطرى والمهرة وحضرموت، موجها بتقديم الدعم والمساندة للمتضررين وتكثيف جهود عمليات الإخلاء وتقديم الخدمات الصحية اللازمة للمواطنين المتضررين من كارثة الإعصار.
من جانبها، أكدت اللجنة الحكومية المعنية بمتابعة إعصار «تشابالا» أنه لم تسجل أي حالة وفاة باستثناء إصابات خفيفة تعرض لها المواطنون في بعض تلك المحافظات التي وصل إليها الإعصار.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».