مودي يبدأ زيارة تاريخية إلى فلسطين تعيد التوازن في علاقته مع إسرائيل

أجرى محادثات مع العاهل الأردني ... والفلسطينيون يتطلعون إلى دور بارز للهند في سلام الشرق الأوسط

ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
TT

مودي يبدأ زيارة تاريخية إلى فلسطين تعيد التوازن في علاقته مع إسرائيل

ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)
ناريندرا مودي خلال حملة الانتخابات التشريعية للولايات (إ.ب.أ)

بحث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أمس، في عمان مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي النزاع بين الفلسطينيين وإسرائيل، على ما أفاد بيان للديوان الملكي. ومن المقرر أن ينتقل مودي اليوم السبت إلى مدينة رام الله في مستهل زيارة رسمية وتاريخية للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب بيان للديوان الملكي في عمّان، بحث الملك مع مودي «التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، والدور الذي يقوم به الأردن في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، من منطلق الوصاية الهاشمية على هذه المقدسات».
وتأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي للأراضي الفلسطينية اليوم دحضا للظنون التي راجت مؤخرا بأن الهند قد تخلت عن دعمها التاريخي للقضية الفلسطينية بغية تعضيد علاقاتها المتنامية مع دولة إسرائيل. ولقد عمدت الهند إلى المحافظة على العلاقات المتوازنة والتقليدية مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي رغم حالة الذهول التي أثارتها زيارة مودي في يوليو (تموز) الماضي إلى تل أبيب باعتباره أول رئيس لوزراء الهند يزور دولة إسرائيل.
وقبيل زيارة مودي المرتقبة إلى فلسطين، نقلت وسائل الإعلام الهندية عن مسؤول فلسطيني بارز في رام الله يقول إن الجانب الفلسطيني يتطلع للوساطة الهندية في العملية السياسية مع انحسار الدور الأميركي الفعال في تلك العملية. وقال ماجد الخالدي، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن مصرحا لصحيفة «هندو» اليومية الهندية عبر مقابلة حصرية تمت بطريق الهاتف من مقر السلطة الفلسطينية: «تأتي زيارة السيد مودي في منعطف مهم للغاية تحتاج فيه فلسطين إلى الهند للاضطلاع بدور تفاعلي أكبر في المنطقة». وأضاف الخالدي يقول: «لا يمكن للولايات المتحدة أن تضطلع بمفردها بدور الوساطة»، مشيرا إلى القرار الأميركي باعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل، وأردف يقول: «إننا نطالب بوساطة الاتحاد الأوروبي، كما أننا ندعو الهند كذلك، التي يمكن أن تكون وسيطا رائدا وقويا في عالم متعدد الأقطاب، للمشاركة في العملية السياسية».
وتعد تصريحات الخالدي ذات أهمية كبيرة؛ ذلك لأنها تأتي في خضم فترة من التفاعل المكثف بين نيودلهي وغرب آسيا. وفي أعقاب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الهند الشهر الماضي، تحاول الحكومة الهندية توجيه دفة مصالحها صوب منافسي إسرائيل البارزين في المنطقة، مع زيارة مودي المرتقبة كذلك إلى الأردن، وسلطنة عمان، والإمارات العربية المتحدة خلال هذا الأسبوع.
ويعتزم مودي زيارة متحف الزعيم الراحل ياسر عرفات في رام الله، وفقا لتصريحات وزارة الخارجية الهندية حول الزيارة. وخلال زيارة المتحف، سوف يحضر رئيس الوزراء الهندي احتفالية في ذكرى رحيل الزعيم الفلسطيني.
يقول بالا بهاسكار، الدبلوماسي المسؤول عن ملف غرب آسيا في وزارة الخارجية الهندية إن «هذه الزيارة قائمة بذاتها. فلقد شرعت الحكومة الهندية في اعتماد سياسة الفصل بين فلسطين وإسرائيل، وإننا نعتبرهم الآن كيانين مستقلين. ويقوم رئيس الوزراء بهذه الزيارة من واقع تلك السياسة». وذكر المسؤول الهندي أن الدعم الهندي لفلسطين يشتمل على تأييد القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، والمشروعات المشتركة بين البلدين في مجالات الأمن، والرعاية الصحية، والسياحة، والزراعة، والثقافة. ووفقا للصحافي الهندي ساشين باراشار: «ينبغي أن يُنظر إلى الزيارة الرسمية الهندية القائمة بذاتها إلى فلسطين من زاوية أنها محاولة دبلوماسية قوية لإسكات نقاد الحكومة الهندية وسياساتها إزاء القضية الفلسطينية. لقد قطعت الهند بالفعل شوطا طويلا على مسار الاعتراف بدولة إسرائيل وصياغة وجه الشراكة الاستراتيجية مع تل أبيب. ووفق التصويت الهندي الأخير لصالح قرار من الأمم المتحدة يندد بالقرار الأميركي الذي اعترف بالقدس عاصمة دائمة لإسرائيل، ومن واقع الزيارة المرتقبة للسيد مودي إلى رام الله، فإن الحكومة الهندية تشير إلى أن علاقاتها مع إسرائيل لن تكون أبدا على حساب علاقاتها مع فلسطين. ولا تزال الحكومة الهندية على إدراكها الواعي بالموقف الهندي القديم من دعم وتأييد القضية الفلسطينية، وهو جزء لا يتجزأ من سياسة نيودلهي الخارجية».
ولقد كانت الهند أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني في عام 1974، كما كانت الهند أيضا من أولى الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية في عام 1988، وكثيرا ما أعرب القادة الهنود عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، واعتبروا قاعدة الانتداب البريطاني، فضلا عن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، من قبيل السياسات المؤيدة للإمبريالية والاستعمار. وخط الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي كتابا في عام 1938 يقول فيه إن المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية كيانات «غير إنسانية».
ومن المرجح أن يدخل مودي إلى فلسطين عبر الأردن. ويقول رافيش كومار المتحدث باسم الخارجية الهندية: «ليس هناك مطار دولي في الضفة الغربية، ومن ثم فإن الوصول إلى مدينة رام الله لا بد أن يكون عبر مطار بن غوريون في إسرائيل، أو عبر عمان في الأردن».
وسوف يستقل مودي المروحية من عمان في الأردن إلى رام الله في فلسطين، التي تقع على مسافة 8 كيلومترات فقط من مدينة القدس، وهي إشارة ذات أهمية في معرض سياسة الفصل الهندي المعتمدة في علاقاتها مع إسرائيل وفلسطين. كما سوف تساعد رئيس الوزراء الهندي في عدم المرور على الأجواء الإسرائيلية تماما كما تجنب الأجواء الفلسطينية خلال زيارته العام الماضي إلى إسرائيل.
ومن شأن مودي أن يضع حجر الأساس لمعهد التدريب الدبلوماسي الجديد في رام الله، الذي تقدمت الحكومة الهندية بمنحة قدرها 4.5 مليون دولار لإنشائه. كما تعهدت الهند كذلك بمنح مبلغ 1.25 مليون دولار لدعم القضية الإنسانية لمنظمة الأونروا (وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) في عام 2016. ومن المتوقع أن تزداد المبالغ الموجهة للتمويل الفلسطيني مع زيارة مودي إلى رام الله، كما أن هذه الاستراتيجية سوف تعود بنتائج جدية على الهند، وهو الأمر المنتظر تأييده في المستقبل.
وعلى الرغم من أنه لم يرد ذكر للدعم التقليدي الهندي لحل الدولتين خلال البيانين المشتركين مع نتنياهو، فإن الحكومة الهندية قد أوضحت في غير مناسبة أخرى أنها لا تزال تؤيد هذا الموقف. وفي مقابلة مع إحدى الصحف الإسرائيلية العام الماضي، صرح مودي بأن الهند تعتقد في جدوى حل الدولتين الذي يمكن أن تتعايش فيه الدولة الإسرائيلية مع نظيرتها الفلسطينية في سلام مستقبلي. ولقد صرح رئيس الوزراء الهندي بالأمر نفسه خلال زيارة الرئيس الفلسطيني إلى الهند في مايو (أيار) من عام 2017. ويقول المحللون إن زيارة مودي إلى رام الله تأتي في وقت حاسم في أعقاب قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المثيرة للجدل على الصعيد الدولي باعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل فضلا عن وقف المساعدات إلى فلسطين.
وقال زكرور رحمن، السفير الهندي الأسبق إلى فلسطين: «كانت الهند على الدوام في طليعة الدول التي أعلنت بوضوح أنه ينبغي للقدس الشرقية أن تكون العاصمة. وهذه من القضايا الأساسية بقدر اهتمام الدول العربية بالأمر. ويجب على مودي إعادة تأكيد الموقف الهندي التقليدي الذي ينص على ضرورة أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية ذات سيادة، كما ينبغي عليه أن يرفض بشدة مقترح (الفصل العنصري) ويصر على السيادة الحقيقية للدولة الفلسطينية الناشئة وأراضيها المتاخمة، وبالتالي تكون الدولة قادرة على البقاء والمضي قدما من الناحيتين السياسية والاقتصادية، التي يمكن للشعب الفلسطيني أن يعيش فيها بكرامة. وكيفية مودي التعامل مع هذه القضية سوف تكون من الأهمية بمكان».
يتوجه مودي، بعد انتهاء زيارته إلى رام الله، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليجري محادثات ثنائية مع رئيس البلاد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، فضلا عن تبادل عدد من الاتفاقيات المهمة. ثم يتوجه إلى المحطة الثالثة الأخيرة من زيارته إلى حيث سلطنة عمان.
وصرح تلميذ أحمد، السفير الهندي الأسبق لدى المملكة العربية السعودية بأن التفاعل الهندي الأخير مع غرب آسيا يمنح لرئيس الوزراء الفرصة الفريدة لتجاوز الأطر الاعتيادية وصياغة مبادرات جديدة مع الشركاء الإقليميين التي من شأنها تغيير المشهد الأمني والإقليمي في المنطقة.



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.