الكوريتان تتبادلان بوادر حسن نية قبل أيام على قمة تاريخية

سيول أوقفت بث رسائل دعائية على الحدود

صورة أرشيفية لجنود كوريين شماليين يلتقطون صوراً لجنود أميركيين على الحدود الكورية في يوليو 2014 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لجنود كوريين شماليين يلتقطون صوراً لجنود أميركيين على الحدود الكورية في يوليو 2014 (أ.ف.ب)
TT

الكوريتان تتبادلان بوادر حسن نية قبل أيام على قمة تاريخية

صورة أرشيفية لجنود كوريين شماليين يلتقطون صوراً لجنود أميركيين على الحدود الكورية في يوليو 2014 (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لجنود كوريين شماليين يلتقطون صوراً لجنود أميركيين على الحدود الكورية في يوليو 2014 (أ.ف.ب)

أسكتت كوريا الجنوبية، أمس، مكبّرات الصوت الضخمة التي تُذيع رسائل موجهة للجنود الكوريين الشماليين المنتشرين على الحدود تدعوهم إلى الانشقاق، في بادرة مصالحة قبل قمة ستجمع زعيمي الكوريتين، الجمعة.
وأعلنت كوريا الشمالية، السبت، وقف تجاربها النووية وإطلاق الصواريخ بعيدة المدى، ما رحب به الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن، مشيداً «بقرار مهم في اتجاه نزع الأسلحة النووية بالكامل من شبه الجزيرة الكورية». ورغم بوادر التهدئة التي توالت بين الكوريتين منذ مطلع السنة، حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الإفراط في التفاؤل. وكتب ترمب في تغريدة على «تويتر» مساء الأحد: «الطريق طويلة قبل التوصل إلى نتيجة بخصوص كوريا الشمالية، قد ينجح الأمر وقد لا ينجح، المستقبل سيحدد ذلك».
ومن المرتقب أن يلتقي ترمب أيضاً الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في الأسابيع المقبلة، في قمة تاريخية.
وكثفت الكوريتان، عقب إعلان الشمال المفاجئ في 1 يناير (كانون الثاني) عن المشاركة في الألعاب الأولمبية الشتوية ببيونغ تشانغ، بوادر حسن النية، بعد سنوات من التوتر المتصاعد حول البرامج النووية والباليستية الكورية الشمالية.
ومن المتوقع أن ينعكس هذا التقارب بين الكوريتين في القمة المرتقبة بين كيم ومون بالقسم الجنوبي من المنطقة منزوعة السلاح الفاصلة بين الشمال والجنوب، حيث يتوقع أن يتفقا على توقيع اتفاق سلام ينهي هدنة استمرت أكثر من 6 عقود.
ويندرج قرار كوريا الجنوبية إسكات مكبرات الصوت في إطار هذه التهدئة. ولطالما أطلق الجنوب رسائل دعائية تدعو الجنود الكوريين الشماليين إلى الانشقاق، عبر استخدام مكبرات صوت ضخمة مثبتة على طول الحدود شديدة التحصين بين الكوريتين، فيما يطلق الشمال من جهته رسائل دعاية خاصة به.
وكانت وتيرة بث هذه الرسائل مرتبطة على الدوام بوضع العلاقات الثنائية الهشة. وقالت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية في بيان: «اعتباراً من اليوم، أوقفنا البث عبر مكبرات الصوت لتخفيف التوترات العسكرية وخلق مناخ سلام (...) قبل قمة الكوريتين».
من جانبه، بدأ الشمال الذي يبث أيضاً دعايته الخاصة عبر الحدود بإسكات بعض مكبرات الصوت التابعة له، كما أفادت وكالة الأنباء الكورية الجنوبية «يونهاب» نقلاً عن مسؤولين حكوميين. ولا تزال الكوريتان عملياً في حالة حرب، إذ إن النزاع المسلح بينهما انتهى بتوقيع هدنة وليس بمعاهدة سلام. وينتشر عشرات آلاف الجنود في المنطقة منزوعة السلاح.
والمسألة الأساسية التي ستطرح الجمعة ستكون معرفة ما إذا كان كيم سيعد بخطوات ملموسة لتفكيك الترسانة النووية الكورية الشمالية أم لا. فقد أشرف الزعيم الشاب على 4 من 6 تجارب نووية أجرتها بلاده، إلى جانب إطلاق عشرات الصواريخ، بينها صواريخ عابرة للقارات قادرة على بلوغ الأراضي الأميركية.
وأعلن كيم أيضاً السبت، إغلاق موقع التجارب النووية بونجي - ري في شمال البلاد، «لكي يثبت تعهده بتعليق التجارب النووية»، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية. إلا أن الزعيم الكوري الشمالي لم يتطرق إلى تفكيك ترسانته، واصفاً إياها بأنها «سيف» يحمي البلاد، ما أثار شكوك الخبراء حول مدى التنازلات الكورية الشمالية.
وقال هاري كازيانيس، المتخصص في قضايا الدفاع في مركز الأبحاث «ذي ناشونال إنترست» بواشنطن، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، إن «كل القرارات التي يتخذها كيم يمكن العودة عنها، وليس سوى كلمات ووعود فارغة، ومعروف أن كوريا الشمالية لا تفي بوعودها».
ورغم أن التجربة النووية الأخيرة التي قامت بها كوريا الشمالية تعود إلى سبتمبر (أيلول)، وآخر عملية إطلاق صاروخ باليستي إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، ذكر كازيانيس بأن كيم جونغ أون يمكن أن يعيد سريعاً إطلاق هذه البرامج إذا لم يحصل على ما يريده خلال اللقاءات مع مون وترمب. وأكد الخبير أنه «يمكن للمجموعة الدولية أن تتسلح بالأمل، لكن يجب ألا تغفل» عودة كوريا الشمالية عن وعودها السابقة.
في سياق متصل، يواصل مسؤولون أميركيون التحضير للقمة المرتقبة بين كيم وترمب، في وقت أكدت مصادر بالإدارة لوسائل الإعلام المحلي أن أهم القضايا التي سيتطرّق إليها الزعيمان تشمل وتيرة تفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية، والجدول الزمني لإلغاء العقوبات الاقتصادية مقابل ذلك. واستبعد المراقبون أن يمنح ترمب بيونغ يانغ أي إعفاءات من العقوبات الأميركية المفروضة عليها، مقابل تجميد تجارب الصواريخ الباليستية والنووية فحسب.
وكانت وزارة الخارجية الصينية قد نقلت عن كيم جونغ أون قوله، خلال لقائه بالرئيس الصيني شي جينبينغ، إن كوريا الشمالية تفضل إجراءات «مرحلية» ومتزامنة لتحقيق السلام في شبه الجزيرة الكورية. وأشار مسؤول رفيع بالإدارة الأميركية، أمس، إلى أن الولايات المتحدة لن تقدم تنازلات كبيرة لكوريا الشمالية، بما في ذلك رفع العقوبات، قبل أن تقوم الأخيرة بتحقيق تقدم ملموس في تفكيك ترسانتها النووية، مضيفا أنه إذا أرادت بيونغ يانغ أن تسرع في تفكيك برنامجها النووي فلن يكون هناك حدود للأشياء الجيدة التي قد تحدث مقابل ذلك.
وقال بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري بمجلس الشيوخ، أول من أمس، على قناة «إيه بي سي»، إن «الاعتقاد بأن أي شخص سيذهب ويقنع كيم بنزع السلاح النووي، هو اعتقاد غير واقعي». من جانبه، اعتبر توم كوتون القيادي الجمهوري أن مبادرة كيم بوقف التجارب الصاروخية والنووية «هي خطوة للأمام وأفضل من متابعة التطوير والاختبار»، إلا أنه انتقد عدم تطرّق كيم إلى الصواريخ القصيرة المدى والمتوسطة المدى «التي بإمكانها قتل مئات الآلاف من حلفائنا». وبيّن كوتون أن هذه هي المرة الأولى التي تسعى كوريا الشمالية لتحقيق اتفاقية، بدليل طلب كيم غير المسبوق الاجتماع بترمب وبتعليق أجزاء من برنامج التسليح النووي.
وطبقا لما ورد بجريدة «وول ستريت جورنال»، فإن كيم جونغ أون سعى خلال لقائه مع مدير المخابرات الأميركية مايك بومبيو، مطلع الشهر الحالي، للضغط على توقيع اتفاق «مرحلي» يمتد لسنوات يقدم خلالها كل طرف تنازلات، حتى يمكن الوصول بعد ذلك إلى حلول نهائية. وذكرت الجريدة على لسان أحد المسؤولين بالإدارة الأميركية أن إدارة ترمب حذرة من تقديم تنازلات اقتصادية ودبلوماسية قبل قيام بيونغ يانغ بتفكيك برنامجها النووية، وتفضل إدارة ترمب اتباع منهج «الصفقة الشاملة»، الذي من خلاله يتم تقديم تنازلات كبيرة من الجانبين. وأضاف المسؤول أن تجميد الأنشطة النووية لكوريا الشمالية غير كاف لتقدم تنازلات اقتصادية مقابله حيث إن بيونغ يانغ يمكن أن تستعيد أنشطتها النووية بعد ذلك، في حين أنها ستكون استفادت بالفعل من عودة النشاط الاقتصادي بعد رفع أو تجميد العقوبات.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.