ترمب يتعهد الكشف عن وثائق اغتيال كيندي المتبقية

الملفات المعلنة أسهمت في توسيع بحر الفرضيات

صورة أرشيفية لسيارة الرئيس جون كيندي في دالاس قبل دقائق من مقتله في 22 نوفمبر 1963 (أ.ب)
صورة أرشيفية لسيارة الرئيس جون كيندي في دالاس قبل دقائق من مقتله في 22 نوفمبر 1963 (أ.ب)
TT

ترمب يتعهد الكشف عن وثائق اغتيال كيندي المتبقية

صورة أرشيفية لسيارة الرئيس جون كيندي في دالاس قبل دقائق من مقتله في 22 نوفمبر 1963 (أ.ب)
صورة أرشيفية لسيارة الرئيس جون كيندي في دالاس قبل دقائق من مقتله في 22 نوفمبر 1963 (أ.ب)

تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالإفراج عن بقية ملفات اغتيال جون كيندي التي لم تُنشَر، لكنه أوضح أن الوثائق التي تحمل أسماء وعناوين الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة لن يتم كشفها.
وكانت السلطات الأميركية قد أفرجت عن 2800 وثيقة سرية لم يسبق أن كشفت للعموم فيما يتعلق بحادثة اغتيال الرئيس جون كيندي، الذي قتل بالرصاص قبل 54 عاماً أثناء زيارته دالاس بتكساس عام 1963، وتعد حادثة اغتياله من أغرب وأشهر حوادث الاغتيالات في التاريخ الحديث.
وأصدر المركز الوطني للأرشيف الأميركي الوثائق السرية على الإنترنت بموجب قانون أصدره الكونغرس الأميركي بجمع سجلات اغتيال جون كيندي، في غضون إطار زمني مدته 25 عاماً، بيد أن بعض السجلات تبقى محجوبة بشكل آمن تأهباً لإمكانية تهديد الأمن القومي.
وبعد التشاور مع المخابرات الأميركية، قال الرئيس ترمب عبر حسابه على «تويتر»، أول من أمس، إنه مستعد لرفع السرية عن «جميع» ملفات أرشيف اغتيال كيندي، دون الإعلان عن أسماء الأشخاص الوارد ذكرهم في الوثائق، الذين ما زالوا على قيد الحياة. وكان البيت الأبيض قد أعلن، الخميس الماضي، أنّه سيتم الكشف عن بقية الوثائق التي لم تنشر في جولة جديدة، بحلول 26 أبريل (نيسان) 2018.
وفي الوقت نفسه، تحدّى موقع «ويكيليكس» (الشهير بالتسريبات الحكومية) الخميس الماضي قدرة الرئيس ترمب على نشر كل السجلات المتعلقة بحادثة اغتيال الرئيس كيندي، إذ عرض الموقع مكافأة مالية قدرها 100 ألف دولار إذا تم ذلك.
وعلى الرغم من أن حقبة الستينات حملت أحداثاً واغتيالات كثيرة في دول العالم، التي اعتبرها النقاد «موضة» العصر، شملت اغتيال مارتن لوثر كينغ، وتشي غيفارا، إلا أن اغتيال كيندي كان الأهم والأبرز حتى اليوم.
يقول مايكل بيشلوس، المؤرخ الأميركي المهتم بتاريخ الرؤساء الأميركيين، ومؤلف كتاب «Taking Charge» عن تاريخ الرئيس ليندون جونسون بعد اغتيال كيندي، إن المجتمع الأميركي والعالم أجمع متعطش لأن يعرف أكثر عن أغرب حادثة اغتيال في التاريخ الأميركي، إذ إن «نظرية المؤامرة» هي الأقوى والمنتشرة في الأوساط الأميركية.
ويرى بيشلوس عبر صفحته على موقع «تويتر»، أن من يعتقد أن هذه المستندات التي رفعت الإدارة الأميركية عنها السرية حول اغتيال الرئيس الـ35 الأميركي جون كيندي، ستحل اللغز المحيّر للاغتيال فإنه سيصاب بالإحباط، لأنه وبكل بساطة لن نحصل على شرح وإيضاح مُرضٍ للجميع عن حادثة الاغتيال.
وأضاف: «ماذا لو لم يتم اغتيال الرئيس كيندي وبقي على قيد الحياة؟ هل سيتمكن من الفوز بفترة رئاسية أخرى كخليفته ليندون جونسون؟ هل سيوقف حرب فيتنام؟ كيف سيكون التاريخ والمجتمع الأميركي؟ أسئلة عدة تدور في بال المجتمع الأميركي. ربما لن يحدث ما حدث بعد وفاته، وربما العكس».
ويروي المؤرخ مايكل بيشلوس ما حدث لزوجة الرئيس جون كيندي جاكلين بعد اغتياله في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1963 إذ عادت إلى البيت الأبيض مع أطفالها وبقيت فيه مدة 15يوماً حتى السابع من ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ثم غادرت البيت الرئاسي إلى مكان آخر في نيويورك، ولم تستطع البقاء فيه أبداً، إلا أنها عادت إليه سراً بعد ثمانية أعوام خلال رئاسة الرئيس ريتشارد نيكسون، وتناولت مع أطفالها وعائلة الرئيس نيكسون العشاء والاحتفال بالبورتريه الخاص بها وبزوجها الرئيس كيندي. كما تعرّف أطفالها على المكتب البيضاوي وأتيح لهم الحديث مع الرئيس نيكسون، وشددت على الرئيس نيكسون بعدم التصريح للصحافة الأميركية عن هذه الزيارة.
بدوره، وصف شارلي سكودير الصحافي بـ«أخبار دالاس» خبر نشر الملفات السرية الخاصة باغتيال الرئيس كيندي بـيوم الكريسماس» بعد انتظار دام 25 عاماً منذ صدور قانون الكونغرس برفع السرية عن الملفات في عام 1992.
وقال سكودير عبر حسابه في «تويتر»، إن صحيفة «أخبار دالاس» عملت بكامل طاقتها وأعضائها خلال الـ24 ساعة طيلة اليومين الماضية لقراءة الملفات والوثائق، ومعرفة ما حدث خلال التحقيقات للوصول إلى معلومات جديدة في حادثة الاغتيال.
بيد أن الصحافي شارلي غرّد محبطاً بما آلوا إليه، وقال: «لم نجد دليلاً واحداً أو معلومة مؤكدة تفيد بوجود قاتل آخر غير لي هارفي أوزوالد، بل هو تصرف فردي. كثير من الأسئلة تنتظر الإجابة، كنتُ متحمساً في البداية عند إصدار الملفات، إلا أنني لم أعرف ماذا حدث خلال تلك الحقبة».

الاتحاد السوفياتي وصف القاتل بـ«المجنون والعصبي»
سلّطت إحدى الوثائق المنشورة في حادثة اغتيال الرئيس الـ35 الأميركي جون كيندي، الصادرة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) عام 1966 الضوء على كيفية إدراك المخابرات الأميركية للردود السوفياتية على اغتيال كيندي؛ إذ نقلت الوثيقة عن مصادر عدة قولها إن الشعب السوفياتي وقياداته أصيبوا بـ«صدمة عظيمة (وتخوفوا) من أن وفاة جون كيندي قد تؤدي إلى حرب مع الولايات المتحدة».
ويبدو أن قادة الاتحاد السوفياتي كانوا مقتنعين بأن المتهم الرئيسي أوزوالد لم يكن المسلح الوحيد، ورجّحت أن يكون جزءاً من «انقلاب»، كما تشير إليه الوثيقة. وبحسب الوثيقة نفسها، فإن الاتحاد السوفياتي اعترف بانخفاض مهارات أوزوالد، الذي انضمّ إلى الاتحاد السوفياتي في عام 1959 بعدما عمل كعسكري مشاة سابق في منشآت عسكرية أميركية حساسة في اليابان، وكان ينظر إليه من قبل الاتحاد السوفياتي على أنه «مجنون عصبي كان غير مخلص لبلاده».
ولفتت الوثيقة إلى أن الاتحاد السوفياتي كان حريصاً على عدم اضطراب العلاقة بينه وبين أميركا، إذ تمت حماية السفارة الأميركية في موسكو بوضع حراس مخابرات (كي بي جي) خارج السفارة الأميركية، بعد حادثة الاغتيال مباشرة.

«إف بي آي» حاولت تتبع أوزوالد قبل الاغتيال
كشفت وثيقة غامضة من مكتب «نيو أورلينز» التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) عن اهتمامها بتعقب لي هارفي أوزوالد المتهم باغتيال الرئيس كيندي في الأسابيع التي سبقت الاغتيال، إذ بدا أن المصلحة في أوزوالد تنبع من مشاركته في تنظيم يتبع لكوبا (اللعب العادل)، وهي مجموعة مؤيدة لكاسترو.
وتناقش الوثيقة، المؤرخة 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1963، الاتصال مع المصادر الكوبية حول أوزوالد ودوره، لافتة إلى أن لجنة «اللعب العادل» في كوبا أوقفت نشاطها منذ مغادرته، وتلاحظ بالإضافة إلى أن التقرير أرسل إلى شرطة دالاس، حيث اشتبه مكتب التحقيقات الفيدرالي في أنه قد ينتقل إلى هناك لبدء فصل آخر من المجموعة المؤيدة لكاسترو. وقام أوزوالد باغتيال كيندي في دالاس يوم 22 نوفمبر.
ومن المثير للاهتمام أيضاً أن جاك روبي الذي قتل أوزوالد بالرصاص، وقُتِل في 24 نوفمبر 1963، كان أيضاً تحت مراقبة مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 1962.
كما كشفت وثيقة أخرى، حذّرت فيها «إف بي آي» شرطة دالاس، بأخذ الحيطة والحذر من محاولات قد تصدر بقتل أوزوالد المتهم باغتيال كيندي، وتشديد الحراسة عليه، إلا أنه حدث ما كان متوقعاً من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالية أن يحدث.

كوبا لم تقتل كيندي
تحدّثت مذكرة كتبت في عام 1964، ونشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي، عن أن منفيين كوبيين ناقشوا تحديد سعر اغتيال فيدل كاسترو، وراؤول كاسترو، وإرنستو (تشي) غيفارا.
وقالت المذكرة إن عدداً من المعارضين الكوبيين حددوا مبلغ 150 ألف دولار لاغتيال فيديل كاسترو، إلا أنهم استقرّوا في اجتماع لاحق على مبالغ أكثر تواضعا، وهي 100 ألف دولار لفيديل، و20 ألف دولار لراؤول، و20 ألف دولار لتشي غيفارا.
واستبعدت وثيقة أخرى صادرة عن لجنة التحقيقات في مجلس النواب الأميركي أن تكون كوبا خططت لاغتيال كيندي. وأضافت أن «اللجنة لا تعتقد أن كاسترو كان سيغتال الرئيس كيندي، لأن مثل هذا العمل كان سيتيح للولايات المتحدة ذريعة لتدمير كوبا، وهي لا تستطيع المخاطرة بذلك».


مقالات ذات صلة

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

يوميات الشرق آل كينيدي يحتفلون بعيد ميلاد جوزيف كينيدي الأب في سبتمبر 1963 (مكتبة جون كينيدي)

لعنة آل كينيدي وأسرارهم من الأجداد إلى الأحفاد... قريباً على «نتفليكس»

تصوّر «نتفليكس» حالياً الموسم الأول من مسلسل «كينيدي» الذي يروي سيرة إحدى أكثر العائلات إثارةً للفضول والجدل. وعلى غرار «ذا كراون» يمتدّ المسلسل على مواسم عدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جون إف. كينيدي جونيور وكارولين بيسيت قصة حب عاصفة انتهت بتحطّم طائرة (منصة إف إكس هولو)

تراجيديا حب جون كينيدي وكارولين بيسيت تعود إلى الحياة عبر الشاشة

مسلسل جديد يروي قصة حب جون كينيدي الابن وكارولين بيسيت، التي انتهت بموتهما معاً في حادث تحطّم طائرة كان يقودها كينيدي.

كريستين حبيب (بيروت)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب رافعاً القرار التنفيذي المتعلق بالكشف عن وثائق اغتيال الرئيس جون كيندي والسيناتور روبرت كيندي والقس مارتن لوثر كينغ (أ.ب)

تتضمن مقابلات مع المتهم... الكشف عن 60 ألف صفحة إضافية من وثائق كيندي

نشرت الحكومة الفيدرالية الأميركية مساء أمس (الأربعاء) أكثر من 60 ألف صفحة من سجلات اغتيال السيناتور روبرت كيندي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للسيناتور روبرت كينيدي خلال حديثه للصحافيين عام  1968(ا.ب)

واشنطن تفرج عن 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كينيدي

أفرجت السلطات الأميركية، اليوم، عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال السيناتور روبرت كينيدي عام 1968، من بينها ملاحظات مكتوبة بخط يد المسلح.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جزء من لوحة تصور روبرت إف كيندي (الأرشيف الوطني الأميركي) p-circle

نشر 10 آلاف صفحة من سجلات اغتيال روبرت كيندي عام 1968

أفرجت السلطات الأميركية عن نحو 10 آلاف صفحة من السجلات المتعلقة باغتيال روبرت إف كيندي عام 1968، في إطار مواصلة الكشف عن الأسرار الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...