الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

قضية تتكرر في معظم المدن النامية خصوصاً في منطقة الخليج العربي

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
TT

الهوية الثقافية والعمرانية لمكة والمدينة

صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)
صورة للمسجد الحرام في مكة المكرمة نهاية القرن التاسع عشر (تصوير: سنوك هورخرونبية - 1888)

ألقى عصر الطفرة النفطية، وما بعده، بظلاله على النمو العمراني لمكة المكرمة والمدينة المنورة منذ السبعينات. ومع تسارع التنمية والتحديث، برز تحد آخر، وهو اندثار الهوية الثقافية لهذه المدن المقدسة، خصوصاً أن المؤشرات المستقبلية تدل على الزيادة الحتمية لسكان وزوار هذه المدن، مع كل ما يحمله ذلك من تحديات اقتصادية، وضغط على النسيج العمراني التاريخي، الذي يمكن أن يلعب دوراً اقتصادياً مهماً في مرحلة ما بعد النفط.
أخذ التوسع العمراني السريع أثناء الطفرة النفطية في طريقه، في غضون بضع سنوات، معظم النسيج التاريخي، خصوصاً في أواسط المدن. هذا التطور المادي تحرك بوتيرة أسرع بكثير من عمليات التطور الاجتماعي والثقافي الموازية، مما أدى إلى اندثار معظم التراث العمراني، في غفلة عن أهميته، وهذا أحد الأعراض الجانبية للتنمية، التي كان يمكن تجنبها بوضع سياسات حمائية مناسبة.
لو وسعنا دائرة البحث، لوجدنا أن هذه القضية تتكرر في معظم المدن النامية، خصوصاً في منطقة الخليج العربي، حيث لم يكن هناك سياسات أو مبادرات لحفظ التراث، تتوازى مع التنمية المتسارعة، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، وتعاملت أغلب المخططات العمرانية مع المعالم التراثية كمواقع قابلة للإزالة، وحل محلها نسيج عمراني مستحدث، وفي بعض الأحيان مستنسخ من معالم فقدت، ولم يتم التنبه لها إلا بعد فوات الأوان.
- المدينة المنورة
لم يتجاوز حجم المدينة المنورة القديمة، بعد إحاطتها بسور في القرون الأولى الإسلامية، محيط المنطقة المركزية الحالية. هذا النموذج العمراني التقليدي، الذي يتصف بالتماسك والنمو المتدرج، يقف على مسافة بعيدة جداً من النموذج العمراني المتسارع في الوقت الحاضر؛ لم تعد المدينة المنورة تلك الواحة الصغيرة التي تقبع داخل سور من العصور القديمة، أصبحت مدينة كبرى؛ بشبكات طرقها الحديثة، وأبراجها، وتزايد أعداد سكانها وزوارها بالملايين سنوياً. ليس الاختلاف فقط في الهيكل العمراني الفيزيائي الذي فرضته عجلة التطور، بل تعدى الأمر ذلك إلى تبدل روح المكان الأصلية التي صمدت لقرون كثيرة، ثم أصبحت الآن تنطق بلسان مختلف، وتختزل الماضي في زوايا ذاكرتها إلى درجة النسيان.
هنا، ينفصل قلب المدينة وينزوي لوحده بين شبكات الطرق السريعة مثل الجزيرة المعزولة، وتنقطع صلته بأطرافها التي أصبحت مدناً أخرى تمتد وتذهب بعيداً ملاحقة شبكات الطرق والمخططات العقارية في كل اتجاه، وكأنها ترحل في فضاءٍ لا نهاية له. هذا «التسيب العمراني» هو الداء الذي أصاب المدن الحديثة، فأخذ يباعد أجزاء المدينة الواحدة عن بعضها، ويمزق نسيجها العمراني، ويستهلك بنيتها الأساسية في مدد قياسية، ويضعف قدرتها على مواجهة الطوارئ وحوادث المستقبل.
ودائماً ما يكون أول ضحايا هذا العراك العمراني الطرف الأضعف والأخفت صوتاً، ألا وهو الإرث العمراني، الذي يندرس مثل الرماد أمام جحافل الاستثمار والتطوير العقاري، التي لا تحفظ اسماً ولا تُبقي رسماً. وفُقدت في هذا الخضم تلك الشواهد التاريخية، بكل ثرائها البصري المتنوع، وذلك القرب المعنوي والمكاني من الإنسان والطبيعة، التي حلت محلها الكتل الصماء وقسوة الأسفلت والأرضيات الأسمنتية. ليس الإرث المادي فقط الذي فقدناه، بل تلاشى خلفه أيضاً الإرث الإنساني. فمع تهافت الجهات التجارية لاقتناص الفرص الاستثمارية في وسط المدينة، يخرج السكان منه تدريجياً، ثم تضمحل ذاكرة المكان جيلاً بعد جيل، حتى تصبح مثل الومضات الخافته في أذهان الأجيال التي عايشته والتصقت به، وتذهب شذرات الذكريات هذه أدراج الرياح، كلما ذهبت شواهدها وشهودها، ولا يبق منها إلا نزعاتٌ من حنين وحسرة على أماكن لم نرها، وأسماء لم نعد نعرفها.
عند النظر إلى عمران المدينة المنورة، ومحاولة استقراء بنيتها التاريخية الأصلية، تظهر كثير من المفارقات: أولها انفصام الرسم التاريخي للمدينة عن هيكلها العمراني الحالي، الذي مد كما يمد البساط الجديد فوق القديم. تاريخياً، كان موقع المسجد النبوي يميل إلى الجهة الشرقية، ثم تليه إلى الغرب سوق المدينة (أو ما عرف لاحقاً بسوق المناخة)، التي كانت تتوسط النسيج العمراني للمدينة، الذي يمتد غرباً بشكل محوري، كلما دعت الحاجة. ولكن النمط التخطيطي الحالي ألغى الصيغة المحورية، بوضع المسجد النبوي وساحاته في مركز شبكة الطرق الدائرية، وهو ما كثف حركة المرور والمشاة باتجاه المركز، باعتبار المسجد النبوي نقطة جاذبة، مما يسبب الازدحام المتواصل، الذي يتحول إلى أزمات خانقة في أوقات الذروة.
كان من الممكن المحافظة على المحور الذي ربط المسجد النبوي من الشرق مع سوق المناخة في الوسط، ومن ثم محطة سكة حديد الحجاز، التي وُضعت في أقصى نقطة غربية من هذا المحور. فبدلاً من حصر الحركة البشرية والمرورية في دائرة تضيق كلما اقتربنا من المركز، يخفف الشكل المحوري من اكتظاظ الحركة، بحيث تتوزع على طول المحور، كلما دعت الحاجة، ليستوعبها النسيج العمراني، وتخف وطأة التزاحم.
- مكة المكرمة
شهدت أعداد الحجاج السنوية قفزة لافتة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى وصلت إلى 3 ملايين حاج، كما حصل في عام 2012، بعد أن كانت تقارب المائة ألف فقط في بداية خمسينات القرن الماضي، ثم تصاعدت إلى أن وصل العدد إلى ما يقارب مليون حاج بحلول منتصف السبعينات الميلادية.
حالياً، تقف مكة المكرمة أمام تحديات تؤثر في نسيجها العمراني تأثيراً مباشراً، وأهمها الزيادة السكانية، ومحدودية المكان، حيث تستقبل موجة سنوية من ملايين الحجاج والمعتمرين في فترات محدودة، بالإضافة إلى السكان المحليين الذين تزايدت أعدادهم خلال العقدين الماضيين، لتصل إلى أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، حسب إحصاء عام 2010. كما أن هناك شريحة سكانية يصعب حصرها، وهم المقيمون بصورة غير نظامية، خصوصاً ممن أتى للعمرة أو الحج ولم يغادر بعدها. ومن المقرر مستقبلاً، حسب خطة التحول الوطني 2020، زيادة أعداد المعتمرين إلى 15 مليون معتمر سنوياً، مقارنة بالرقم الحالي الذي يتراوح بين 6 و8 ملايين معتمر سنوياً.
وفي مقابل هذه الأعداد المتزايدة من الحجاج والسكان والمقيمين، يبرز تحدٍ آخر، هو صعوبة التضاريس الجغرافية.
في الوقت الحاضر، اختلفت صورة مكة المكرمة تماماً، بعد تضائل معظم المعالم العمرانية والطبيعية ذات القيمة التاريخية في مواجهة غير متكافئة مع طوفان التطوير العقاري الذي تناثرت مشاريعه هنا وهناك عبر الأودية والتضاريس الجبلية، فيما يشبه «الأرخبيل العمراني». هذا التباين الواسع بين هوية المكان التاريخية والنمط العمراني المنتشر حالياً يلقي بمسؤولية عظيمة على كاهل كل الأطراف المعنية، من مستخدمين ومخططين وملاك وجهات تنظيمية، فيما تتخذه من خطوات مستقبلية. وهنا أيضاً تقع مسؤولية مشتركة على دول المصدر، في مراعاة الطاقة الاستيعابية للمشاعر المقدسة في موسم الحج والعمرة، إن أردنا السير بخطى ذات جدوى في حفظ ما بقي من التراث الإنساني والطبيعي لمكة المكرمة للأجيال المقبلة، ومنعه من الاندثار الكامل تحت وطأة الاستخدام المفرط.
وتدل كل المؤشرات على أن تدفق الحجاج والمعتمرين والزوار سيزيد في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من تآكل النسيج العمراني التراثي، في ظل الاستخدام المفرط، إن لم تتخذ التدابير والسياسات اللازمة لتنظيمه.
أصبحت المناطق المركزية في مكة المكرمة والمدينة المنورة من أغلى الأسواق العقارية في المنطقة، مما يستوجب كبح جماح هذا الاتجاه مستقبليا.
هذا التزاحم التجاري على أعتاب البقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة يثير كثيراً من التساؤلات، فهي مناطق في غاية الحساسية الروحية والاجتماعية، وكل حرم، سواء في مكة أو المدينة، له مركز وحدود معروفة. وعند تحليل الكثافة العمرانية في الحرمين، نجد أنها أكثر ما تكون في المناطق الملاصقة مباشرة لمركز الحرم، سواء في مكة أو المدينة، مما زاد من الاستقطاب الشديد بين مركز المدينة وأطرافها. وكان من الأنجع - ربما مستقبلاً - تخفيف الكثافة العمرانية حول مركز الحرم، وتوزيع الاستخدامات بشكل متوازن على الأطراف، ومن ثم الاستعانه بأنظمة النقل العام والمكوكي لوصل حدود الحرم بمركزه.
ومع تسارع عملية التنمية في المدينتين المقدستين، تبرز أهمية وضع سياسات للمحافظة على الهوية العمرانية والثقافية فيهما، خصوصاً أن خطط التحول الوطني 2020، والرؤية الوطنية 2030، تحمل في طياتها تصورات طموحة لزيادة الطاقة الاستيعابية في مكة والمدينة، وفتح المجال لاستضافة أعداد أكبر من الحجاج والمعتمرين. وفي الوقت الحاضر، أصبحت قيمة المكان الثقافية من محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن دفع هذه العملية التنموية للأمام لا يتأتى إلا بالمحافظة على الشواهد المادية والمعنوية، من أجل تنمية متوازنة ومستدامة في الحاضر والمستقبل.


مقالات ذات صلة

قوافل الحجيج تبدأ التوافد إلى السعودية وسط خدمات متكاملة

الخليج حفاوة سعودية بالحجاج بصالة مبادرة «طريق مكة» بمطار جناح الدولي بكراتشي (الداخلية السعودية)

قوافل الحجيج تبدأ التوافد إلى السعودية وسط خدمات متكاملة

استقبلت السعودية، السبت، أولى طلائع «ضيوف الرحمن» الذين بدأوا بالتوافد إلى البلاد من مختلف أنحاء العالم؛ تأهباً لأداء مناسك حج هذا العام.

إبراهيم القرشي (جدة)
الخليج مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج تحرص السعودية على تمكين الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة (تصوير: محمد المانع)

السعودية تُشدِّد على إلزامية تصريح الحج

شدَّدت السعودية على ضرورة التزام مكاتب شؤون الحجاج بتوعية ضيوف الرحمن بضرورة الحصول على التصريح الرسمي لأداء مناسك الحج لهذا العام، واتباع المسارات النظامية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج «الجوازات» السعودية سخَّرت جميع إمكاناتها لتسهيل إجراءات دخول الحجاج عبر المنافذ الدولية (واس)

السعودية تبدأ استقبال طلائع الحجاج

أكملت السعودية جاهزيتها لاستقبال حجاج هذا العام الذين يبدأون، السبت، التوافد على البلاد من مختلف أنحاء العالم وسط خدمات متكاملة، ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعمل مبادرة «طريق مكة» على إنهاء إجراءات الحجاج في بلدانهم بكل يسر وسهولة (واس)

السعودية تواصل تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في 10 دول

تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في المغرب وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلاديش وتركيا وساحل العاج والمالديف والسنغال وبروناي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.