«سجن النسا»... مسرحية تراجيدية تجسّد «مظلومية المرأة» في قالب عصري

تضمنت حكايات لسيدات عانين «الغدر والخيانة»

العرض المسرحي شهد تكوينات فنية مميزة (فرقة المسرح الحديث)
العرض المسرحي شهد تكوينات فنية مميزة (فرقة المسرح الحديث)
TT

«سجن النسا»... مسرحية تراجيدية تجسّد «مظلومية المرأة» في قالب عصري

العرض المسرحي شهد تكوينات فنية مميزة (فرقة المسرح الحديث)
العرض المسرحي شهد تكوينات فنية مميزة (فرقة المسرح الحديث)

بصوت «شفيقة» المطربة الشعبية التي تتداخل في أغانيها مشاعر الحزن والشجن، مهّد صناع العرض المسرحي «سجن النسا» الأجواء للجمهور حتى يستقبل قصصاً مأساوية لعشر نساء يجمعهن مكان واحد، هو السجن.

النص المسرحي الذي كتبته واحدة من رموز الإبداع والكتابة النسوية في مصر، وهي فتحية العسال (1933 - 2014)، دونت فيه تجربتها بسجن القناطر حين تعرضت للاعتقال أكثر من مرة لمواقفها السياسية في سبعينات القرن الماضي، ولكنها اختارت أن تقدم هذه المسرحية عن أحوال النساء ومشاكلهن ومآسيهن الاجتماعية بعيداً عن التعقيدات السياسية.

تبدأ المسرحية بروح عصرية لفتاة تحاول كسب أموال عن طريق «السوشيال ميديا» بجذب المتابعين وطلب الهدايا منهم على أحد التطبيقات، وتحاول إقناع صديقتها بالدخول معها في هذا المجال لكسب المال، ثم تكتشفان أن الموقع الذي تدخلان عليه مشبوه، ويستدرج الفتيات لأفعال غير لائقة، فينتهي بهن المطاف خلف القضبان.

العرض المسرحي «سجن النسا» (الشرق الأوسط)

في عالم السجن تظهر القصص المأساوية لنحو 10 سيدات، كل واحدة منهن تحكي قصتها في مشهد مؤثر، ليصبح العرض أقرب للاسكتشات التراجيدية، وتتراوح قصص النساء السجينات بين تعرضهن للخيانة، أو الغدر، أو الاتهام بأعمال منافية للآداب، أو الاتجار بالمخدرات، أو اضطرارهن للقتل دفاعاً عن العِرض، أو إشعال الحرائق وادعاء الجنون.

العرض الذي تقدمه «فرقة المسرح الحديث» على «مسرح السلام» (وسط القاهرة) يومَي الخميس والجمعة من كل أسبوع، من إخراج يوسف مراد منير، يحتوي على مقاطع موسيقية من تأليف محمد عزت. ويشارك في العرض الفنانات هايدي عبد الخالق، وهنادي عبد الخالق، وشريهان الشاذلي، وآية أبو زيد، ونشوى حسن، وصافي فهمي، ورندا جمال، ودعاء الزيدي، وليلة مجدي، وليلى مراد، وجنى عطوة، وإيريني مجدي، وولاء الجندي، وإكرامي وزيري.

مخرج العرض يوسف مراد منير أكد أنه دائماً ما يميل إلى اختيار نصوص للكتّاب الكبار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «قدمت من قبل مسرحية (ياسين وبهية) لنجيب سرور في (مسرح الشباب)، وفازت بخمس جوائز في مهرجان المسرح القومي، من بينها أفضل مخرج صاعد، وأفضل ممثل وممثلة»، وتابع: «اخترت (سجن النسا) لشعوري أن الاهتمام بقضايا النساء رائج عالمياً في الوقت الراهن، لكن لا يتم تناولها محلياً بطريقة مناسبة أو موضوعية، ومن ثم لا يستمع المجتمع لقضاياهن».

جانب من العرض المسرحي «سجن النسا» (فرقة المسرح الحديث)

وحول استخدام نماذج لقضايا عصرية مثل «التيك توك» يوضح: «حين اخترت نماذج مثل استدراج الفتيات على (التيك توك)، فهذا يتماس مع قضايا حيوية في المجتمع، فقد رأينا قضية إحدى الفتيات التي دخلت على تطبيق واكتشفت أن الغرض منه استدراج الفتيات، وضاع مستقبلها بسبب هذا الخطأ غير المقصود».

ولفت إلى أن الأجيال الجديدة «جيل زد» ليس لديهم «فيسبوك» فقط، بل «تيك توك» و«إنستغرام»... ومضى إلى القول: «أسعدني جداً أنه منذ بداية عرض المسرحية حضر لمشاهدتها عدد كبير من أبناء هذا الجيل الذي لم يعتد على الذهاب إلى المسرح من قبل، وهو ما يستدعي مناقشة قصص هذا الجيل وقضاياهم».

قصص مأساوية تضمنها العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وتضمنت المسرحية الكثير من الأغاني والاستعراضات التي جاءت بمناسبات مختلفة، مثل مشهد السبوع لرضيع إحدى السجينات، ومشهد عيد الميلاد. وكان من العروض اللافتة مشهد «شفيقة»، وهي شخصية راقصة في «شارع محمد علي» تم سجنها لقتلها زوجها بسبب خيانته لها.

وأضاف منير أن «(فرقة المسرح الحديث) ورئيسها الفنان محسن منصور تحمسوا جداً للعرض، واختار له نخبة من الممثلات (14 ممثلة) قدمن أداء رائعاً، وبعضهن أساتذة في معهد الفنون المسرحية مثل هايدي عبد الخالق وهنادي عبد الخالق وشريهان الشاذلي وآية أبو زيد وغيرهن. وقد بذلنا مجهوداً كبيراً حتى نخرج بشخصيات متباينة، وقصص مختلفة غير مكررة».

«سجن النسا» تضمنت تراجيديا لنساء تعرضن للظلم (فرقة المسرح الحديث)

وتضمن العرض المسرحي رؤية سنوغرافية تمثلت في الإضاءة التي تعكس روح المشهد سواء كان مأساوياً أو احتفالياً أو حواراً عادياً، كما جاء أداء الممثلات في تناغم واضح، يعكس روح العمل الفني. وهو ما تقول عنه الفنانة الشابة إيريني مجدي: «رغم اختلاف الأجيال التي شاركت في العرض، لكن كان هناك تناغم وتفاهم وحميمية تربط بيننا جميعاً، واستفدنا كثيراً من أساتذة الفنون المسرحية اللائي شاركننا العرض مثل الدكتورة هايدي عبد الخالق، والدكتورة هنادي عبد الخالق، والدكتورة شريهان الشاذلي».

مسرحية «سجن النسا» ترصد مشاكل وقضايا متنوعة (فرقة المسرح الحديث)

وأضافت إيريني لـ«الشرق الأوسط» أن «دور (زينب) الذي قدمته تم تطويره تدريجياً مع المخرج يوسف مراد الذي شاهدت له من قبل عرض (ياسين وبهية)، وعملنا معاً في أحد العروض بالجامعة. وتعد شخصية (زينب) أقرب للشخصية الفصامية، المضطربة نفسياً؛ فهي ترى أشخاصاً غير موجودين، وتتلبسها حالة البنت التي تكرهها، والتي أحرقت منزل أهلها، وتم اتهام (زينب) ظلماً بحرق المنزل».

وتتبدى مظلومية النساء في العرض المسرحي بشكل لافت؛ فكل قصة خلفها امرأة أو فتاة مظلومة، وقد تمت معالجة هذا النص المسرحي أكثر من مرة على خشبة المسرح وفي الدراما التلفزيونية، من بينها مسلسل «سجن النسا» للمخرجة كاملة أبو ذكري عام 2014، من بطولة نيللي كريم.


مقالات ذات صلة

5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

يوميات الشرق «ميكروتياترو» يعتمد على الأعمال القصيرة (أكاديمية الفنون المصرية)

5 عروض إسبانية تدشن «الميكروتياترو» في مصر

تحت اسم «الميكروتياترو» أطلقت أكاديمية الفنون المصرية تجربة مسرحية جديدة تعتمد على العروض القصيرة المكثفة التي تواكب أحدث الاتجاهات المسرحية العالمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مسرحية «بادينغتون» في عروضها بلندن (موقع المسرحية)

مسرحية «بادينغتون» الموسيقية تحمل القصة البريطانية لجمهور أميركي

تُعيد المسرحية سرد القصص البريطانية المحبوبة والخالدة عن دب بيروفي لطيف ومهذب ومحب لمربى البرتقال، تبنَّته عائلة عثرت عليه في محطة قطار بعد وصوله إلى لندن.

مايكل بولسون (نيويورك)
يوميات الشرق جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)

«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

تستعيد فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح بمصر نمط المسرحية الغنائية من خلال العرض المسرحي «ساعة حظ».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق «الملك لير» قدم في أكثر من موسم عرض (البيت الفني للمسرح)

المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

تشهد المسارح التابعة للدولة في مصر طفرة في العروض التي تقدمها، ويحمل بعضها طابعاً تراثياً أو كلاسيكياً، وتُطرح تذاكرها بأسعار رمزية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)

«أعمدة المجتمع» عندما يصبح النفاق والزيف تقليداً لدى أهل السلطة

في كل مرة يدعو فيها المخرج لوسيان بو رجيلي إلى عرض مسرحي في حرم الجامعة الأميركية ببيروت، لا بدّ أن تتوقّع خوض تجربة فنية لا تشبه غيرها.

فيفيان حداد (بيروت)

أحمد عصام السيد: تعلمت من ليلى علوي معنى الاحتراف الفني

يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
TT

أحمد عصام السيد: تعلمت من ليلى علوي معنى الاحتراف الفني

يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)
يراهن الممثل المصري على طبيعة الشخصية الكوميدية (الشركة المنتجة)

قال الممثل المصري أحمد عصام السيد إن مشاركته في فيلم «ابن مين فيهم؟» تمثل خطوة سينمائية استثنائية في مسيرته المهنية الحالية، مؤكداً أن حماسه للفيلم ارتبط بعدة عوامل، منها فرصة الوجود إلى جوار قامات فنية تشارك في العمل، على غرار ليلى علوي وبيومي فؤاد، ورغبته في الاستفادة منهما.

وأضاف أحمد عصام السيد لـ«الشرق الأوسط» أن حماسه للمشروع تضاعف منذ القراءة الأولى للنص لما يحمله من طابع مختلف على مستوى الفكرة والمعالجة الكوميدية، مشيراً إلى أن «الرؤية الإخراجية للمخرج هشام فتحي وأسلوبه البصري المميز وقدرته الفائقة على توظيف المفارقات الكوميدية من خلال حركة الكاميرا وتكوين الصورة لعبت دوراً كبيراً في خروج المشاهد الصعبة بأفضل صورة».

وتدور قصة العمل حول «رشدي» (بيومي فؤاد) رجل الأعمال المستهتر، يعيش حياة بلا قيود أو التزامات، حتى تنقلب حياته بالكامل بعد وفاة عمته التي تركت له ميراثاً ضخماً بشرط العثور على ابنه من إحدى زيجاته العابرة. ترافقه المحامية «ماجدة» (ليلى علوي) في هذه المهمة، لكن الخلافات بينهما تخلق مواقف متشابكة. ومن المقرر عرض الفيلم في بداية شهر يوليو (تموز) المقبل.

مع ليلى علوي وبيومي فؤاد بأحد مشاهد الفيلم (الشركة المنتجة)

وتطرق الممثل المصري إلى ملامح شخصية «كريم» التي يجسدها ضمن الأحداث، موضحاً أنها شخصية درامية غنية بالتحولات وسريعة الانفعال والغضب للغاية، فهو شخص يندفع بسهولة نحو المشكلات المعقدة لكنه لا يمتلك الأدوات النفسية أو الذكية التي تساعده على الخروج منها منتصراً، في تناقض سلوكي وصفه بأنه «العنصر الأكثر إمتاعاً له أثناء التحضير والتصوير».

وأكد أنه يفضل دائماً تجسيد الأنماط البشرية التي ترى نفسها أكبر من حجمها الحقيقي وتحاول إثبات ذلك باستمرار أمام المحيطين بها، لافتاً إلى أن «هذا الوصف ينطبق تماماً على تفاصيل شخصية (كريم)، مما أتاح له مساحة مريحة من اللعب الدرامي وإبراز الجوانب الهزلية الكامنة في الشخصية، تحت إشراف وتوجيه مباشر من المخرج لضبط الإيقاع العام».

وأوضح انحيازه التام لـ«كوميديا الموقف» على حساب الإفيه اللفظي المباشر، معتبراً إياها النوع الأقرب لقلبه ولأدواته التعبيرية بصفته ممثلاً، لأن النكتة المباشرة قد تفقد بريقها أو تفشل في تحقيق هدفها مع الجمهور، بينما يضمن البناء الدرامي المحكم للمواقف والشخصيات المكتوبة بعناية تفاعلاً عفوياً وأكثر استدامة وطبيعية مع المتلقي في قاعات العرض.

يؤكد أحمد عصام السيد على أن الفيلم نقلة مهمة بمسيرته (الشركة المنتجة)

وعن مرونة الأداء داخل موقع التصوير، لفت السيد إلى وجود مساحات حرة من الارتجال سمح بها المخرج، خصوصاً مع وجود الفنان بيومي فؤاد، موضحاً أن تلك اللمسات العفوية والتفاصيل الصغيرة التي كان يضيفها فؤاد تركت أثراً إيجابياً واضحاً على حيوية المشاهد، فالمخرج هشام فتحي كان يستمتع كثيراً برصد هذه اللحظات الحية ويستفيد منها في بناء الإيقاع.

ونفى الممثل الشاب حدوث أي تغييرات جوهرية أو انحراف حاد عن المسار الأساسي لقصة الفيلم وبنية المشاهد المكتوبة نتيجة تلك الارتجالات، مشيراً إلى أن الحوار كان يتطور أحياناً بطريقة تلقائية تناسب طاقة الممثلين الموجودين في الكادر، لكن الهيكل الرئيسي ظل متماسكاً كما هو؛ نظراً لأن سيناريو الكاتب لؤي السيد كان قوياً ومحكماً ولا يحتاج لتعديلات.

ووصف أحمد عصام السيد الأجواء العامة في التصوير بأنها كانت ممتعة وباعثة على التعلم مع حرصه على الاستفادة القصوى من خبرات بيومي فؤاد المهنية عبر طرح الكثير من الأسئلة المتخصصة حول أدوات الممثل، فيما وصف ليلى علوي بأنها «فنانة استثنائية» بكل المقاييس، وتشكل إضافة لأي ممثل شاب يقف أمامها، مشيراً إلى أن تعاونه سابقاً معها في فيلم «آل شنب» أزال بعض الرهبة، إلا أنها في كل مشروع جديد تترك لديه انطباعاً أعمق بحرصها الشديد على التفاصيل والحفاظ على روح إيجابية.

وأوضح السيد أنه تعلم منها الكثير على مستوى الانضباط المهني والالتزام الأخلاقي داخل بيئة العمل السينمائي، معتبراً إياها تمثل نموذجاً حياً للاحترافية المطلقة، سواء في احترام مواعيد الحضور أو الاستعداد الذهني التام للمشاهد قبل بدء التصوير، فضلاً عن أسلوبها الراقي في التعامل مع الطاقم الفني بالكامل.

أحمد عصام السيد (حسابه على فيسبوك)

وقال الممثل المصري إنه شعر في البداية بمسؤولية جسيمة وتوتر طبيعي ناتج عن مجاورة نجوم شباك كبار في عمل واحد، لكن هذا القلق سرعان ما تبدد مع تقدم أيام التصوير بفضل الدعم المعنوي الكبير والثقة المطلقة التي منحتها له ليلى علوي وبيومي فؤاد، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر وملموس على أدائه أمام الكاميرا.

وأكد السيد أن الكيمياء الفنية بين أبطال الفيلم كانت قوية ومتماسكة للغاية، وهو ما ظهر بوضوح في المشاهد المشتركة مشيراً إلى أن الانسجام التام بين الممثلين بمختلف أجيالهم أسهم في خروج الأداء الكوميدي والإنساني بصورة عفوية صادقة، وهو ما سيشعر به الجمهور عند مشاهدة الفيلم.

وأوضح أن أصعب التحديات التي واجهته لم تكن مرتبطة بالأداء الكوميدي، بل كانت متعلقة بمشاهد «الحركة والأكشن» التي تتضمنها الأحداث، خصوصاً مع حرصه على تنفيذ إحدى اللقطات الخطرة بنفسه دون الاستعانة بدوبلير، واصفاً التجربة بأنها كانت متعبة ومخيفة للغاية، لكنها أكسبته خبرة عملية وشخصية متميزة أضافت لأدواته كونه ممثلاً.

واعتبر أن ما يفرّق «ابن مين فيهم؟» عن بقية الأعمال المعروضة هو الاعتناء الفائق برسم الشخصيات وقربها من واقع الناس، لأن قصة الفيلم تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تمتلك قدرة سحرية على جذب المشاهد، لكونها لا تكتفي بصنع الضحك، بل تمر بمحطات إنسانية مؤثرة تمس مشاعر وعواطف العائلات العربية.

وكشف أحمد عصام السيد عن خوضه تجربة جديدة في عالم الكتابة والسيناريو خلال الفترة الحالية من خلال العمل على صياغة مشروع درامي كوميدي جديد بالتعاون المشترك مع زوجته صانعة المحتوى سلمى ماهر، معرباً عن أمله في تقديم أدوار متنوعة تكشف عن قدرات فنية جديدة له في المستقبل القريب بعيداً عن الكوميديا.


ياسين الإدريسي لـ «الشرق الأوسط»: «حليمة» وُلد من قصص حقيقية

المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
TT

ياسين الإدريسي لـ «الشرق الأوسط»: «حليمة» وُلد من قصص حقيقية

المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)
المخرج المغربي ياسين الإدريسي استفاد من تجربة عمله بالتصوير الصحافي (الشركة المنتجة)

قال المخرج المغربي ياسين الإدريسي إن فيلمه الروائي الطويل «حليمة» جاء ثمرة سنوات طويلة من الاحتكاك بالناس المهمشين خلال عمله مصوراً صحافياً في مختلف مناطق المغرب، مؤكداً أنه كان يشعر دائماً بأن هناك قصصاً إنسانية حقيقية لا تجد طريقها إلى السينما، وهو ما دفعه إلى البحث عن لغة بصرية مختلفة تعكس واقع هؤلاء الناس بعيداً عن الصور النمطية.

وأضاف ياسين الإدريسي في لقاء مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن تجربته في الصحافة كانت نقطة التحول الأساسية في مسيرته الفنية، إذ أتاحت له التعرف إلى عوالم وشخصيات ظلت غائبة عن الشاشة، موضحاً أنه لم يكن مهتماً بتقديم أفلام تسعى فقط إلى إرضاء المهرجانات الأجنبية، بل أراد الاقتراب من الواقع المغربي، وتقديم وجوه وقصص لا تحظى عادة بالاهتمام السينمائي.

وعرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، وحصد جائزتي «أفضل مخرج» للإدريسي، و«أفضل ممثلة» لبطلته خديجة عماري.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وتدور أحداثه حول امرأة مسنة تعيش بالقرب من البحر قبل أن يغير اتصال هاتفي مفاجئ مجرى حياتها، ويجبرها على مواجهة ماضٍ حاولت إخفاءه لسنوات، بما في ذلك علاقتها بتجارة القنب غير القانونية، ومن خلال التنقل بين الحاضر وذكريات الماضي، يكشف الفيلم جوانب إنسانية معقدة لشخصية تقاوم ظروفها، وتحاول التمسك بكرامتها وسط عالم مليء بالتحديات.

وأكد المخرج المغربي أن فكرة الفيلم ظلت ترافقه لسنوات طويلة، لكونه يعرف الكثير من الأشخاص المرتبطين بهذه البيئة الاجتماعية، لكنه لم يجد أعمالاً سينمائية تتناول حياتهم ومعاناتهم بصورة إنسانية، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من الحصول على دعم لإنتاج فيلم روائي طويل، ما دفعه إلى تمويل المشروع بنفسه تدريجياً، مستفيداً من عمله في مشاريع أخرى لتأمين الميزانية اللازمة حتى يرى الفيلم النور بعد رحلة استغرقت نحو أربع سنوات بين الكتابة، والتصوير، والمونتاج.

وكشف الإدريسي أن اسم الفيلم وشخصيته الرئيسة يحملان ارتباطاً شخصياً بحياته، إذ استلهم اسم «حليمة» من جدته، التي وصفها بأنها كانت امرأة قوية، وصبورة، وصاحبة شخصية مؤثرة داخل الأسرة. لكنه شدد على أن الشخصية ليست نسخة من جدته، بل هي مزيج من نساء كثيرات التقى بهن خلال حياته المهنية، موضحاً أن الذاكرة لا تنقل الأشخاص كما هم، بل تعيد تشكيلهم، وتخلط بين التفاصيل والتجارب لتولد شخصيات جديدة أكثر ثراءً، وتعقيداً.

رصد العمل من خلال بطلته جانباً من حكايات مختلفة (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره لبطلة متقدمة في العمر كان مقصوداً، لأن المفاجأة الدرامية تكمن في اكتشاف أن هذه المرأة الهادئة والبسيطة تحمل تاريخاً غير متوقع، وتجارب لا تبدو ظاهرة للعيان، مؤكداً أن السينما بالنسبة إليه يجب أن تدفع الجمهور إلى اكتشاف ما هو غير متوقع داخل الشخصيات العادية، لأن كثيراً من الناس يعيشون حياتهم اليومية بصورة طبيعية، بينما يخفون قصصاً وتجارب لا يعرفها أحد.

وعن اختيار بطلة الفيلم، أوضح أنه كان يمتلك تصوراً واضحاً للشخصية أثناء الكتابة، والتقى عدداً من الممثلات قبل أن يستقر على خديجة التي خضعت لاختبارات أداء استمرت ثلاثة أيام كاملة، مشيراً إلى أنه شعر منذ البداية بأنها تمتلك الصبر والعمق الإنساني اللازمين للفيلم.

وأكد الإدريسي أنه يفضل منح الممثلين مساحة واسعة للتعبير عن فهمهم الخاص للشخصيات قبل التدخل بالتوجيهات، موضحاً أنه يبدأ بمراقبة ما يقدمونه أمام الكاميرا، ثم يعمل على إدخال تعديلات تدريجية للوصول إلى الإيقاع والشعور اللذين يبحث عنهما. وأضاف أن التفاصيل الصغيرة -مثل الصمت بين الجمل، أو طريقة النظر، أو التوقف القصير قبل الكلام- يمكن أن تصنع فارقاً كبيراً في صدق المشهد، وتأثيره.

وتحدث عن كون محدودية الميزانية فرضت تحديات كبيرة على التصوير، إذ جرى تنفيذ الفيلم على مراحل متقطعة امتدت لفترة طويلة، كما اضطر إلى تولي عدد كبير من المهام بنفسه، بينها الإنتاج، والمونتاج، وكتابة السيناريو، والإخراج، والإشراف على الجوانب الفنية المختلفة، ورغم صعوبة التجربة، فإن الإدريسي يرى أن هذه الظروف منحته حرية كاملة في تنفيذ رؤيته السينمائية.

المخرج المغربي خلال تسلم الجائزة في المهرجان (إدارة المهرجان)

وعن مشاركته في مهرجان «شنغهاي السينمائي الدولي»، قال الإدريسي إنه كان واثقاً من قدرة الفيلم على الوصول إلى المهرجانات بحكم خبرته السابقة، لكنه لم يكن يتوقع المشاركة في مسابقة بهذا الحجم، معتبراً أن فوزه بجائزة «أفضل مخرج» جاء مفاجئاً بالنسبة إليه، في ظل منافسة أعمال ضخمة لمخرجين يمتلكون تجارب طويلة، وإمكانات إنتاجية كبيرة.

وأوضح أن الجائزة التي كان يتوقعها أكثر من غيرها كانت جائزة التمثيل، نظراً لما قدمته البطلة من أداء استثنائي، مؤكداً أن نجاحها يعني نجاح رؤيته في إدارة الممثلين، وبناء الشخصيات.

وحول تجربته في الانتقال من الأعمال الوثائقية إلى الأفلام الروائية عبر «حليمة»، أكد الإدريسي أنه لا ينظر إلى السينما الروائية والوثائقية باعتبارهما عالمين منفصلين، بل يرى أن كليهما يعتمد على وجهة نظر المخرج، وطريقته في رواية الحكاية، لأن كل فيلم يفرض بنفسه أسلوبه البصري، والسردي، بينما يقتصر دور المخرج على ترجمة القصة إلى صورة وصوت يصلان إلى الجمهور.


«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
TT

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)
يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

انطلقت في مركز «ريبيرث بيروت» الفني النسخة الخامسة من «المعرض الفني الجماعي»، الذي يجمع تحت سقف واحد أعمال 14 فناناً تشكيلياً من أجيال وتجارب متنوعة.

وبتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال. وتوضح سمر حوا، ممثلة الجهة المنظمة، أن افتتاح المعرض كان مقرراً في مارس (آذار) الماضي، غير أن الظروف التي مر بها لبنان أدت إلى تأجيله، ليفتتح أخيراً في 23 يونيو (حزيران)، ويستمر حتى 4 يوليو (تموز).

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يتميّز المعرض بتنوع التقنيات والخامات المستخدمة. فإلى جانب أعمال السيراميك والمنحوتات الخشبية، تعرض الفنانة لارا يواكيم أعمالاً نفذتها على قطع قرميد جمعتها من منطقتي مار مخايل والجميزة بين أنقاض المنازل والأسقف التي دمرها انفجار مرفأ بيروت. وقد أعادت توظيف هذه القطع في أعمال تحمل أبعاداً إنسانية ووجدانية خاصة».

وتعكس الأعمال المعروضة رؤى وموضوعات متعددة، تمتد من الحنين إلى الجذور واللقاءات المبهجة، إلى صورة بيروت التي تنهض من الركام، مروراً بالعادات والتقاليد اللبنانية وتعاقب الفصول وتأملات الذات الإنسانية.

جيسيكا بونجا تقدم مجموعة لوحات بعنوان «الخارقون» (الشرق الأوسط)

وفي أحد أركان المعرض، تستوقف الزائر مجموعة لوحات تسكنها كائنات غريبة الملامح للفنانة جيسيكا بونجا، التي أطلقت عليها عنوان «الخارقون». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تعبّر هذه الأعمال عن الحياة المتأرجحة بين الحب والألم. وقد يشعر المشاهد بالخوف من هذه الكائنات للوهلة الأولى أو على العكس بالتعاطف معها، لكن الرسالة الأساسية التي أسعى إلى إيصالها هي الحب بجميع أبعاده».

وتوضح أنها استندت إلى صور لمنحوتات فخارية صغيرة تقتنيها، ثم أعادت تشكيلها بصرياً من خلال مزج الألوان والظلال مع خلفيات رقمية، واضعة تلك الكائنات في بيئات حياتية مختلفة.

أعمال مايا نصولي تتناول فيها حياة اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتتواصل الجولة مع أعمال الفنانة مايا نصولي المنفذة بالأكريليك، التي تحمل عناوين منها «The Hermes Living» و«مجرد العيش». وتستوحي مايا نصولي أعمالها من تفاصيل الحياة اليومية في لبنان. ففي إحدى اللوحات تظهر سيدة أنيقة تحمل حقيبة فاخرة، تجلس على عربة خشبية لبيع الخضار وتأكل تفاحة، وإلى جانبها عبارة: «الحياة لمن يجرؤ».

وتقول نصولي: «عشت تجارب كثيرة خارج لبنان، لكنني كنت أعود دائماً إليه. فرغم مغريات الاستقرار في الخارج، بقيت متمسكة ببلدي. لذلك أستلهم من واقعنا اليومي صوراً تعكس قدرتنا على مواجهة المصاعب، وتُظهر التناقضات التي يعيشها اللبناني بين بيئات اجتماعية مختلفة».

وفي عمل آخر، تصور رجلاً مسناً يرتدي ألوان العلم اللبناني ويدخن النرجيلة، مرفقاً بعبارة «اتركوا شعبي يعيش». وتوضح: «استوحيت العبارة من مقولة للصحافي الراحل غسان تويني، الذي أكن له تقديراً كبيراً، فأردت أن أحييه من خلال هذا العمل».

من لوحات الفنانة التشكيلية فاديا عطية (الشرق الأوسط)

وتحمل أعمال برنار خوري، المنفذة بتقنية «الميكسد ميديا»، عنوان «كل العيون مصوّبة علينا»، حيث يستحضر فيها محطات من التاريخ السياسي والثقافي اللبناني. ويذيّل أعماله بوردة حمراء ترمز إلى الحب والإعجاب. وفي لوحة أخرى بعنوان «جذور وورود»، يرسم قلوباً نحاسية تتوسطها وردة بيضاء، في إشارة تجمع بين الأصالة والأمل.

أما أعمال فاديا عطية فتزهو بالألوان وعفوية التعبير. وتستخدم الفنانة الأكريليك والباستيل الزيتي إلى جانب عناصر الكولاج، ما يتيح مساحة واسعة للتجريب والارتجال. فالرسم بالنسبة إليها ليس مجرد ممارسة فنية، بل وسيلة للتواصل ونقل المشاعر.

وتقول الإعلامية كارولين ياغي، التي تتولى التعريف بأعمال الفنانة في غيابها عن بيروت: «يقوم أسلوب فاديا على الحركة والاحتفاء باللون، وهو ما يظهر في لوحاتها المفعمة بالحيوية. وتعكس شخصياتها مشاعرها وذكرياتها المرتبطة بلبنان».