كتائب نسائية وتجارة رقيق وزيجات بالإكراه

رحلة الشقاء بين السبي والامتهان * فتاة إيزيدية تروي لـ «الشرق الأوسط» قصة اختطافها وكيفية هروبها من المعتقل

مقاتلات في صفوف «داعش»
مقاتلات في صفوف «داعش»
TT

كتائب نسائية وتجارة رقيق وزيجات بالإكراه

مقاتلات في صفوف «داعش»
مقاتلات في صفوف «داعش»

الحياة في مناطق تنظيم «داعش» ليست كلها قتالا وذبحا وحروبا وكرا وفرا وهجمات إرهابية انتحارية، ايضا فهناك زيجات ونساء ومجندات وحتى تجارة رقيق نسائية. ومنذ أن بزغ تنظيم «داعش» إلى النور، لم يختف يوما دور النساء في عملياته والأحاديث عن جرائمه وسياساته، بدءا من استقطاب الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي للانضمام للتنظيم، مع أدوار مخابراتية للإيقاع بالمنشقين، وأدوار قتالية وتفتيشية ودعوية في بعض الأحيان، وكذلك دور النساء في المسؤولية عن نشر أخبار التنظيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل التجنيد وجذب المزيد من شباب المقاتلين الأجانب.

المرأة في «داعش» ليس كما يتصور البعض أنهن فقط «لجهاد النكاح» ونزوات مقاتلي التنظيم، فهذا الدور لا يمكن إنكاره بشهادة المراهقات اللاتي تم استقطابهن من أوروبا وأفريقيا وآسيا، للانضمام للقتال مع التنظيم ليكتشفن على أرض المعركة أنهن جئن للمتعة أيضا، ولكن منذ قيام التنظيم، بدأ في تكوين كتائب نسائية مثل كتيبة «الخنساء» وكتيبة «أم الريحان» في سوريا، ومهمتها مراقبة السلوك العام وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتفتيش النساء المنتقبات على نقاط التفتيش، للتأكد من أنهن لسن من العدو، وتشمل مهام كتيبة «الخنساء» تسيير دوريات في شوارع الرقة من أجل مراقبة حركة الناس، والتأكد من عدم وجود اختلاط بين الجنسين. ومن أكثر الناشطات على «تويتر» «أم ليث» وهي تكتب بالإنجليزية ولا تتوقف عن دعوة الأخريات إلى الانضمام، وتقول: «الهجرة إلى (داعش) أمر هين، ولكن الصعب هو الثبات على حق». وفي تغريدة أخرى تعرب عن سعادتها عن دعوة طالبات مدرسة حفصة في إسلام آباد تأييدهن لـ«داعش»، وتقول: «الخير قادم». وفي تغريدة ثالثة تعرب عن إعجابها بالأخ أبو عبيدة الذي وهب نفسه للعمليات الانتحارية ، وكذلك أطفاله. وفي تغريدة أخرى تتحدث عن الجنة إن كانت قصور الدنيا تسحر العيون، فكيف بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
ووضعت «داعش» شروطا للالتحاق بكتائبه النسائية ومن ضمنها أن تكون الفتاة عزباء وألا يقل عمرها عن 18 عاما، ولا يزيد عن 25، وتتراوح أجورهن كل شهر بمبلغ لا يتجاوز 200 دولار، وذلك حسب تقارير بريطانية.
واستغلال النساء من قبل الجماعات المتطرفة ليس بالأمر الجديد، فقد كانت لهن دائما أدوار لوجيستية مختلفة في نقل السلاح والتعليمات، أو يتم استخدامهن أحيانا لتنفيذ عمليات، ولكن مع التنظيم المتطرف في العراق والشام اتخذ استغلال النساء أنماطا أخرى متطورة، تبدأ بأسواق الرقيق ولا تنتهي عند التدريب المباشر على القتال. كما يحاول التنظيم استقطاب المراهقات الأوروبيات، ونجح في ضم نحو 200 منهن هاجرن من أوروبا إلى التنظيم ويقمن بالعمل على التجنيد الإلكتروني والنشاط عبر شبكات التواصل الاجتماعي للدعوة إلى أفكار التنظيم بين أوساط الشباب والمراهقين في أوروبا وأميركا، فيما تشكل المقاتلات الأوروبيات في صفوف التنظيم، ظاهرة غريبة تحتاج لكثير من التحليل لفهمها.
وكثير من اللاتي ينجذبن لترك بلادهن والسفر للالتحاق بالتنظيم هن من المراهقات صغيرات السن الباحثات عن مغامرة غير معتادة، أو اللاتي يتم تجنيدهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي بطرق متعددة ليجدن أنفسهن أسيرات نزوات المقاتلين في التنظيم المتطرف.
وكان تنظيم داعش قد شن منذ بداية أغسطس (آب) الماضي أوسع حملة إبادة جماعية ضد الأقليات الدينية في العراق، وذلك بعد سيطرته على مناطق واسعة في سهل نينوى وقضاء سنجار، المكون الإيزيدي، وكان من بين هذه المكونات الدينية التي طالتها هجمات داعش التنظيم المتشدد الذي نفذ إعدامات جماعية في صفوف الإيزيديين، فيما أخذ الآلاف من نساء وفتياتهم وأطفالهم إلى معاقله في الموصل وتلعفر وبعاج، والرقة في سوريا، وذلك بحسب قول الذين استطاعوا الهرب من قبضة «داعش».
«الشرق الأوسط» استطاعت بعد محاولات كثيرة أن تصل إلى إحدى الفتيات الإيزيديات اللاتي تمكن من الهرب من معتقلات «داعش»، الفتاة التي التقيناها عرفت نفسها باسم «آشتي» الذي هو اسم مستعار، وبدأت تسرد لنا قصتها من البداية، واصفة ما عانته من آلام خلال وجودها في معتقلات التنظيم.
ومضت آشتي تروي قصتها لـ«الشرق الأوسط»: «عندما سمعنا بوصول (داعش) إلى مجمع كرزرق التابع لقضاء سنجار هربنا نحن مع باقي العوائل الإيزيدية الأخرى إلى جبل سنجار، وصلنا إلى الاستدارات المؤدية نحو الجبل، وكان مسلحو (داعش) يلاحقوننا، وأعطونا الأمان بالعودة إلى سنجار وأنهم لن يمسونا بأي سوء، فصدقتهم بعض العوائل، وكانت عائلتي من بين تلك العوائل التي عادت إلى سنجار، وبعد عودتنا إلى سنجار تم اعتقالنا فورا من قبل عناصر داعش الذين فصلوا الرجال عن النساء، وأخذونا نحن النساء إلى مبنى دائرة نفوس (الجنسية) في القضاء، واحتجزونا هناك حتى وقت العصر، وفي الساعة الخامسة من مساء نفس اليوم، جاءوا بحافلات ونقلونا إلى منطقة الغابات في الموصل، وبالتحديد إلى مبنى كان يحمل لوحة كتب عليها نادي الرياضة والشباب، وأبقونا فيها لمدة 10 أيام، كان عددنا يفوق 100 شخص ما بين نساء وفتيات وأطفال، وبعدها نقلونا مشيا على الأقدام إلى قاعة أخرى كانت تسمى قاعة كلاكسي في نفس المنطقة، وبقينا فيها 6 أيام أخرى».
وتابعت «آشتي» التي كان يظهر من صوتها أنها تحمل الكثير من الحزن، على أهلها المفقودين والحزن على ما عانته في الأيام التي شبهتها بأيام الرعب والتي لم تكن تظن أنها ستعود مرة أخرى، فما زال مصير الآلاف من الفتيات والنساء والأطفال الإيزيديات مجهولا، واستمرت بالحديث: «وبعد 6 أيام من بقائنا في هذه القاعة، جاء 10 رجال من تنظيم داعش مدججين بالأسلحة طويلي الشعر واللحى، كانوا على هيئة وحوش بشرية، من كل الجنسيات أتراك وعراقيين وعرب، وقسمونا على عدة فئات حسب العمر، الفتيات بجهة والنساء في جهة أخرى، والأولاد كل عمر في جهة وكذلك فصلوا الأطفال من عمر السنتين أيضا، ثم أخذونا نحن الفتيات فقط وكان عددنا نحو 400 فتاة إلى الحي الزراعي في الموصل وحجزونا في بيت كبير في ذلك الحي، ونظمونا في صفوف حسب أعمارنا، في كل صف 10 فتيات، وطلبوا منا الجلوس، ثم جاءت مجموعة أخرى من مسلحي التنظيم وبدأ كل مسلح باختيار فتاة من الفتيات الموجودات، وينهال عليها بالضرب ومن ثم يسحلها على الأرض نحو الخارج، وكنا لا نرى كل فتاة تخرج من ذلك البيت مرة أخرى، بقينا في ذلك البيت 3 أيام، فقط يمر بين مدة وأخرى مجموعة من المسلحين لأخذ عدد من الفتيات، وفي اليوم الثالث أخذوا 50 فتاة أخرى من البيت كنت من ضمنهم، ونقلونا بحافلتين إلى قضاء بعاج (غرب الموصل)، ومضينا ليلة واحدة في بيت بإحدى المناطق النائية في أطراف بعاج». وتقول آشتي: «في اليوم التالي جاء المسلحون إلينا، وكنا في حالة خوف شديدة، وانهالوا علينا بالضرب، وأخذوا 3 فتيات، وبعد استمرار احتجازنا هناك انتابتنا حالة من اليأس والإحباط بأننا، لن نتمكن من الهرب وحاولت كل فتاة منا الانتحار إلا أنهم أخلوا المكان الذي نقيم فيه من كل ما هو حاد أو جارح ورغم ذلك انتحرت إحدى الفتيات وذلك بعد أن قطعت شرايين يدها ورمى المسلحون الفتاة في العراء وهي تنزف ومنعونا من تقديم المساعدة إليها حتى فارقت الحياة». وتضيف: «مرة أخرى أخذ المسلحون 25 فتاة بعد أن أرغموهن على الزواج منهم، وبعد ذلك أخذوهن إلى جهة غير معروفة لدينا، فيما بعد نقلونا إلى بناية مدرسة، وهناك كانوا يجبروننا على تغيير ديانتنا، ويقولون لنا أنتم كفار وعليكم أن تسلموا، بعدها عرضوا علينا قائمة بأسماء مجموعة من الرجال وطلبوا منا التعرف على أسماء آبائنا، كي يأخذونا إليهم وكان من بين هذه الأسماء، اسم والد إحدى الفتيات، وفعلا أخذونا إلى والد الفتاة وانتابنا شعور بالفرح ولم نكن نتوقع أننا سنلتقي بأحد من أهلنا مرة أخرى وجاءوا بوالدة الفتاة وحجزونا سوية في أحد البيوت وأجبرونا على أداء فريضة الصلاة ومن ثم نقلونا إلى مجمع كوجو ومارسوا علينا الضغط من أجل أداء الصلاة وعذبونا وهددونا بتعذيب أكبر إذا لم نلتزم بالدين الإسلامي وكانوا يهددون الرجال بالقتل ما لم يصلوا الفرائض (جماعة) وبعدها جاء مسلحون ليأخذوا 7 فتيات من تلك المنطقة وأنا كنت من بينهن وأخذونا إلى منطقة رمبوس، وبعد مرور 3 أيام أخبرونا بأننا سنذهب إلى الرقة وعندما علمنا بذلك انتابنا خوف شديد وقررنا الهرب، وفي تلك الليلة التي أبلغونا فيها هربنا نحن 4 فتيات من نافذة الغرف التي كنا محتجزين فيها، وذلك بعد أن تمكننا من فتحها وبقيت 3 فتيات أخريات في المعتقل من بينهن ابنة عمي وذلك لأن الحراس شعروا بنا وبدأوا بملاحقتنا لكن لم يتمكنوا من العثور علينا، وأثناء هروبنا تعرضت إلى كسر في اليد وإصابة في الرأس ومضينا بالجري حتى وصولنا إلى الجبل وهناك صادفتنا مجموعة من الإيزيديين في البداية لم نثق بأنهم إيزيدييون، واختبأنا ولكنهم أتوا إلينا، وأخذونا إلى الجبل وعالجوا جروحنا وكسورنا وبعد مضي 7 أيام هناك نقلتنا طائرة مروحية إلى إقليم كردستان».
وعند سؤالنا لآشتي عما إن كانت تعرضت لحالة من قبل التنظيم، لم تجب عن سؤالنا، اكتفت بالقول: «المحتجزات تعرضن للاغتصاب من قبل التنظيم، وأجبرت الكثيرات منهن على الزواج من مسلحي (داعش)».
من جانبها قالت بخشان زنكنة رئيسة المجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان العراق، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بحسب آخر المعلومات التي وصلت إلينا فإن أعداد المفقودين الإيزيديين بلغ أكثر من 3 آلاف شخص مفقود رجالا ونساء وفتيات وأطفالا، وبلغ عدد الإناث من بين هؤلاء المفقودين بحسب الأرقام الموجودة لدينا نحو 1100 امرأة وطفل وفتاة، قسم من هؤلاء الفتيات والنساء تم أخذهن من قبل تنظيم داعش أمام أنظار عوائلهن، وكانت هناك اتصالات هاتفية بين عدد من المختطفات من قبل «داعش» مع عوائلهن، حيث أبلغن عوائلهن أنهن محتجزات لدى التنظيم، «لذا لا نستطيع أن نحدد عددا دقيقا للمحتجزات لدى (داعش)، نحن نعلم أن التنظيم نقل النساء والفتيات الإيزيديات من سنجار (بعد أن احتلها) إلى تلعفر، وهناك رمى عدد من هؤلاء الفتيات بأنفسهن من السيارات التي نقلوا بها إلى تلعفر، ونقل التنظيم قسما آخر منهن إلى الموصل، والآخرون إلى الرقة في سوريا، وعاد نحو 300 من النساء والفتيات المختطفات بعد هروبهن من داعش، قسم من هؤلاء يتحدث عن تعرضهن للاغتصاب والقسم الآخر لا يتحدث، لكن مسألة اغتصابهن أكيدة ومسألة الاتجار بهن أيضا أكيدة، لأن قسما من النساء والفتيات العائدات تم شرائهن من قبل بعض من رؤوساء العشائر العربية في المنطقة».
وعن الخطوات التي اتخذتها حكومة الإقليم لإعادة تأهيل النساء والفتيات اللاتي هربن من «داعش»، قالت زنكنة: «حكومة الإقليم فتحت في دهوك مركزا صحيا للتأهيل النفسي والبدني، واختارت دهوك لأنها تأوي أكبر عدد من الإيزيديين، وكذلك تعمل عدد من المنظمات في هذا المجال وكذلك نحن أيضا في المجلس الأعلى لشؤون المرأة نفذنا عدة خطوات في هذا الإطار، لكن كما تعلم الكارثة كبيرة جدا».

* متحدثات إعلاميات باسم «داعش»
* ودور جديد أوكلته «داعش» للنساء من معتنقي فكرها داخل الأراضي التي استولت عليها، أو خارج الحدود، حيث وظف التنظيم هؤلاء النساء، للعمل كمتحدثات إعلاميات باسم التنظيم أو لرصد كل ما يكتب عن التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكتابة تقرير به لأمراء التنظيم، تضم مواقع التواصل الاجتماعي عدداً من الأسماء لـ«سرية الخنساء الإعلامية» الإلكترونية، فتحولت أسماء الفتيات منهن إلى أسماء مستعارة مثل «أم أبي بكر»، كما استبدلت صور العرض الوردية، بصور دماء، ورؤوس معلقة، أو شعار التنظيم الأسود، حتى أصبح لا يُفرق بين مُعرف الرجل منهم أو المرأة».
وقال بيان لـ«داعش» في باب إعلان «السرية الإعلامية» إن دورهن هو: «التوعية، ولا تكون إلا بالوعي ابتداء، ففاقد الشيء لا يعطيه، وهذا الوعي له جسد وروح، فالجسد هو العلم الواقعي، بحال المسلمين، وحرب الصليبين، وخيانة المرتدين»، والروح هو العلم الشرعي، في فقه كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وأمثلة الطاغوت والتحاكم إليه، والولاء والبراء، ونواقض الشهادة إلى غير ذلك».
وتقول «داعش»: «أما التحريض، فيزيد عن التوعية ويشتد عنها بهيئته الحركية الدافعة، للنفس والإخوان، والأهل والجيران، وهو قتال لا قتل فيه، فنعلمها كيف تستعمل لسانها لتحشد الرجال، نعلمها كيف تصوغ كلماتها وتدمغ بالحجة الخصوم، لا سيما في زمن تكاثرت فيه الشبهات في طريق الموحدين المجاهدين، واشتهرت فتاوى علماء السوء حتى طمست أصل التوحيد، لتثبت وتثبت، وتتسلم مواقع العلماء الذين ولّوا وتراجعوا من مقدمة الجيش إلى مؤخرته، في عصر تُعلَّمت فيه كل العلوم إلا علم الآخرة، وتُقرأ فيه كل الكتب إلا القرآن».
من جهته يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة الدكتور هاني السباعي لـ«الشرق الأوسط»: «إن الإسلام جاء للذكر والأنثى، أي أن الرجل مكلف وكذلك المرأة بما يناسبها، وبالنسبة لنساء «داعش» ومعظمهن من صغار السن، كان المحرك الأساسي لهن هو الجانب العقدي، وهؤلاء الفتيات أغلبهن يعيش في عواصم الغرب، وإن كانت تلك الفتيات يردن السفر لشهوة أو جنس، فالغرب هو أفضل مكان لذلك، فعامل الجنس كأساس للسفر إلى (داعش) يستبعد كليا، ولكن العامل العقدي هو المحرك الأساسي».
ويضيف السباعي مدير مركز «المقريزي» للدراسات بلندن: «إن هؤلاء الفتيات يشاهدن الإعلام، الذي يعرض مآسي المسلمين، سواء عبر أجهزة الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، وهؤلاء الفتيات يتأثرن أيضا بما يجري حولهن في بلاد المسلمين، وهؤلاء الفتيات يعتقدن أنهن إذا هاجرن إلى (داعش)، فهي ستكون بمثابة الصحابيات اللاتي هاجرن مع الرسول في بداية مشوار الدعوة، وهذا الوتر المؤثر تلعب عليه قيادات (داعش) في رسائلها لإثارة مخيلة الفتيات بالهرب إلى هناك».
وكما ثبت، بحسب خبير الحركات المتطرفة فإن بعض «الدواعش» يؤلفون رسائل لدعوة تلك الفتيات للهجرة حتى دون محرم إلى دولة البغدادي.
ويؤكد السباعي أن دولة البغدادي غير مستقرة وخلافتها وهمية باطلة، وهي أقرب إلى جماعة تدير حرب كر وفر فقط، كما أنهم يحرضون الفتيات على الهروب من أولياء أمورهم المسلمين، وهي ولاية شرعية حقيقية، بشعارات تدغدغ مشاعر الفتيات باعتبار أن هروب الفتيات هو خدمة للدين، ولكنه في واقع الأمر يعد كبيرة من الكبائر، وعقوقا للوالدين وجلب عار للعائلة، سيلاحقها فترة طويلة، لأن الفتيات ممكن أن يقعن في الأسر أو فريسة لأي عصابة من تلك التنظيمات المتطرفة أو في قبضة الأمن في أي بلد يمرون منها في الطريق إلى «داعش».
وضمن المخاطر التي تعرضت لها النساء اللاتي نفرن إلى «داعش»، أكد مسؤول أممي مصرع واحدة من الفتاتين النمساويتين اللتين فرتا من منازلهما في فيينا أوائل هذا العام للقتال في سوريا.
وكانت الفتاتان سامرا كيزونوفيتش (17 عاما)، وسابينا سيلموفيتش (15 عاما)، وهما لأبوين من اللاجئين البوسنيين، قد اختفتا في شهر أبريل (نيسان) هذا العام بعد أن أعلنتا رغبتيهما في القتال في سوريا. وتوجهت الفتاتان أولا إلى العاصمة التركية أنقرة بالطائرة، ثم اتجهتا إلى منطقة أضنة التركية جنوب البلاد. بعد ذلك، فقدت آثارهما، ولكن الفتاتان ظهرتا على مواقع لشبكات تواصل اجتماعي وهما تحملان بنادق كلاشنيكوف وحولهما مسلحون، وهي صور اعتبرتها الشرطة النمساوية تؤدي دور ملصقات التجنيد بهدف استقطاب الشباب والفتيات.
من جانبه، قال ديفيد شاريا، خبير رفيع المستوى بلجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن بالأمم المتحدة: «تلقينا معلومات مؤخرا عن رحيل فتاتين تبلغان من العمر 15 عاما تقريبًا، من أصل بوسني، عن النمسا، حيث كانتا تعيشان خلال السنوات الأخيرة، ويبحث الجميع، من أسر وأجهزة استخبارات في البلدين عن هاتين الفتاتين». وأضاف: «قام تنظيم داعش بتجنيدهما. لقيت واحدة منهما مصرعها أثناء القتال في سوريا، بينما اختفت الفتاة الأخرى». ويأتي تأكيده بعد مرور 3 أشهر على إعلان الحكومة النمساوية أنها أبلغت أولياء أمور الفتاتين بأن إحدى الفتاتين قد تكون قد لقيت حتفها. ويعتقد أن كلا من سمرة وسابينا تزوجتا مقاتلين من «داعش» بعد فترة قصيرة من وصولهما إلى سوريا قادمتين من تركيا.
ويعتقد أن كلا من سمرة وسابينا تزوجتا مقاتلين من «داعش» بعد فترة قصيرة من وصولهما إلى سوريا. كانت الفتاتان تعيشان في البداية في نفس الغرفة، ولكن الفتاة البالغة من العمر 15 عاما انتقلت الآن إلى شقة أخرى، بحسب تقارير. وكانت سابينا قد نفت، من خلال رسائل نصية قصيرة إلى مجلة باري ماتش الفرنسية الأسبوعية، مزاعم تشير إلى أنها حامل، وأكدت أنها تستمتع بالحياة في سوريا، حيث تشعر بالحرية في ممارسة شعائرها الدينية على عكس الوضع في النمسا. فيما قالت مصادر متطابقة، إن الفتاة المراهقة لم يسمح لها بالتحدث إلا بعد الحصول على إذن من زوجها، الذي كان موجودا في الغرفة عندما كانت تكتب الرسائل. وأضافت أنه بعد وصولهما إلى تركيا قادمتين من النمسا قامتا بعبور الحدود إلى سوريا مشيا على الأقدام. وانتهى بهما المطاف في مدينة الرقة، بعد وصولهما للبلاد دون أن يكون معهما أي شيء غير الملابس التي ترتدياها. وقالت سابينا إن زوجها مقاتل ذهب بنفسه إلى «داعش»، وأضافت: «أستطيع هنا أن أشعر بالحرية. أستطيع أن أمارس شعائري الدينية. لم أتمكن من القيام بذلك في فيينا». وأوضحت أنها تعتقد وجود ما لا يقل عن 130 شخصا من النمسا الآن يقاتلون كمجهادين في الخارج. فيما يقول خبراء إن نصفهم على الأقل يأتي أصلا من منطقة القوقاز في روسيا وحصلوا على اللجوء إلى النمسا بعد اندلاع الحرب الدموية في الشيشان.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية النمساوية إلكسندر ماراكوفيتس إنهم لاحظوا تصاعد مشكلة الشباب الراغبين في الرحيل عن البلاد للقتال في صفوف تنظيم داعش. وقال: «إذا تمكنا من إلقاء القبض عليهم قبل الرحيل عن البلاد، سيكون لدينا فرصة للعمل مع أولياء أمورهم ومع المؤسسات الأخرى من أجل إخراج الشباب من دائرة التأثير التي دفعتهم للتصرف بهذا الشكل في المقام الأول». وأضاف: «بمجرد رحيلهم عن البلاد، حتى لو غيروا رأيهم، سيكون من المستحيل إعادتهم مرة أخرى». ويشير عدد من الخبراء إلى الجهد الذي يبذله المتطرفون لاستقطاب النساء، وكيف يحاولون استخدام أساليب الترهيب والترغيب لدفعهن إلى الانضمام إلى صفوفهم، ويبدو أن هذه المساعي بدأت تثمر، مع تزايد عدد النساء المنخرطات في القتال في صفوف حركة داعش الإرهابية.

* شهيرات «داعش»
* ومن أشهر النساء المنضمات في صفوف حركة داعش الإرهابية، التوأمان البريطانيتان، وهما سلمى وزهرة، صوماليتا الأصل، بريطانيتا الجنسية، انتقلتا إلى سوريا قبل عدة أسابيع، للانضمام لـ«داعش» والزواج من رجاله، وأطلقت إحداهما اسم «أم جعفر» على نفسها، تماشيا مع الفكرة الدينية التي يتبناها التنظيم، كما اعترفتا بأنهما سعيدتان بلقبهما «التوأمتان الإرهابيتان»، وأن التوأمتين تعهدتا بعدم عودتهما لبريطانيا، وتتدربان على استخدام القنابل اليدوية، وبنادق كلاشنيكوف. وأيضا هناك أم المقداد، وتعرف بـ«أميرة نساء داعش»، وهى المسؤولة عن تجنيد الفتيات والسيدات بمحافظة الأنبار العراقية، ويذكر أنها سعودية الجنسية، وتبلغ من العمر 45 عاماً، وتمكنت القوات الأمنية العراقية من القبض عليها يناير (كانون الثاني) 2014. «وأم مهاجر» هي المسؤولة عن كتيبة «الخنساء» في الرقة بسوريا، والتي تتكون من 60 امرأة.
وتحمل «أم مهاجر» الجنسية التونسية، وانتقلت من العراق إلى سوريا برفقة زوجها، بعد تزويج بناتها لكبار المسؤولين بـ«داعش»، وتشتهر تلك الكتيبة باللثام الأسود على وجوههن، وحمل الأسلحة الفتاكة دائما.
وتواصلت «أم ليث»، المهاجرة من إنجلترا لسوريا التي يتابعها أكثر من ألفي متابع على «تويتر»، النساء الغربيات، ليحذين حذوها وينضممن لـ«داعش»، ونصحهن بعدم الاهتمام بما يقوله العالم عنهن، بخصوص «جهاد النكاح»، كما أنها تشجعهن على أن يكن زوجات للمقاتلين الأجانب. ما إن وصلت «أم ليث» إلى سوريا حتى وضعت عدة صور لها على حسابها في «تويتر»، وتظهر في إحدى هذه الصور بجانب صديقتيها «أم حارثة» و«أم عبيدة» متلفحة بسواد الزي الشرعي الذي يفرضه «داعش». وتقول في إحدى تغريداتها: «هذه المشاق لن تذهب هباء، فالثمن الذي ستحصلين عليه كبير جدا بعد هجرتك لن تكون هباء، ستصبحين أخيرا زوجة لمقاتل في (داعش)، وستتملكك مشاعر يعجز اللسان عن وصفها، إذ لا توجد طريقة لوصف شعور الجلوس مع الأخوات في انتظار أخبار عمن منكن سيحظى زوجها اليوم بالشهادة». أما أم حارثة فتمتلك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتكتب بالإنجليزية، كما أنها عضو بكتيبة «الخنساء»، وتحرص أم حارثة على نشر صور انتصار «داعش» واستيلائه على سوريا، منها صور فصل رؤوس الجنود عن أجسامهم في عيد الفطر.
وكان تسجيل مصور حمل اسم «الإصدار الفاجعة» بث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كشف لأول مرة عن حجم الحضور النسوي في تنظيم «داعش»، وتحدث الشريط عما أسماه «أسر العفيفات الطاهرات»، عن أحداث المواجهات التي جرت بين «الجيش الحر» و«لواء التوحيد» و«لواء الفتح» من ناحية، و«داعش» من ناحية أخرى. وكشف هذا التسجيل حسابات المغردين التابعين لـ«داعش» والمؤيدين لتنظيم القاعدة. ويشكك خبراء في الحركات الإسلامية في صحة مثل هذه الادعاءات التي تروجها التنظيمات المتطرفة التي دأبت على استغلال العناصر النسائية واستخدامها في حملاتها الدعائية والترويج لأفكارها المتشددة، كما حدث أخيرا في فرع تنظيم «القاعدة في اليمن».
ويتنوع الاستغلال لعضوات التنظيم ما بين الادعاء لتعرضهن لمضايقات واعتداءات أو عبر الزج بهن في عمليات مسلحة. الشريط كشف أيضا، ولأول مرة بشكل علني، عن وجود سيدات في «داعش» الذي يتزعمه العراقي أبو بكر البغدادي. حيث تحدث في هذا التسجيل 5 نساء «مهاجرات» من جنسيات ولهجات مختلفة، وهن زوجات وشقيقات وبنات أعضاء «داعش».



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.