الجزائر.. ترتيبات «ما بعد الجنرال»

اللمسات الأخيرة التي أحدثها بوتفليقة على جهاز المخابرات تشغل الطبقة السياسية

عثمان طرطاق  -  محمد مدين
عثمان طرطاق - محمد مدين
TT

الجزائر.. ترتيبات «ما بعد الجنرال»

عثمان طرطاق  -  محمد مدين
عثمان طرطاق - محمد مدين

يلاحظ متابعو الشأن الجزائري، في الداخل والخارج، أن «جزائر ما بعد بوتفليقة» هو الموضوع الذي يشغل الطبقة السياسية والإعلام في الجزائر حاليًا. هذا الأمر سلطت عليه الأضواء فعليًا في أعقاب اللمسة الأخيرة التي أحدثها رئيس الجمهورية على جهاز المخابرات العسكرية، بعزل الفريق محمد الأمين مدين الشهير بـ«الجنرال توفيق». غير أن السؤال الأبرز في هذه القضية، هو هل سيتحدى الرئيس المرض ويستمر في الحكم رغم انسحابه من المشهد منذ أكثر من سنتين، أم سيضطر لاختيار من سيخلفه من داخل ما يعرف بـ«جماعة الرئاسة».

في الماضي القريب كانت شؤون الحكم والقرارات الكبرى في الجزائر يصنعها جنرالات الجيش، وهم بالتحديد وزير الدفاع وقادة النواحي العسكرية الستة وقادة القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع عن الإقليم، ومعهم ضباط «مديرية الاستعلام والأمن»، التي تعد القلب النابض في المؤسسة العسكرية.
هؤلاء هم مَن أجبروا الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد على التنحّي مطلع عام 1992، على أثر الفوز الساحق الذي حققته «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في أول انتخابات برلمانية منذ الاستقلال.

* بوتفليقة: «السلطة الأولى»
غير أنه منذ وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى الرئاسة في عام 1999، والحرص الذي أبداه لتمكين الرئاسة من استعادة السلطات والصلاحيات التي استحوذ الجيش على جزء منها، في فترة الصراع الدامي مع الجماعات الإسلامية المسلحة، تغيَر كل شيء وبصفة جذرية.
هو بنفسه قال عشية انطلاق ولايته الأولى لقناة تلفزيونية فرنسية: «قولوا للجنرالات الجزائريين أن يلتهموني إن كان بمقدورهم ذلك!». أما غداة انتخابه فقال أمام الصحافة وبوضوح: «سوف لن أكون أبدًا ثلاثة أرباع رئيس». وفُهمت الرسالة حينذاك بأن بوتفليقة يريد حقًا أن يكون «السلطة الأولى في الجزائر»، والصوت الذي يعلو ولا يعلى عليه. ومنذ تلك اللحظة أدرك قادة المؤسسة العسكرية أنهم جلبوا لأنفسهم المتاعب عندما لجأوا إلى السياسي المخضرم وهو في منفاه الاختياري، ليعرضوا عليه حكم البلاد بعد استقالة الجنرال اليمين زروال من الرئاسة.
وبسط بوتفليقة نفوذه شيئًا فشيئًا، فأزاح مباشرة بعد انتخابات الرئاسة في عام 2004 رئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري، الذي ارتبط اسمه بالحرب الضروس ضد الإرهاب. وكان العماري قد وقف ضد ترشح بوتفليقة لولاية ثانية، فأضحى التعايش بينهما مستحيلاً. أما المثير في تلك الانتخابات، فهو أن مدير المخابرات محمد مَديَن سار في البداية على نفس موقف العماري، لكنّه غيّر البوصلة في آخر لحظة، فعقد تحالفًا مع الرئيس هو ما مكّنه من الولاية الثانية. وجاءت المكافأة عام 2006 بترقية مَديَن – أو الجنرال «توفيق» – من رتبة لواء إلى رتبة فريق، وأصبح بالتالي، ثاني ضابط بعد الاستقلال الذي يقلَده الرئيس الرتبة العليا في الجيش بعد العماري.
وردَ «توفيق» لبوتفليقة الجميل بتزكية مسعى تعديل الدستور في 2008 الذي كسر ما كان يمنع الرئيس من الترشح لولاية ثالثة، ومن ثَم عزّز موقعه في الحكم عبر تقليص سلطات رئيس الحكومة الذي حوَله إلى وزير أول.
بعدها عيَن بوتفليقة اللواء أحمد قايد صالح رئيسًا للأركان، وأصبح في ظرف قصير سنده القوي في المؤسسة العسكرية ومن أكثر رجال الحكم وفاءً له. وخلال العامين الأخيرين نقل إليه الرئيس تدريجيًا كل السلطات والصلاحيات التي كانت بحوزة المخابرات، التي صنعت للجنرال «توفيق» القوة والنفوذ طيلة 23 سنة التي أمضاها في قيادة المخابرات.

* قرارات سريعة
كل المراقبين ومتتبعي الأحداث السياسية في فترة حكم بوتفليقة، ظلوا مشدوهين لقوة وسرعة القرارات التي اتخذها الرئيس بعد عودته من رحلة العلاج إلى فرنسا، على أثر إصابته بجلطة دماغية في 27 أبريل (نيسان) 2013. لقد عاد بوتفليقة إلى الجزائر على كرسي متحرّك بعد فترة علاج ونقاهة طالت 88 يومًا، وأثناء غيابه أثير جدل حاد حول «نهاية بوتفليقة»، وانطلقت التخمينات بخصوص مَن «اختاره توفيق ليكون خليفة لبوتفليقة». وفي خضم ذلك الجدل كان السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس وكبير مستشاريه، يتردّد بين الجزائر وباريس حيث مستشفى الـ«فال دوغراس» العسكري الشهير، حيث كان الرئيس يتلقى العلاج، لينقل إليه كل كبيرة وصغيرة عمّا يقال عنه في الجزائر.
عن هذا الأمر بالتحديد، يذكر أحد وزراء الإعلام الـ13 الذين «استهلكهم» بوتفليقة خلال 15 سنة في الحكم، لـ«الشرق الأوسط»: «اغتاظ الرئيس كثيرًا لما قيل عنه في صالونات السياسة بالعاصمة، وما نقلته بعض الصحف عن نهايته المزعومة. البعض قال إن مدير المخابرات هو مَن كان وراء ذلك، لكن ذلك غير صحيح والرئيس يعلم أنها ليست الحقيقة، لكنه غضب من توفيق غضبًا شديدًا كونه لم يشغَل الأدوات التي بين يديه، ليمنع تداول إشاعات جاء في بعضها أنه توفي». وتابع الوزير السابق: «.. ربما كان توفيق يتوقع نهاية بوتفليقة لعلمه أنه فقد التحكّم بحواسه، وبالتالي، لن يستطيع مقاومة حالة الضعف التي وجد فيها، وأنه لن يترشح لانتخابات 2014. غير أن توفيق وكل من راهن على انسحاب بوتفليقة من الحكم، ربما لم يكونوا يعرفون حقيقة شخصية الرجل. فقد عاد إلى الحكم ليخلد فيه، وحتى إن خارت قواه ولم يعد قادرًا على الاستمرار سيختار هو من سيخلفه وليس العسكر». ثم أضاف: «مرض الرئيس غيَره تجاه توفيق، وقد كان لشقيقه ورئيس أركان الجيش قايد صالح، دور كبير في هذا التغيير. فالأول تصرّف دفاعًا عن أخيه الأكبر الذي يدعونه في العائلة (سيدي حبيبي) إجلالا وتقديرا له. والثاني تصرّف بدافع الرغبة في أن يصبح الرقم واحد في المؤسسة العسكرية من دون أن ينازعه توفيق في أي شأن يخصها، ولقد نجح في ذلك وإن كان لا يستطيع اتخاذ أي قرار دون مشورة الرئيس. وبإمكاني أن أجزم بأن صالح يطمع في أن يختاره بوتفليقة لخلافته».

* تفكيك «الجهاز»
بدأت القرارات الصاروخية في السقوط على رأس مدير المخابرات، الواحدة بعد الأخرى.
أولها وأخطرها كان حرمان «الجهاز» من الشرطة القضائية، العصا التي قادت تحقيقات في أكبر قضايا الفساد التي تورَط فيها مسؤولون بارزون في الدولة. وكان «ذنب توفيق الأعظم» أن شرطته حشرت أنفها في فضائح شركة المحروقات «سوناطراك»، وأفضى التحقيق إلى اتهام شكيب خليل وزير الطاقة المتنحّي حديثًا – في حينه – بالتورّط بعمولات ورشى دُفعت في إطار صفقة مع شركة «سايبام»، فرع عملاق الطاقة الإيطالي شركة إيني. وقدّم «توفيق» ملفًا عن الفضيحة إلى وزير العدل محمد شرفي، الذي أمر النيابة بإعداد مذكرة اعتقال دولية ضد شكيب خليل.
كل هذه التفاصيل جرت في فترة غياب بوتفليقة، وضد من؟ ضد صديق طفولته الذي ترجّاه في عام 1999 كي يغادر منصبه في البنك العالمي للإشراف على قطاع المحروقات بالجزائر. بل، والأدهى من ذلك، أن اسم السعيد بوتفليقة ورد في التحقيق على أساس أنه تقاضى رشوة مقابل التوسّط لدى مكتب دراسات عالمي ليأخذ حصّة من مشاريع نفطية في صحراء الجزائر.
وثارت ثائرة الرئيس عندما علم بأن أعزّ الناس إليه، شقيقه الأصغر، الذي يمارس وظيفة نائب رئيس جمهورية بشكل غير رسمي، مهدّد بالمتابعة وربما السجن. وعندها، قرر تنحية وزير العدل في أول تعديل حكومي، وزحزح ضباط المخابرات الذين أجروا التحقيق من وظائفهم بالعاصمة «فنفاهم» إلى مواقع في الولايات الداخلية، وأمر أيضًا بإبطال مذكرة الاعتقال بحجة أنها لم تستوفِ الشروط القانونية، كونها صدرت عن المحكمة الابتدائية، وليس من المحكمة العليا.. التي هي الجهة التي تقاضي أصحاب الوظائف السامية.
جاء بعدها إلغاء «وحدة الاتصال والبث» في المخابرات، التي كان يقودها «الكولونيل فوزي»، وعيّن «توفيق» في مؤسسات الإعلام. وأحال البعض على التقاعد الإجباري. ثم جرَد المخابرات من الإشراف على الأمن العسكري والرئاسي ومن التنصّت على مكالمات الوزراء والمسؤولين الكبار، وحلَ «مجموعة التدخل الخاصة» الأمنية، التي كانت القوة الضاربة للمخابرات أيام الصراع مع الإرهاب.
كل هذه الهياكل تم إلحاقها بقيادة الأركان، وبذلك أضحى قايد صالح «هيلمانًا» في الجيش. أما «الجهاز» فاحتفظ فقط بالأمن الداخلي والأمن الخارجي، أي بالحد الأدنى. ووصف الإعلام سلسلة الأحداث بـ«تفكيك جهاز المخابرات»، وعدَها بمثابة «عمل منظَم لإضعافه تحقيقا لغرض شخصي».
ويقول مراقبون تابعوا تلك التغييرات التي شهدتها البلاد، أن عملية «الضرب تحت الحزام» التي استهدفت «توفيق» بلغت المنعطف بمناسبة الهجوم غير المسبوق الذي وجهه رئيس حزب الأغلبية عمّار سعداني ضده. ففي مقابلة نارية مع صحيفة إلكترونية نشرت في فبراير (شباط) 2014، اتهمه بـ«إثارة القلاقل داخل الأحزاب» وبـ«العجز عن تجنيب الرئيس محاولة الاغتيال التي تعرض لها في 2007»، ودعاه إلى الاستقالة.
بقاء سعداني على رأس حزب الأغلبية، بعد هذا «الاعتداء» كان مؤشرًا قويًا على ضعف «توفيق». ويرى المراقبون أنفسهم أن أقوى ضربة تلقاها وبها وقّع الرئيس بوتفليقة «شهادة وفاته» كرئيس للمخابرات، كانت سجن رئيس قسم محاربة الإرهاب في المخابرات الجنرال حسّان يوم 27 أغسطس (آب) الماضي. فالرجل كان واحدًا من أبرز مساعديه، وتم الزج به في السجن ومنع محاميه من مقابلته. أما التهم الموجهة له فتبقى غامضة.

* توقّع عزل «توفيق»
تنبأ قطاع من المحللين على أثر هذه الأحداث، بأن تكون «الخطوة المقبلة تاريخية» عزل «توفيق»، وهو ما حصل فعلاً في 13 سبتمبر (أيلول) 2015. واستخلف بالرجل الثاني في المخابرات، مدير الأمن الداخلي سابقا اللواء عثمان طرطاق، المدعو «بشير» الذي عيَنه «توفيق» مساعدا له، غير أن بوتفليقة نحاه من المنصب عام 2014 وأحاله على التقاعد. لكنه عاد فجلبه إلى الرئاسة كمستشار أمني وكان يحضَره لخلافة «توفيق». وما يلفت الانتباه في هذا، أن «بشير» عاد إلى الخدمة بعد التقاعد، بينما أخرج «توفيق» إلى التقاعد بوضع حد لخدمته في الجيش.
الواقع انه لا يُعرف الشيء الكثير عن طرطاق، ما عدا كونه «شخصًا صلبًا مثل الصخر» لصلابته في مواجهة الجماعات المتطرفة أيام كان الإرهاب على وشك تحطيم الدولة. أما النتيجة التي توصل إليها المهتمون بهذه التطورات، فهي أن بوتفليقة تخلّص من شخص ضايقه كثيرًا، خاصة عندما تجرأ على التحقيق بشأن أخيه، وقدَر بأن الرئيس لا يصلح لولاية رابعة بسبب المرض.
غير أن أكثر ما يحير المراقبين حاليًا، هو كيف لرئيس ضعيف بدنيًا لم يخاطب الجزائريين منذ قرابة ثلاث سنوات ونصف بسبب المرض، أن يقدم على هذه المعركة ويخرج منها منتصرًا؟
الجواب عند البعض، أن بوتفليقة عزّز موقعه في الحكم بفضل «شراء ولاء» رئيس أركان الجيش (82 سنة) وكبار القادة العسكريين ممّن أبقاهم في مناصب المسؤولية، بينما يفترض أنهم تقاعدوا منذ سنين طويلة. ولم يتوقف «دهاء» بوتفليقة عند هذا الحد، بل إنه كسب ولاء قويًا وسط أكبر رجال الأعمال الذين دفعوا أموالاً طائلة في حملاته الانتخابية الأربع. وعلى رأس هؤلاء علي حداد، رئيس «منتدى رجال الأعمال»، وهو تكتل رساميل يضم نحو 20 رجل الأعمال قيمته تفوق 5 مليارات دولار أميركي.
هؤلاء يشكلون اليوم القوة المالية التي ترتكز عليها «جماعة الرئيس»، بينما تمثل رئاسة الأركان القوة المادّية، وهما، مجتمعَين، وظفهما بوتفليقة لتوجيه الضربة القاضية التي قهرت «توفيق».

* «مرحلة ما بعد بوتفليقة بدأت»
وقد عرض الدكتور حسني عبيدي، الباحث الجزائري ومدير «مركز الدراسات والأبحاث حول العالم العربي والمتوسط بجنيف»، رأيه في صحيفة محلية بخصوص مآلات الأحداث الأخيرة، فقال: «أعتقد أنه يجب عدم المبالغة في حجم إقالة الجنرال توفيق، لأننا حينها سنقع في مأزق الانتصارات الوهمية. لم يكن توفيق يشكّل كشخص تهديدًا لبوتفليقة، لكن استمرار الانسداد السياسي في الجزائر وغياب الرئيس (بداعي المرض) ومعه أي رؤية حقيقية لتسيير الدولة، مع تغول أصحاب النفوذ وضبابية عملية صناعة القرار في محيط الرئيس، إضافة إلى تغييرات حدثت في المؤسسة العسكرية والأمنية، (عوامل) تشكل سيناريو مخيفًا بالنسبة لمحيط الرئيس. لقد كان وضعًا يشجّع على تغيير مفاجئ في هرم السلطة أو انقلاب أبيض، خاصة أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر منذ انهيار أسعار النفط متّجه نحو مرحلة حرجة».
وبرأي عبيدي فقد «بدأ التحضير لما بعد بوتفليقة، وهذه المرة دون توفيق ولكن بضمانات قوية بعدم التعرّض له ولمحيطه بأي سوء. توفيق رحل عن المشهد السياسي في صمت مثلما بدأ مشواره، لكن من المؤكد أنه لن يكون آخر من يرحل». وتابع الباحث المقيم في سويسرا: «كان بالإمكان أن تمرّ هذه الإقالة دون أن تحدث ضجيجًا. لكن كونها تحصل في نظام سياسي مغلق وتستهدف أحد المكوّنات الأساسية لهذا النظام، يجعل منها منعطفًا سياسيًا بامتياز. ولأن النظام السياسي في الجزائر، منذ الاستقلال بُني على المقاربة الأمنية، فإن خروج المسؤول الأول (حارس الكهف) عن المنظومة الأمنية يكتسي أهمية بالغة. بمعنى أن الجنرال توفيق، بحكم الفترة الزمنية التي قضاها على رأس الأجهزة، ترك بصماته على كل شيء: العقيدة الأمنية واختيار الرجال وطبيعة الولاء وطريقة إدارة شؤون البلاد. ولكن تمثل إزاحة توفيق تحديًا إضافيًا للرئيس ومحيطه. فالقطب الرئاسي ممثلاً في بوتفليقة، لن يتحجّج بعد اليوم بتعدّد مراكز القرار السياسي والاقتصادي. إنه مطالب بمشروع للمجتمع يمهّد لدولة يحميها دستور جامع، يضمن الاستقرار الأمني والتوزيع العادل للثروات والمشاركة السياسية. أما التحدّي الثاني فيكمن في قدرة الرئيس على إعطاء نفَس جديد للجهاز الأمني، ليكون مؤسسة تحفظ أمن الدولة وليس أمن النظام ورموزه».
«مرحلة ما بعد بوتفليقة»، حديث يجري تداوله حاليًا في الأوساط السياسية والإعلامية. ولكن هل يعقل أن يرحل الرئيس عن الحكم، بعدما خاط على مقاسه كل شيء: السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والبرلمان والجيش برئاسة الأركان والمخابرات، وعالم المال والأعمال؟
في هذا الإطار، تقفز فرضيتان تبدوان الأقرب إلى المنطق: فإما أن يقرر الرئيس الاستمرار في الحكم متحدّيًا المرض والشكوك حول قدرته على تسيير دفة الحكم. وإما أن يختار مَن يخلفه ثم يعلن انتخابات مبكَرة. وفي هذا الإطار يرشح الملاحظون ثلاثة أشخاص: رئيس الوزراء عبد المالك سلاّل، ووزير الدولة مدير الديوان بالرئاسة أحمد أويحيى، و.. السعيد بوتفليقة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».