الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (1 - 9)

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات
TT

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

الحلقة (1): اتجاهات الثورات العربية في 4 سنوات

* كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة
* نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن ومحاولة ابتلاع الدولة

تبدأ «الشرق الأوسط» اعتبارا من اليوم نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» - والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله - سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.
يقول المؤلف الذي أهدى كتابه إلى «أطفال درعا مفجري الثورة السورية»: «إن في هذا الكتاب كثيرا من السياسية وكثيرا من الاجتماع وكثيرا من الأحداث المؤلمة ولكن الأهم أنه إعادة اعتبار للفكر النظري والفلسفي في فضاء وواقع عربي صعدت فيه أصوات الضجيج دون اعتبار لهدوء الفكر وبصره».
للمؤلف هاني نسيره عدد من الكتب منها: الآيديولوجيا والقضبان: نحو أنسنة للفكر القومي العربي، والليبراليون الجدد في مصر إشكالات الخطاب والممارسة، وأزمة النهضة العربية وحرب الأفكار، والحنين إلى السماء والمتحولون دينيا ومذهبيا. كما شارك مع آخرين في عشرات الكتب حول الفكر العربي وحقوق الإنسان والتاريخ الثقافي، وله العديد من الدراسات حول الحركات الآيديولوجية والتيارات الفكرية والفلسفية العربية، ومئات المقالات نشرت بالعربية والإنجليزية في العديد من المواقع الأكاديمية العربية والغربية، وترجمت بعض أعماله للغات الإنجليزية والفرنسية والتركية والفارسية.
وفيما يلي الحلقة الأولى من 9 حلقات تنشرها «الشرق الأوسط» ابتداءً من اليوم:

* موضوع الكتاب
* يسعى هذا الكتاب لمراجعة 4 سنوات من الثورات العربية، بعد عام 2011 وحتى تاريخ تأليف هذا الكتاب، لعلها الأهم في تاريخ العرب الحديث، ونشير ابتداء أنه بينما حاولت الثورات العربية عند ولادتها استعادة روح الحداثة العربية واستئناف نهضتها العالقة والمأمولة، على حوامل معلوماتية ما بعد حداثية، إلا أن توترها البنيوي والفكري والفراغ الذي أعقبها وغياب الرأس أو العقل حيث كانت ثورات بلا رأس، أتت في حقبة ما بعد الآيديولوجيات، وصلت وتحاول التغلب عليها محطة الداعشية التي تهدد الحداثة العربية التي بدأت قبل قرنين من الزمان، كما أن غياب مقولات حاكمة ومائزة لها، جعلها سهلة السرقة والفشل في آن، وهو ما أنتج في النهاية موجات متتابعة لها..
ولكن على كل.. لا شك أن الثورات العربية حققت تغييرا ما، جزئيا أو كليا، في منطق السلطة، وفي علاقة الشعب بالحاكم والحاكم بالشعب، بل وفي علاقة السلطة بالدين والمجتمع، وتصالحت مع تطوراتها ومحطاتها التالية ثنائية الثورة والدولة، ولولا عوائق بنيوية فيها وخارجة عنها أعاقتها، نظرا لغياب رؤيتها وهشاشة وسيولة مرجعيتها، لتمت المصالحة بين هذه الثنائيات بشكل كامل، ولرأينا واقعا ومشهدا عربيا مختلفا عن هذه الحقبة الداعشية الراهنة.
4 سنوات و4 محطات: 4 سنوات، هي عمر الثورات العربية، يمكننا تقسيمها لـ4 محطات أو اتجاهات رئيسية، تداخلت مقولاتها وتصارعت فيها، بعد مرور المرحلة الأولى.

* المحطة الأولى:
* الولادة المدنية اللاعنفية: ويمكن أن نصفها بإرهاصات الربيع العربي وهي أقصر المحطات زمنا، وكانت أكثرها وعدا، ويمكن تحديدها بما شاهدته تونس بعد وفاة بوعزيزي في 17 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2010، حتى هروب بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) والمظاهرات المصرية في 25 يناير حتى تخلي مبارك عن السلطة في 11 فبراير (شباط)، وكانت أطول في سوريا حيث اندلعت ثورة درعا البريئة في 15 مارس (آذار) سنة 2011 ولم تتم عسكرتها إلا مع المنشقين عن جيش بشار الأسد منذ أواخر يونيو (حزيران)، ورغم إرهاصاتها المبكرة في 14 فبراير باجتماع 213 شخصية ممثلة لمجموعة من الفصائل والقوى السياسية والتنظيمات والهيئات الحقوقية الليبية، مطالبة بتنحي معمر القذافي، مؤكدين على حق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه بمظاهرات سلمية دون أي مضايقات أو تهديدات من قبل النظام ثم اندلاعها في 17 فبراير سنة 2011 في ليبيا إلا أن قمع الأجهزة الأمنية ونظام القذافي حولها سريعا منذ البداية، وخاصة في بنغازي لحرب الأهلية، حتى سقوطه ومقتله في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

* المحطة الثانية:
* الصراع بين العسكرة وحكم الإسلاميين: كانت العسكرة مبكرة في مساري الثورة الليبية والسورية تحديدا، حيث برزت في الأولى عناصر الجماعة الإسلامية المقاتلة، رغم مصالحتها مع نظام القذافي واعتذارها عن سابق أفعالها ومجابهتها له، كما أنها بدأت مع اعتقال فتحي تربل محامي مذبحة أبو سليم (راح ضحيتها 1200 قتيل) في 15 فبراير التي كان عناصر الجماعة المقاتلة وغيرهم من الجهاديين ضحاياها، وكون هذه الجماعات هي من عانت في مذبحة أبو سليم المشار إليها في تسعينات القرن الماضي، وسوريا، فجاءت ردا على الميليشيات الطائفية التي استعان بها نظام بشار الأسد ورفضا للقمع الذي مارسته قواته، حين أصرت على إعدام الثورة واستخدمت القوات البرية في مايو (أيار) ثم الجوية في يونيو (حزيران)، وتلت ذلك باستخدام الكيماوي والبراميل الحارقة! ووجد الإسلاميون الليبيون فرصا كبيرة للصعود والسيطرة على المجلس الانتقالي ثم الفوز سياسيا ثم الانكسار والهزيمة والدخول في مرحلة صراع مع البرلمان المنتخب والحكومة الشرعية المنبثقة عنه في يونيو ويوليو (تموز) سنة 2014.
ويمنيا نجح الحوثيون منذ أوائل عام 2014 في عسكرة المسار وإعاقة التحول في اليمن، ومحاولة ابتلاع الدولة وهو ما كان بالتعاون والتحالف غير المعلن مع عدوهم السابق الرئيس السابق على عبد الله صالح، ونجحوا في السيطرة على المحافظة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) سنة 2014 في مراوغة واضحة ومكشوفة لابتلاع الدولة اليمنية وتحديد مسارها كما يشاءون..
وجد ربيع الجهاديين فرصة في ضعف الدولة وثغرات الفوضى والملاذات الآمنة، في الموجة الأولى من الثورات أو الموجة الثانية، ولكن بدأ ربيع الإسلام السياسي الذي هادنه ولم يصطدم به عبر الانتخابات التي تحالفا فيها تحالفات مؤقتة، أو عبر التحالف والتحول نحو الجهادية في بعض البلدان أبرزها ليبيا وبدرجة ما مصر، ولكن فشل الإسلام السياسي في أن يتجاوز فقه الجماعة نحو فقه الدولة فانقلب على الثورة وقواها وأصر على الانفراد بالحكم فسقط ممثله الأشهر وهو جماعة الإخوان سقوطا قسريا عنيفا، كما اضطر ممثله الأكثر مرونة منها للخروج خروجا ناعما في تونس، ولا زال التحالف الجهادي الإخواني في ليبيا يصارع للبقاء بأدوات العنف بعد خسارته الانتخابات البرلمانية في يونيو 2014، وهو ما سنفصله في هذا الكتاب في مواضعه.

* المحطة الثالثة:
* عودة الدولة والموجة الثانية من الثورات: وهو الحراك الذي مهد لانتهاء حكم الإسلاميين، الذين سعوا لإنشاء أنظمة شمولية دينية جديدة، عبر حراك شعبي أو خروج طوعي، وعودة الطلب على الدولة في هذه المرحلة التي يمكن التأريخ لها بـ30 يونيو مصريا، و23 أكتوبر سنة 2013 تونسيا، ويوليو سنة 2014 ليبيا وإن كان التحالف الإخواني الجهادي فيها وفي غيرها لا زال يصارع من أجل بقائه واسترداده السيطرة على السلطة والحكم فيها.
لم تولد هذه الموجة الثانية للثورات العربية إلا نتيجة لفشل الموجة الأولى في هذه البلاد، فاستدعت بعد فترة موجة ثانية في بعضها، تقدم فيها مطلب الاستقرار على مطلب الحرية ومطلب الأمن والدولة على مطلب الثورة والفوضى الخلاقة بعد أن تحولت لفوضى غير خلاقة، واستعادت فكرة النظام والدولة حضورا وشرعية سلبت منهما مع شعارات إسقاط النظام، في بواكير الثورات، بل وإسقاط بقاياه «فلول النظام» التي كانت شعارات حاكمة خلال المراحل الانتقالية الموجة الأولى لهذه الثورات بشكل كبير..

* المحطة الرابعة:
* زمن «داعش» وأخواتها: هذه المحطة أكثر صلابة، فقد اخترقت سوابقها، اخترقت الثورة السورية مبكرا، واستغل ظهورها نظام بشار الأسد، وقد ولدت بعد أن عسكر صراعه وانشق عنه عسكره، كما لا زالت تنازع الدول والثورات معا في عدد من البلدان، حيث تسعى لإقرار محطتها الخاصة «الخلافات والإمارات الدينية» مستغلة الأنظمة الهشة والبنى الفاشلة، في العراق وسوريا، وإرهاقا لغيرها.
ظهر تنظيم داعش في أبريل (نيسان) سنة 2013، بعد أن كان يحمل اسم «القاعدة في العراق»، وكان سوريًا جزءا من جبهة النصرة المرتبطة بـ«القاعدة»، وكانت صحوته الأكبر عراقيا وسوريا في 9 و10 يونيو سنة 2014 حيث نجح في السيطرة على المحافظات السنية في العراق، ثم أعلن خلافته في 29 يونيو، وواصل تمدده سوريا وعراقيا وهدد دول الجوار، وطالب الجهاديات العالمية بمبايعته، واستنفر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد تواصل تهديداته وتمدداته للحرب عليه في العراق وسوريا معا.. وهو ما يجعله خاتمة غير مريحة وصادمة لـ4 سنوات من الثورات العربية، قد أعاقت الثورة السورية ووأدت كل وعود الربيع العربي، ولا زالت تفتحنا على أسئلة مفتوحة في صددها.
من خلال هذه المحطات نحاول هنا استخلاص قوانين لطفرة ما عرف بالثورات العربية، والتي لم يتوقع أحد شرقا وغربا انبجاسها، كما لم يتوقع صناع هذه الثورات ما بعدها، لعل مراجعة التاريخ ومراجعة المسارات يساعدنا في استكشافها لتجيب على الأسئلة الثقيلة التي لا نبوح بها من المسكوت عنه في فضاء وطني وإقليمي صار مهددا ومرتبكا بامتياز..

* الثورات آحاد وليست واحدة:
* كانت ثورات العرب التي اندلعت سنة 2011 آحادا ولم تكن واحدة، تشابهت واختلفت في المخاضات ولكن تعثرت جميعها في المسارات، فانتقلت من المدنية بمعناها الحرياتي إلى الأصولية في شكلها الدوغمائي والعنيف، كما انتقلت من المدنية بمعناها اللاعنفي إلى فوضى السلاح والتنظيمات والميليشيات وهو ما مثل مخاض موجتها الثانية التي أشرنا إليها وفقدان جاذبيتها ونموذجها لدى الشعوب التي عاشت أو لم تعش تجربتها.
وأول دروس وقوانين هذه الثورات العربية أنها حققت نجاحها بالإجماع الثوري وروح التوافق، ولكن بعد نجاحها انتقلت إلى نزوعات الهيمنة والاحتكار والإقصاء من قبل من يملكون السلاح أو التنظيم! واستمر الشتات المدني في عدد منها غير قادر على تحقيق ما رمت إليه وحلمت به.
وصلنا لمرحلة خطيرة، غدا ممكنا وجائزا فيها الحديث عن دبلوماسية عشوائية بين دول وبين مجموعات مسلحة صغيرة تسيطر على مناطق ما، أو تقوم بعمليات خطف لدبلوماسيين وسفراء، كما حدث في ليبيا، حادث خطف ثم استعادة سفير المملكة الأردنية الهاشمية في 15 أبريل سنة 2014، وحدث مع نيف وعشرين دبلوماسيا آخرين من قبل الميليشيات المسيطرة في غرب ليبيا خلال العامين المنصرمين، 2013 و2014، تمددت فيها التنظيمات في عالم الواقع، على الفيسبوكيات والنخب المنعزلة في العالم الافتراضي.
أخطر ما كان في هذه الثورات، واعتبره البعض - أسفا - ميزة لها، أنها كانت ثورات بلا عقل أي بلا فلسفة للثورة، احتجاجية فقط في دعواها، كما كانت أيضا بلا رأس..أي بلا زعيم.. وإن التمس لها الكثيرون في فضاء المواقع التواصلية، «فيسبوك» و«تويتر»، زعيما أو زعماء، كما طرح البعض الآخر وجوها سريعا ما تبخرت واندثرت أو آثرت العزلة، ولم تكن إلا التنظيمات ومرشدوها الأقدر على إثبات قيادتها، فقد حضرت بعد النجاح مرحلة الفرز السياسي حيث التنظيمات والآيديولوجيات، التي تنتصر بقوانين الواقع لا قوانين العالم الافتراضي، ولا تصمد أمامها شظاياه التواصلية غير المنظمة المتاحة للجميع مؤمنا بالحداثة التي أنتجتها أم كافرا بها..
من الخطأ الذي وقع فيه الكثير من المراقبين للثورات العربية أنهم قرأوها ابتهاجا ما بعد حداثيا دون انتباه لبنيويتها وواقعها وتوتراتها التي أنتجت حالة ما قبل حداثية في النهاية، تستعصي على البنية والتنظيم وتهدد فكرة الاستقرار ودولة القانون لتصعد مكانها إمارة دينية أو سلطة جماعة دون الجميع.
وكذلك قراءتها كحالة واحدة، وعدم قراءتها آحادا، فقد اختلفت طولا وقصرا، انسيابا وتعثرا من بلد لآخر، بحكم بنيوية وطبيعة الأنظمة حينا وبنيوية وخارطة المعارضة حينا آخر، اختلفت حين صدرت من الميدان الواحد (التحرير – القصبة)، وحين صدرت من ميادين وأزقة متفرقة (مثال الحالة السورية)، كما اختلفت حين تصدر تظاهراتها المدنيون والإجماع الثوري في البداية، عنها حين حضر الفرز الآيديولوجي والمدني/ الإسلامي عند انطلاقها وهو ما أعاق بعضها.. كما اختلفت حسب خارطة المواقف في الداخل وخارطة المواقف في الخارج، وكانت كل ثورة تؤثر مباشرة وبشكل غير مباشر في التي بعدها.. هذا الاختلاف وهذه العوامل وحدها - كما سيوضح هذا الكتاب - هو ما يفسر اختلاف خرائطها الانتقالية وموجاتها الثانية، من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن، ولا زالت تعالج تعثر موجتها الأولى في سوريا..
لم ينتبه الفاعلون في الثورات المدنية للبعد السياسي والاجتماعي الخطير في مقولة إسقاط النظام، أو إقصاء فلوله وأنصاره! فكان الانتقال انتقاما متبادلا أحيانا كثيرة، يفتقد لأول مبادئ العدالة الانتقالية ذاتها، وهي المصالحة وكشف الحقيقة..
كانت تجربة الثورات العربية وموجتها الأولى مختلفة عن ثورة مانديلا، الذي كان أكثر نجاحا.. كانت الثورات دعوات انتقال مشروعة في بلدانها ولكن تعثرت في بعضها بفعل طبيعة الفاعلين فيها حينا وطبيعة الأنظمة التي واجهتها حينا.. وتحولت بعد النجاح من ثورات مدنية إلى ربيع إخواني أو جهادي..! مصريا وليبيا وتونسيا..
وبعد هذا التحول من المدني إلى الديني ومن السلمي إلى الإقصائي والعنيف صعد التساؤل: أين ذهب شباب هذه الثورات؟ ولماذا تعثرت وتحولت الموجة الأولى لهذه الثورات لفوضى غير خلاقة، مصريا وتونسيا وليبيا استدعت موجة ثورية ثانية ضد مخرجاتها وانحرافاتها ضد العسكرية واستعادة الاستبداد، كانت تعديلا أو تصحيحا للسابق، وثالثة ورابعة اشتعلت شرارتها شعبيا ومؤسساتيا في مصر في 30 يونيو 2012 خرج الإخوان ومرشحهم على أثرها قسرا من الحكم، بينما خرجت حركة النهضة التونسية من الحكومة خروجا ناعما في 14 يناير (كانون الثاني) سنة 2014، ورفض إسلاميو ليبيا الخروج عبر صناديق الانتخابات بعد انتهاء مدة المؤتمر الوطني العام الذي كانوا يسيطرون عليه، ولا زالت هذه الموجة الثانية تعاني مخاضا صعبا للسيطرة على الأمور ليبيًا بالخصوص، ومصريا وتونسيا بدرجة أقل.
هذا بينما لا تزال الثورة السورية تعالج تعثرها بعد أن أنتجت دموية الأسد والانشقاقات عليه عسكرتها في البداية، وأنتجت صحوة «النصرة» و«داعش»، التي تشربت نموها عراقيا من سياسات رئيس الوزراء العراقي الراحل نوري المالكي، وأخذت شرعيتها كجهادية سنية من القمع والتمييز الطائفي والاستعانة بالميليشيات والجهاديات الشيعية الموالية لهما.. ولكنها أعاقت الثورة واستهدفت قواها المعتدلة وأعطت للأسد الذي لم تستهدفه غير شرعية جديدة! وهو للأسف ما أدركته الولايات المتحدة متأخرا كما أتى في خطاب أوباما في مايو سنة 2014.

* المؤتلف والمختلف: مسارات ومآلات الثورات العربية
* إذا كان عام 2011 هو عام الثورات العربية ووعود ربيعها المنتظر.. فإن عام 2012 كان اختبارها الصعب الذي تعثرت فيه مساراتها، واتجهت بقوة نحو العسكرة وسيطرة الإسلاميين والجهاديين، وكان عام 2013 هو إعلان نتائج موجتها الثانية في البلدان التي نجحت فيها، ثم كان العام الرابع عام 2014 هو عام صعود الإرهاب كتحد كبير لها جميعا، مصريا وليبيا ويمنيا وسوريا الذي استمر تحديا مضافا مع بقاء نظامها الذي ما زال يصر على البقاء..
ولكن بينما صار الواقع أفظع وأسوأ من سابق الثورات في بعض البلدان، بل ثمة نوستالجيا صاعدة لعودة الأنظمة التي سقطت بفعلها في بعض البلدان، أو لحد أبعد بعودة الملكية في الدول التي أسقطت ثورات الضباط في الخمسينات والستينات في القرن الماضي، وهو ما يعبر في حقيقته عن عمق الأزمة والفشل والمخاطر المختلفة، أمنية أو اقتصادية أو طائفية، وفقدت الثورات جاذبية التصدير، وصارت شعاراتها وأسئلتها على شفا التبخر، كما تبخر شبابها ذاتيا، في ظل الطلب على الدولة والأمن والمصالحة بينها وبين الثورات، لتعود نفس الأسئلة التي طرحت في بداية نهضتنا قبل قرنين من الزمان!
سؤال النهضة والحداثة! وعلاقتها بالدين، وكما كانت بعض القوى التقليدية والأصولية والعنيفة عائقا أوليا في بناء النهضة ومساراتها وتحقيق وعودها كانت بعض الحركات الأصولية السياسية والعنفية كذلك سببا رئيسيا من فشل الربيع العربي وتحقيق وعوده! وتسعى هذه الدراسة التي كتبت عام 2013 قبل سقوط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي لمحاولة تفسير التشابه والاختلاف في مسار الثورات العربية حتى تاريخها..
لكن بنية هذا الزلزال بوعزيزية اجتماعية وليست فيسبوكية في المقام الأول، كما أراد البعض تسطيحها، انطلقت شرارتها من الجسد البوعزيزي المنهك في 17 ديسمبر سنة 2010 وآتت ثمارها - أو أهدافها - برحيل زين العابدين بن علي في 14 يناير سنة 2011، وامتدت إلهاماتها وتداعياتها مصريا لتنطلق شرارتها في 16 يناير بمحاولات ستة أفراد مصريين حرق أجسادهم لتكون شرارة ثورية مصرية، التقطها عدد من شباب المواقع التواصلية لتلتهب الشرارة اجتماعيا وتكون ثورة 25 يناير سنة 2011 التي انتهت برحيل مبارك في 11 فبراير، لتنتقل الشرارة بعد ذلك إلى ليبيا التي اشتعلت شراراتها في 17 فبراير سنة 2011 في ذكرى مذبحة سجن أبو سليم في مصراتة وانتشرت انتفاضات مدنها مع استمرار التجاوزات الأمنية لنظام القذافي السابق[1].
انتقلت الشرارة بهدوء لسوريا حين حمل لواءها ببراءة وشجاعة أطفال درعا في 15 مارس سنة 2011 وكتبوا الشجاعة وكسروا الخوف قبل الشيوخ على جدران مدارسهم «ارحل يا دكتور» فاستقبلتهم آلة النظام البعثي الغبية، واستمرت مدينتهم تناضل وحدها شهورا، حتى انتقلت الثورة إلى جميع أنحاء سوريا!! ولكن لم تتحقق أهدافها بعد رغم فقدانه السيطرة على معظم الأرض السورية، وتدخل الثورة عامها الرابع بلا نجاح، وصار المشهد فيها حربا أهلية بين النظام والإرهاب المتمثل في «داعش» وأخواتها كـ«النصرة» و«جند الأقصى» و«الحسبة» من جهة، وفصائل الثورة المعتدلة غير المدعومة خارجيا من جهة أخرى، في مشهد ميليشياوي صراعي بين الميليشيات الطائفية المؤيدة له أو المعادية للثورة في عمومها، زاد منه تقدم «داعش» وارتباكات القوى الإقليمية والتعاطي الدولي وكذلك أداء المعارضة السياسي الذي لا زال ذاتيا واستعراضيا في كثير منه ومشتتا في مجموعاته.
لم تكن ثورات فيسبوكية أو تواصلية في عمقها وميلادها بل كانت القابلية للثورة ساكنة خفية في طبقات عميقة، اجتماعية وسياسية وتواصلية، من وجدان وعقول الشعوب، لم تستطع مراكز التفكير ولا الدوائر الاستخبارية التنبؤ به، كان القرار بوعزيزيا - ولم يكن أميركيا - حين أحرق محمد بوعزيزي نفسه احتجاجا وغضبا في سيدي بوزيد، وتوالت الأحداث ليفاجأ الجميع بهروب بن علي وأسرته وأصهاره في 14 يناير من نفس العام، وهو الهروب الذي تكرر مشهده بعد ذلك.
لا نرى شرعية لتصريحات بعض بقايا الآيديولوجيين الذين رحبوا بثورات مصر وتونس وتوقفوا خاصة أمام الثورة السورية محاولين ترويج خيالات تفكيرهم التآمري بأنها سايكس بيكو جديد لتقسيم المنطقة ليس أكثر![2]. رغم ذلك لا ينكر أنه مع طول بعض الثورات ولجوء القذافي وبشار الأسد إلى حرب شعبيهما، وكذلك تحول اليمن لما يشبه الحرب الأهلية قبل رحيل صالح وفق المبادرة الخليجية، بانشقاق الفرقة الأولى مدرع، التي كان يقودها رفيق صالح السابق، اللواء المنشق علي محسن الأحمر بعد مجزرة جمعة الكرامة في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء في 18 مارس سنة 2011، وهكذا كانت العسكرة في مسار الثورات العربية من انشقاقات الجيوش على قادتها في سوريا واليمن وليبيا، ثم مع الاستنفار الآيديولوجي والشعبوي الديني والطائفي في هذه المناطق وغيرها.
لم تقف القوى الدولية والإقليمية مكتوفة الأيدي تأييدا أو معارضة، أو توسطا لحل أو تدخل، مع مفاجأة الثورتين الكبيرتين في تونس ومصر، ولكن مع طول الثورات، واستخدام العنف المفرط من القذافي والأسد وصالح في اليمن، كان التدخل عبر وسائله المختلفة.
كذلك يمكن القول إنه لم تقف القوى الدولية مكتوفة الأيدي من السلطات الناشئة الحاكمة فيما بعد الثورات، التي تتعارض مع بعضها آيديولوجيا وتهدد أو تهادن مصالح البعض الآخر، وهو ما يمكن أن يفسر قرار البرلمان الأوروبي في 14 مارس سنة 2013 على دعوة وقف منح مصر المزيد من المساعدات إلى السلطة الانتقالية في مصر؛ حتى يتحقق التقدم واحترام حقوق الإنسان وحرية الدين واحترام المرأة[3] وكانت المواقف الدولية أكثر وضوحا وتباينا في الموجة الثانية التصحيحية بعد سيطرة الإسلاميين، وبينما وقفت السعودية والإمارات والكويت والبحرين موقفا مؤيدا لحراك 30 يونيو في مصر بكل قوة وسند ودعم مادي ومعنوي ودولي، بعد أن ناصبها حكم الإخوان العداء ووجه لها سهام عنفه الكلامي والعملي، وحالفته في ذلك دولة قطر التي عدلت بعض مواقفها بعد اتفاق الرياض عام 2014، مر الموقف الأميركي والأوروبي بمراحل في تأييدها رغم انتقاداته لحكم الإخوان ورغم كثرة التوقعات بسقوطه وعواقبه الوخيمة على مصر، حين أتى بديمقراطية لم يلتزم بها ودستورية كان أول من أسقطها!
نرفض وهما يسكن طرفا من الوعي العربي أننا الفاعلون وحدنا، وغيرنا مفعول به، وفق الاستعلاء الآيديولوجي أو العزلة اللاشعورية، وأننا نعيش في العالم وحدنا، كما نرفض الطرف المضاد الذي يختصرنا في المفعولية فقط، وفق نظرية المؤامرة التي تديرنا وتصنع لنا فشلنا دون التفات لمسؤولية منا.
وما نريده هنا تأكيد المجتمعات على أنه في حال الثورات تكون فاعلا أولا وليس مفعولا به، ولا يمكن تفسير الثورات العربية في السياقات الدولية والإقليمية وفق خشبية الحديث عن مؤامرة سابقة ولاحقة أنتجتها واستولدتها من عربة بوعزيزي أو شظية فيسبوكية، لكن التدخل والضغط الدولي لا يمكن إنكار جدواه في نجاحات بعضها، أو رسم خارطة الطريق الانتقالية في اليمن أو ليبيا التي كان من الممكن أن يحرقهما الاحتراب الأهلي بين المجموعات المسلحة لسنوات طويلة، ولعل تأخره هو ما أتاح مثول هذا الخطر في المشهد السوري الآن، وهو ما أقرت به هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، في مذكراتها التي نشرتها عام 2014[4]، فما كان من انتشار جديد لمجموعات «القاعدة» أو تنظيمها فيها، مثلت «داعش» وأخواتها فيما بعد، إلا نتيجة للفظائع السورية واللعب بالورقة الدينية إيرانيا، والتمددات في الفراغ، وهو ما فجر هواجس لا تنتهي من الصراع المسلح بعد سقوط نظام الأسد كما هو ماثل من أجل إسقاطه.
ولكن مع عودة الصراع الأهلي والحزبي المسلح بين الفرقاء في ليبيا واليمن خلال عام 2014 بعد انتهاء صلاحية المؤتمر الوطني الليبي العام في فبراير من نفس العام، وإرادة الإسلاميين المسيطرين عليه الاستمرار بالقوة، لحين عقد انتخابات جديدة، وبعد أن حدث هذا وخسارتهم إياها في يونيو لم يستجيبوا للحوار وقرروا الدخول في صراع ضد البرلمان والحكومة المنتخبة، وهو ما نراه شبيها بما حدث في اليمن من قبل جماعة الحوثي التي تحركت منذ بدية عام 2014 للسيطرة على المدن باتجاه صنعاء التي سيطرت عليها في 21 سبتمبر من نفس العام، وتراوغ في تسليم أسلحتها مصرة على أن الطائفة قبل الوطن بالنسبة لها. هكذا صنعت مسارات الثورات العربية مآلاتها، مؤكدة أن الشعارات أوضح في مخاض الثورات والانتفاضات من الاستراتيجيات! والشعارات تصنع إجماعها وجماهيرها ولكن الاستراتيجيات والحسابات تصنعها تنظيماتها وقواعدها المؤمنة بها أو المستفيدة منها، والتي تظل تفكر تنظيما لا وطنيا، فتكون الجماعة قبل الدولة في مصر في عهد الإخوان وحلفائهم، وكذلك تكون في فكر «النصرة» و«داعش» التي تصر على الصدام المستمر مع فصائل الثورة المعتدلة، كما كان في جبل الزاوية أو درعا في أكتوبر سنة 2014، مع تجنبها المتكرر للصدام مع نظام الأسد، أو التضامن والنصرة لفصائل الثورة في معاركها ضد بقاياه، بل تواتر الحديث عن تعاون في مجال النفط بين الأسد و«داعش»، وتنازلت «النصرة» في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عن شرط انسحاب حزب الله من سوريا، في شروطها لإطلاق سراح الجنود المخطوفين.

* (يتبع غدا بالحلقة الثانية)
* ينشر بترتيب مع «وكالة الأهرام للصحافة»



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended