الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (1 - 9)

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات
TT

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

* كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة
* نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن ومحاولة ابتلاع الدولة

تبدأ «الشرق الأوسط» اعتبارا من اليوم نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» - والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله - سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
يقول المؤلف الذي أهدى كتابه إلى «أطفال درعا مفجري الثورة السورية»: «إن في هذا الكتاب كثيرا من السياسية وكثيرا من الاجتماع وكثيرا من الأحداث المؤلمة ولكن الأهم أنه إعادة اعتبار للفكر النظري والفلسفي في فضاء وواقع عربي صعدت فيه أصوات الضجيج دون اعتبار لهدوء الفكر وبصره».
للمؤلف هاني نسيره عدد من الكتب منها: الآيديولوجيا والقضبان: نحو أنسنة للفكر القومي العربي، والليبراليون الجدد في مصر إشكالات الخطاب والممارسة، وأزمة النهضة العربية وحرب الأفكار، والحنين إلى السماء والمتحولون دينيا ومذهبيا. كما شارك مع آخرين في عشرات الكتب حول الفكر العربي وحقوق الإنسان والتاريخ الثقافي، وله العديد من الدراسات حول الحركات الآيديولوجية والتيارات الفكرية والفلسفية العربية، ومئات المقالات نشرت بالعربية والإنجليزية في العديد من المواقع الأكاديمية العربية والغربية، وترجمت بعض أعماله للغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والفارسية.
وفيما يلي الحلقة الأولى من 9 حلقات تنشرها «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم:

* موضوع الكتاب
* يسعى هذا الكتاب لمراجعة 4 سنوات من الثورات العربية، بعد عام 2011 وحتى تاريخ تأليف هذا الكتاب، لعلها الأهم في تاريخ العرب الحديث، ونشير ابتداء أنه بينما حاولت الثورات العربية عند ولادتها استعادة روح الحداثة العربية واستئناف نهضتها العالقة والمأمولة، على حوامل معلوماتية ما بعد حداثية، إلا أن توترها البنيوي والفكري والفراغ الذي أعقبها وغياب الرأس أو العقل حيث كانت ثورات بلا رأس، أتت في حقبة ما بعد الآيديولوجيات، وصلت وتحاول التغلب عليها محطة الداعشية التي تهدد الحداثة العربية التي بدأت قبل قرنين من الزمان، كما أن غياب مقولات حاكمة ومائزة لها، جعلها سهلة السرقة والفشل في آن، وهو ما أنتج في النهاية موجات متتابعة لها..
ولكن على كل.. لا شك أن الثورات العربية حققت تغييرا ما، جزئيا أو كليا، في منطق السلطة، وفي علاقة الشعب بالحاكم والحاكم بالشعب، بل وفي علاقة السلطة بالدين والمجتمع، وتصالحت مع تطوراتها ومحطاتها التالية ثنائية الثورة والدولة، ولولا عوائق بنيوية فيها وخارجة عنها أعاقتها، نظرا لغياب رؤيتها وهشاشة وسيولة مرجعيتها، لتمت المصالحة بين هذه الثنائيات بشكل كامل، ولرأينا واقعا ومشهدا عربيا مختلفا عن هذه الحقبة الداعشية الراهنة.
4 سنوات و4 محطات: 4 سنوات، هي عمر الثورات العربية، يمكننا تقسيمها لـ4 محطات أو اتجاهات رئيسية، تداخلت مقولاتها وتصارعت فيها، بعد مرور المرحلة الأولى.

* المحطة الأولى:
* الولادة المدنية اللاعنفية: ويمكن أن نصفها بإرهاصات الربيع العربي وهي أقصر المحطات زمنا، وكانت أكثرها وعدا، ويمكن تحديدها بما شاهدته تونس بعد وفاة بوعزيزي في 17 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010، حتى هروب بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) والمظاهرات المصرية في 25 يناير حتى تخلي مبارك عن السلطة في 11 فبراير (شباط)، وكانت أطول في سوريا حيث اندلعت ثورة درعا البريئة في 15 مارس (آذار) سنة 2011 ولم تتم عسكرتها إلا مع المنشقين عن جيش بشار الأسد منذ أواخر يونيو (حزيران)، ورغم إرهاصاتها المبكرة في 14 فبراير باجتماع 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية، مطالبة بتنحي معمر القذافي، مؤكدين على حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام ثم اندلاعها في 17 فبراير سنة 2011 في ليبيا إلا أن قمع الأجهزة الأمنية ونظام القذافي حولها سريعا منذ البداية، وخاصة في بنغازي لحرب الأهلية، حتى سقوطه ومقتله في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

* المحطة الثانية:
* الصراع بين العسكرة وحكم الإسلاميين: كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا، حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة، رغم مصالحتها مع نظام القذافي واعتذارها عن سابق أفعالها ومجابهتها له، كما أنها بدأت مع اعتقال فتحي تربل محامي مذبحة أبو سليم (راح ضحيتها 1200 قتيل) في 15 فبراير التي كان عناصر الجماعة المقاتلة وغيرهم من الجهاديين ضحاياها، وكون هذه الجماعات هي من عانت في مذبحة أبو سليم المشار إليها في تسعينات القرن الماضي، وسوريا، فجاءت ردا على الميليشيات الطائفية التي استعان بها نظام بشار الأسد ورفضا للقمع الذي مارسته قواته، حين أصرت على إعدام الثورة واستخدمت القوات البرية في مايو (أيار) ثم الجوية في يونيو (حزيران)، وتلت ذلك باستخدام الكيماوي والبراميل الحارقة! ووجد الإسلاميون الليبيون فرصا كبيرة للصعود والسيطرة على المجلس الانتقالي ثم الفوز سياسيا ثم الانكسار والهزيمة والدخول في مرحلة صراع مع البرلمان المنتخب والحكومة الشرعية المنبثقة عنه في يونيو ويوليو (تموز) سنة 2014.
ويمنيا نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن، ومحاولة ابتلاع الدولة وهو ما كان بالتعاون والتحالف غير المعلن مع عدوهم السابق الرئيس السابق على عبد الله صالح، ونجحوا في السيطرة على المحافظة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) سنة 2014 في مراوغة واضحة ومكشوفة لابتلاع الدولة اليمنية وتحديد مسارها كما يشاءون..
وجد ربيع الجهاديين فرصة في ضعف الدولة وثغرات الفوضى والملاذات الآمنة، في الموجة الأولى من الثورات أو الموجة الثانية، ولكن بدأ ربيع الإسلام السياسي الذي هادنه ولم يصطدم به عبر الانتخابات التي تحالفا فيها تحالفات مؤقتة، أو عبر التحالف والتحول نحو الجهادية في بعض البلدان أبرزها ليبيا وبدرجة ما مصر، ولكن فشل الإسلام السياسي في أن يتجاوز فقه الجماعة نحو فقه الدولة فانقلب على الثورة وقواها وأصر على الانفراد بالحكم فسقط ممثله الأشهر وهو جماعة الإخوان سقوطا قسريا عنيفا، كما اضطر ممثله الأكثر مرونة منها للخروج خروجا ناعما في تونس، ولا زال التحالف الجهادي الإخواني في ليبيا يصارع للبقاء بأدوات العنف بعد خسارته الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، وهو ما سنفصله في هذا الكتاب في مواضعه.

* المحطة الثالثة:
* عودة الدولة والموجة الثانية من الثورات: وهو الحراك الذي مهد لانتهاء حكم الإسلاميين، الذين سعوا لإنشاء أنظمة شمولية دينية جديدة، عبر حراك شعبي أو خروج طوعي، وعودة الطلب على الدولة في هذه المرحلة التي يمكن التأريخ لها بـ30 يونيو مصريا، و23 أكتوبر سنة 2013 تونسيا، ويوليو سنة 2014 ليبيا وإن كان التحالف الإخواني الجهادي فيها وفي غيرها لا زال يصارع من أجل بقائه واسترداده السيطرة على السلطة والحكم فيها.
لم تولد هذه الموجة الثانية للثورات العربية إلا نتيجة لفشل الموجة الأولى في هذه البلاد، فاستدعت بعد فترة موجة ثانية في بعضها، تقدم فيها مطلب الاستقرار على مطلب الحرية ومطلب الأمن والدولة على مطلب الثورة والفوضى الخلاقة بعد أن تحولت لفوضى غير خلاقة، واستعادت فكرة النظام والدولة حضورا وشرعية سلبت منهما مع شعارات إسقاط النظام، في بواكير الثورات، بل وإسقاط بقاياه «فلول النظام» التي كانت شعارات حاكمة خلال المراحل الانتقالية الموجة الأولى لهذه الثورات بشكل كبير..

* المحطة الرابعة:
* زمن «داعش» وأخواتها: هذه المحطة أكثر صلابة، فقد اخترقت سوابقها، اخترقت الثورة السورية مبكرا، واستغل ظهورها نظام بشار الأسد، وقد ولدت بعد أن عسكر صراعه وانشق عنه عسكره، كما لا زالت تنازع الدول والثورات معا في عدد من البلدان، حيث تسعى لإقرار محطتها الخاصة «الخلافات والإمارات الدينية» مستغلة الأنظمة الهشة والبنى الفاشلة، في العراق وسوريا، وإرهاقا لغيرها.
ظهر تنظيم داعش في أبريل (نيسان) سنة 2013، بعد أن كان يحمل اسم «القاعدة في العراق»، وكان سوريًا جزءا من جبهة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، وكانت صحوته الأكبر عراقيا وسوريا في 9 و10 يونيو سنة 2014 حيث نجح في السيطرة على المحافظات السنية في العراق، ثم أعلن خلافته في 29 يونيو، وواصل تمدده سوريا وعراقيا وهدد دول الجوار، وطالب الجهاديات العالمية بمبايعته، واستنفر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد تواصل تهديداته وتمدداته للحرب عليه في العراق وسوريا معا.. وهو ما يجعله خاتمة غير مريحة وصادمة لـ4 سنوات من الثورات العربية، قد أعاقت الثورة السورية ووأدت كل وعود الربيع العربي، ولا زالت تفتحنا على أسئلة مفتوحة في صددها.
من خلال هذه المحطات نحاول هنا استخلاص قوانين لطفرة ما عرف بالثورات العربية، والتي لم يتوقع أحد شرقا وغربا انبجاسها، كما لم يتوقع صناع هذه الثورات ما بعدها، لعل مراجعة التاريخ ومراجعة المسارات يساعدنا في استكشافها لتجيب على الأسئلة الثقيلة التي لا نبوح بها من المسكوت عنه في فضاء وطني وإقليمي صار مهددا ومرتبكا بامتياز..

* الثورات آحاد وليست واحدة:
* كانت ثورات العرب التي اندلعت سنة 2011 آحادا ولم تكن واحدة، تشابهت واختلفت في المخاضات ولكن تعثرت جميعها في المسارات، فانتقلت من المدنية بمعناها الحرياتي إلى الأصولية في شكلها الدوغمائي والعنيف، كما انتقلت من المدنية بمعناها اللاعنفي إلى فوضى السلاح والتنظيمات والميليشيات وهو ما مثل مخاض موجتها الثانية التي أشرنا إليها وفقدان جاذبيتها ونموذجها لدى الشعوب التي عاشت أو لم تعش تجربتها.
وأول دروس وقوانين هذه الثورات العربية أنها حققت نجاحها بالإجماع الثوري وروح التوافق، ولكن بعد نجاحها انتقلت إلى نزوعات الهيمنة والاحتكار والإقصاء من قبل من يملكون السلاح أو التنظيم! واستمر الشتات المدني في عدد منها غير قادر على تحقيق ما رمت إليه وحلمت به.
وصلنا لمرحلة خطيرة، غدا ممكنا وجائزا فيها الحديث عن دبلوماسية عشوائية بين دول وبين مجموعات مسلحة صغيرة تسيطر على مناطق ما، أو تقوم بعمليات خطف لدبلوماسيين وسفراء، كما حدث في ليبيا، حادث خطف ثم استعادة سفير المملكة الأردنية الهاشمية في 15 أبريل سنة 2014، وحدث مع نيف وعشرين دبلوماسيا آخرين من قبل الميليشيات المسيطرة في غرب ليبيا خلال العامين المنصرمين، 2013 و2014، تمددت فيها التنظيمات في عالم الواقع، على الفيسبوكيات والنخب المنعزلة في العالم الافتراضي.
أخطر ما كان في هذه الثورات، واعتبره البعض - أسفا - ميزة لها، أنها كانت ثورات بلا عقل أي بلا فلسفة للثورة، احتجاجية فقط في دعواها، كما كانت أيضا بلا رأس..أي بلا زعيم.. وإن التمس لها الكثيرون في فضاء المواقع التواصلية، «فيسبوك» و«تويتر»، زعيما أو زعماء، كما طرح البعض الآخر وجوها سريعا ما تبخرت واندثرت أو آثرت العزلة، ولم تكن إلا التنظيمات ومرشدوها الأقدر على إثبات قيادتها، فقد حضرت بعد النجاح مرحلة الفرز السياسي حيث التنظيمات والآيديولوجيات، التي تنتصر بقوانين الواقع لا قوانين العالم الافتراضي، ولا تصمد أمامها شظاياه التواصلية غير المنظمة المتاحة للجميع مؤمنا بالحداثة التي أنتجتها أم كافرا بها..
من الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المراقبين للثورات العربية أنهم قرأوها ابتهاجا ما بعد حداثيا دون انتباه لبنيويتها وواقعها وتوتراتها التي أنتجت حالة ما قبل حداثية في النهاية، تستعصي على البنية والتنظيم وتهدد فكرة الاستقرار ودولة القانون لتصعد مكانها إمارة دينية أو سلطة جماعة دون الجميع.
وكذلك قراءتها كحالة واحدة، وعدم قراءتها آحادا، فقد اختلفت طولا وقصرا، انسيابا وتعثرا من بلد لآخر، بحكم بنيوية وطبيعة الأنظمة حينا وبنيوية وخارطة المعارضة حينا آخر، اختلفت حين صدرت من الميدان الواحد (التحرير – القصبة)، وحين صدرت من ميادين وأزقة متفرقة (مثال الحالة السورية)، كما اختلفت حين تصدر تظاهراتها المدنيون والإجماع الثوري في البداية، عنها حين حضر الفرز الآيديولوجي والمدني/ الإسلامي عند انطلاقها وهو ما أعاق بعضها.. كما اختلفت حسب خارطة المواقف في الداخل وخارطة المواقف في الخارج، وكانت كل ثورة تؤثر مباشرة وبشكل غير مباشر في التي بعدها.. هذا الاختلاف وهذه العوامل وحدها - كما سيوضح هذا الكتاب - هو ما يفسر اختلاف خرائطها الانتقالية وموجاتها الثانية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن، ولا زالت تعالج تعثر موجتها الأولى في سوريا..
لم ينتبه الفاعلون في الثورات المدنية للبعد السياسي والاجتماعي الخطير في مقولة إسقاط النظام، أو إقصاء فلوله وأنصاره! فكان الانتقال انتقاما متبادلا أحيانا كثيرة، يفتقد لأول مبادئ العدالة الانتقالية ذاتها، وهي المصالحة وكشف الحقيقة..
كانت تجربة الثورات العربية وموجتها الأولى مختلفة عن ثورة مانديلا، الذي كان أكثر نجاحا.. كانت الثورات دعوات انتقال مشروعة في بلدانها ولكن تعثرت في بعضها بفعل طبيعة الفاعلين فيها حينا وطبيعة الأنظمة التي واجهتها حينا.. وتحولت بعد النجاح من ثورات مدنية إلى ربيع إخواني أو جهادي..! مصريا وليبيا وتونسيا..
وبعد هذا التحول من المدني إلى الديني ومن السلمي إلى الإقصائي والعنيف صعد التساؤل: أين ذهب شباب هذه الثورات؟ ولماذا تعثرت وتحولت الموجة الأولى لهذه الثورات لفوضى غير خلاقة، مصريا وتونسيا وليبيا استدعت موجة ثورية ثانية ضد مخرجاتها وانحرافاتها ضد العسكرية واستعادة الاستبداد، كانت تعديلا أو تصحيحا للسابق، وثالثة ورابعة اشتعلت شرارتها شعبيا ومؤسساتيا في مصر في 30 يونيو 2012 خرج الإخوان ومرشحهم على أثرها قسرا من الحكم، بينما خرجت حركة النهضة التونسية من الحكومة خروجا ناعما في 14 يناير (كانون الثاني) سنة 2014، ورفض إسلاميو ليبيا الخروج عبر صناديق الانتخابات بعد انتهاء مدة المؤتمر الوطني العام الذي كانوا يسيطرون عليه، ولا زالت هذه الموجة الثانية تعاني مخاضا صعبا للسيطرة على الأمور ليبيًا بالخصوص، ومصريا وتونسيا بدرجة أقل.
هذا بينما لا تزال الثورة السورية تعالج تعثرها بعد أن أنتجت دموية الأسد والانشقاقات عليه عسكرتها في البداية، وأنتجت صحوة «النصرة» و«داعش»، التي تشربت نموها عراقيا من سياسات رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري المالكي، وأخذت شرعيتها كجهادية سنية من القمع والتمييز الطائفي والاستعانة بالميليشيات والجهاديات الشيعية الموالية لهما.. ولكنها أعاقت الثورة واستهدفت قواها المعتدلة وأعطت للأسد الذي لم تستهدفه غير شرعية جديدة! وهو للأسف ما أدركته الولايات المتحدة متأخرا كما أتى في خطاب أوباما في مايو سنة 2014.

* المؤتلف والمختلف: مسارات ومآلات الثورات العربية
* إذا كان عام 2011 هو عام الثورات العربية ووعود ربيعها المنتظر.. فإن عام 2012 كان اختبارها الصعب الذي تعثرت فيه مساراتها، واتجهت بقوة نحو العسكرة وسيطرة الإسلاميين والجهاديين، وكان عام 2013 هو إعلان نتائج موجتها الثانية في البلدان التي نجحت فيها، ثم كان العام الرابع عام 2014 هو عام صعود الإرهاب كتحد كبير لها جميعا، مصريا وليبيا ويمنيا وسوريا الذي استمر تحديا مضافا مع بقاء نظامها الذي ما زال يصر على البقاء..
ولكن بينما صار الواقع أفظع وأسوأ من سابق الثورات في بعض البلدان، بل ثمة نوستالجيا صاعدة لعودة الأنظمة التي سقطت بفعلها في بعض البلدان، أو لحد أبعد بعودة الملكية في الدول التي أسقطت ثورات الضباط في الخمسينات والستينات في القرن الماضي، وهو ما يعبر في حقيقته عن عمق الأزمة والفشل والمخاطر المختلفة، أمنية أو اقتصادية أو طائفية، وفقدت الثورات جاذبية التصدير، وصارت شعاراتها وأسئلتها على شفا التبخر، كما تبخر شبابها ذاتيا، في ظل الطلب على الدولة والأمن والمصالحة بينها وبين الثورات، لتعود نفس الأسئلة التي طرحت في بداية نهضتنا قبل قرنين من الزمان!
سؤال النهضة والحداثة! وعلاقتها بالدين، وكما كانت بعض القوى التقليدية والأصولية والعنيفة عائقا أوليا في بناء النهضة ومساراتها وتحقيق وعودها كانت بعض الحركات الأصولية السياسية والعنفية كذلك سببا رئيسيا من فشل الربيع العربي وتحقيق وعوده! وتسعى هذه الدراسة التي كتبت عام 2013 قبل سقوط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي لمحاولة تفسير التشابه والاختلاف في مسار الثورات العربية حتى تاريخها..
لكن بنية هذا الزلزال بوعزيزية اجتماعية وليست فيسبوكية في المقام الأول، كما أراد البعض تسطيحها، انطلقت شرارتها من الجسد البوعزيزي المنهك في 17 ديسمبر سنة 2010 وآتت ثمارها - أو أهدافها - برحيل زين العابدين بن علي في 14 يناير سنة 2011، وامتدت إلهاماتها وتداعياتها مصريا لتنطلق شرارتها في 16 يناير بمحاولات ستة أفراد مصريين حرق أجسادهم لتكون شرارة ثورية مصرية، التقطها عدد من شباب المواقع التواصلية لتلتهب الشرارة اجتماعيا وتكون ثورة 25 يناير سنة 2011 التي انتهت برحيل مبارك في 11 فبراير، لتنتقل الشرارة بعد ذلك إلى ليبيا التي اشتعلت شراراتها في 17 فبراير سنة 2011 في ذكرى مذبحة سجن أبو سليم في مصراتة وانتشرت انتفاضات مدنها مع استمرار التجاوزات الأمنية لنظام القذافي السابق[1].
انتقلت الشرارة بهدوء لسوريا حين حمل لواءها ببراءة وشجاعة أطفال درعا في 15 مارس سنة 2011 وكتبوا الشجاعة وكسروا الخوف قبل الشيوخ على جدران مدارسهم «ارحل يا دكتور» فاستقبلتهم آلة النظام البعثي الغبية، واستمرت مدينتهم تناضل وحدها شهورا، حتى انتقلت الثورة إلى جميع أنحاء سوريا!! ولكن لم تتحقق أهدافها بعد رغم فقدانه السيطرة على معظم الأرض السورية، وتدخل الثورة عامها الرابع بلا نجاح، وصار المشهد فيها حربا أهلية بين النظام والإرهاب المتمثل في «داعش» وأخواتها كـ«النصرة» و«جند الأقصى» و«الحسبة» من جهة، وفصائل الثورة المعتدلة غير المدعومة خارجيا من جهة أخرى، في مشهد ميليشياوي صراعي بين الميليشيات الطائفية المؤيدة له أو المعادية للثورة في عمومها، زاد منه تقدم «داعش» وارتباكات القوى الإقليمية والتعاطي الدولي وكذلك أداء المعارضة السياسي الذي لا زال ذاتيا واستعراضيا في كثير منه ومشتتا في مجموعاته.
لم تكن ثورات فيسبوكية أو تواصلية في عمقها وميلادها بل كانت القابلية للثورة ساكنة خفية في طبقات عميقة، اجتماعية وسياسية وتواصلية، من وجدان وعقول الشعوب، لم تستطع مراكز التفكير ولا الدوائر الاستخبارية التنبؤ به، كان القرار بوعزيزيا - ولم يكن أميركيا - حين أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا وغضبا في سيدي بوزيد، وتوالت الأحداث ليفاجأ الجميع بهروب بن علي وأسرته وأصهاره في 14 يناير من نفس العام، وهو الهروب الذي تكرر مشهده بعد ذلك.
لا نرى شرعية لتصريحات بعض بقايا الآيديولوجيين الذين رحبوا بثورات مصر وتونس وتوقفوا خاصة أمام الثورة السورية محاولين ترويج خيالات تفكيرهم التآمري بأنها سايكس بيكو جديد لتقسيم المنطقة ليس أكثر![2]. رغم ذلك لا ينكر أنه مع طول بعض الثورات ولجوء القذافي وبشار الأسد إلى حرب شعبيهما، وكذلك تحول اليمن لما يشبه الحرب الأهلية قبل رحيل صالح وفق المبادرة الخليجية، بانشقاق الفرقة الأولى مدرع، التي كان يقودها رفيق صالح السابق، اللواء المنشق علي محسن الأحمر بعد مجزرة جمعة الكرامة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء في 18 مارس سنة 2011، وهكذا كانت العسكرة في مسار الثورات العربية من انشقاقات الجيوش على قادتها في سوريا واليمن وليبيا، ثم مع الاستنفار الآيديولوجي والشعبوي الديني والطائفي في هذه المناطق وغيرها.
لم تقف القوى الدولية والإقليمية مكتوفة الأيدي تأييدا أو معارضة، أو توسطا لحل أو تدخل، مع مفاجأة الثورتين الكبيرتين في تونس ومصر، ولكن مع طول الثورات، واستخدام العنف المفرط من القذافي والأسد وصالح في اليمن، كان التدخل عبر وسائله المختلفة.
كذلك يمكن القول إنه لم تقف القوى الدولية مكتوفة الأيدي من السلطات الناشئة الحاكمة فيما بعد الثورات، التي تتعارض مع بعضها آيديولوجيا وتهدد أو تهادن مصالح البعض الآخر، وهو ما يمكن أن يفسر قرار البرلمان الأوروبي في 14 مارس سنة 2013 على دعوة وقف منح مصر المزيد من المساعدات إلى السلطة الانتقالية في مصر؛ حتى يتحقق التقدم واحترام حقوق الإنسان وحرية الدين واحترام المرأة[3] وكانت المواقف الدولية أكثر وضوحا وتباينا في الموجة الثانية التصحيحية بعد سيطرة الإسلاميين، وبينما وقفت السعودية والإمارات والكويت والبحرين موقفا مؤيدا لحراك 30 يونيو في مصر بكل قوة وسند ودعم مادي ومعنوي ودولي، بعد أن ناصبها حكم الإخوان العداء ووجه لها سهام عنفه الكلامي والعملي، وحالفته في ذلك دولة قطر التي عدلت بعض مواقفها بعد اتفاق الرياض عام 2014، مر الموقف الأميركي والأوروبي بمراحل في تأييدها رغم انتقاداته لحكم الإخوان ورغم كثرة التوقعات بسقوطه وعواقبه الوخيمة على مصر، حين أتى بديمقراطية لم يلتزم بها ودستورية كان أول من أسقطها!
نرفض وهما يسكن طرفا من الوعي العربي أننا الفاعلون وحدنا، وغيرنا مفعول به، وفق الاستعلاء الآيديولوجي أو العزلة اللاشعورية، وأننا نعيش في العالم وحدنا، كما نرفض الطرف المضاد الذي يختصرنا في المفعولية فقط، وفق نظرية المؤامرة التي تديرنا وتصنع لنا فشلنا دون التفات لمسؤولية منا.
وما نريده هنا تأكيد المجتمعات على أنه في حال الثورات تكون فاعلا أولا وليس مفعولا به، ولا يمكن تفسير الثورات العربية في السياقات الدولية والإقليمية وفق خشبية الحديث عن مؤامرة سابقة ولاحقة أنتجتها واستولدتها من عربة بوعزيزي أو شظية فيسبوكية، لكن التدخل والضغط الدولي لا يمكن إنكار جدواه في نجاحات بعضها، أو رسم خارطة الطريق الانتقالية في اليمن أو ليبيا التي كان من الممكن أن يحرقهما الاحتراب الأهلي بين المجموعات المسلحة لسنوات طويلة، ولعل تأخره هو ما أتاح مثول هذا الخطر في المشهد السوري الآن، وهو ما أقرت به هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في مذكراتها التي نشرتها عام 2014[4]، فما كان من انتشار جديد لمجموعات «القاعدة» أو تنظيمها فيها، مثلت «داعش» وأخواتها فيما بعد، إلا نتيجة للفظائع السورية واللعب بالورقة الدينية إيرانيا، والتمددات في الفراغ، وهو ما فجر هواجس لا تنتهي من الصراع المسلح بعد سقوط نظام الأسد كما هو ماثل من أجل إسقاطه.
ولكن مع عودة الصراع الأهلي والحزبي المسلح بين الفرقاء في ليبيا واليمن خلال عام 2014 بعد انتهاء صلاحية المؤتمر الوطني الليبي العام في فبراير من نفس العام، وإرادة الإسلاميين المسيطرين عليه الاستمرار بالقوة، لحين عقد انتخابات جديدة، وبعد أن حدث هذا وخسارتهم إياها في يونيو لم يستجيبوا للحوار وقرروا الدخول في صراع ضد البرلمان والحكومة المنتخبة، وهو ما نراه شبيها بما حدث في اليمن من قبل جماعة الحوثي التي تحركت منذ بدية عام 2014 للسيطرة على المدن باتجاه صنعاء التي سيطرت عليها في 21 سبتمبر من نفس العام، وتراوغ في تسليم أسلحتها مصرة على أن الطائفة قبل الوطن بالنسبة لها. هكذا صنعت مسارات الثورات العربية مآلاتها، مؤكدة أن الشعارات أوضح في مخاض الثورات والانتفاضات من الاستراتيجيات! والشعارات تصنع إجماعها وجماهيرها ولكن الاستراتيجيات والحسابات تصنعها تنظيماتها وقواعدها المؤمنة بها أو المستفيدة منها، والتي تظل تفكر تنظيما لا وطنيا، فتكون الجماعة قبل الدولة في مصر في عهد الإخوان وحلفائهم، وكذلك تكون في فكر «النصرة» و«داعش» التي تصر على الصدام المستمر مع فصائل الثورة المعتدلة، كما كان في جبل الزاوية أو درعا في أكتوبر سنة 2014، مع تجنبها المتكرر للصدام مع نظام الأسد، أو التضامن والنصرة لفصائل الثورة في معاركها ضد بقاياه، بل تواتر الحديث عن تعاون في مجال النفط بين الأسد و«داعش»، وتنازلت «النصرة» في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عن شرط انسحاب حزب الله من سوريا، في شروطها لإطلاق سراح الجنود المخطوفين.

* (يتبع غدا بالحلقة الثانية)
* ينشر بترتيب مع «وكالة الأهرام للصحافة»



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.