علي جابر «العائد من الموت» يروي ما رأى على «الضفة الأخرى»

مدير القنوات في «MBC» يكشف تفاصيل رحلته مع خطأ طبي كاد أن يودي بحياته

مدير القنوات في «MBC» علي جابر يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل عودته من المرض والغيبوبة (علي جابر)
مدير القنوات في «MBC» علي جابر يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل عودته من المرض والغيبوبة (علي جابر)
TT

علي جابر «العائد من الموت» يروي ما رأى على «الضفة الأخرى»

مدير القنوات في «MBC» علي جابر يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل عودته من المرض والغيبوبة (علي جابر)
مدير القنوات في «MBC» علي جابر يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل عودته من المرض والغيبوبة (علي جابر)

«رأيت الموت وصافحته، لكنه قال لي إنّ أواني لم يَحِن بعد»، هكذا يختصر علي جابر سنةً من عمره كادت أن تكون الأخيرة، لولا حصول «أعجوبة» على حدّ وصف الأطبّاء.

كانت 2024 أشبهَ بدرب آلامٍ طويل بالنسبة إلى مدير عام القنوات في مجموعة «إم بي سي»، والذي يناديه الجمهور العربي تحَبُّباً «العميد». بدأت السنة بجراحةٍ فشلت بسبب خطأٍ طبي، مروراً بكسورٍ في القدَم، وصولاً إلى نزيف معويّ حادّ وسكتات قلبيّة متتالية، وانتهت بغيبوبة دامت أكثر من أسبوع.

علي جابر «الراجع من الموت»، وفق تعبيره، يروي الحكاية لـ«الشرق الأوسط» بينما الابتسامة لا تفارق وجهه. فرغم الآلام المبرّحة التي قاساها وانتقاله المؤقّت إلى «الضفّة الأخرى»، هو ممتنّ للحياة التي منحته الباز الذهبي (the golden buzz) وجعلت منه «إنساناً جديداً».

في استوديوهات «Arabs Got Talent» بعد بدء رحلة التعافي (علي جابر)

مشوار الوجع بدأ بإبرة

انقلب المشهد في 3 يناير (كانون الثاني) 2024؛ «كنت أعاني من ألم مزمن في العنق، فنصحني أحد الأطباء بالخضوع لجراحة متطوّرة تقوم على حرق الأعصاب بالإبَر»، لم يكن يدرك جابر حينها أن نسبة نجاح هذه الجراحة لا تتخطّى 30 في المائة.

وقع الخطأ الأول عندما أُخضِع لتخديرٍ عام فانعدمت قدرته على التفاعل مع الوخز، أما الخطأ الثاني فكان استهداف العنق بدل أسفل الظهر، وهي المنطقة التي يُجرى فيها هذا النوع من الجراحة عادةً. يشرح كيف أن الطبيب أحرق العصب المسؤول عن تغذية أعصاب الوجه والرأس والكتف والمنطقة العلويّة من الصدر.

خرج جابر من المستشفى وكلُ آلام الكون متجمّعة في الجهة اليسرى من وجهه. هو الذي عايش الحرب اللبنانية وأصيب خلالها، ليس غريباً عن الوجع، «لكن ما أصابني من ألم بعد الجراحة كان يفوق أي طاقة بشريّة على التحمّل». ظنّ الأطبّاء أنهم بإعطائه مسكّناتٍ من العيار الثقيل، قد يسيطرون على الأوجاع، غير أنّ الكابوس الأوّل جلب كابوساً ثانياً.

«بعدما تمكّنتِ المسكّنات من جسدي، ومن بينها مضادات للقلق ودواء للصَرع، صرتُ أصاب بالدوار. وفي إحدى الليالي، سقطتُ أرضاً ما أدّى إلى 6 كسورٍ في القدم». أمضى جابر 3 أشهر أسيرَ الآلام والمنزل، غير قادرٍ على السير؛ «في تلك الفترة، كنت غاضباً من نفسي وأحمّلها ذنب الخضوع لجراحة غير مضمونة».

مع ابنه مالك خلال العلاج (علي جابر)

خسرتُ دمي كلّه ودخلت «الكوما»

يأتي الأمل على هيئة أصدقاء أحياناً وهكذا حصل مع علي جابر، إذ أصغى إلى نصيحة المقرّبين وتوجّهَ إلى الولايات المتحدة الأميركية. كان قد شرح له أطبّاء ملمّون بحالته أنّ التوقّعات شبه معدومة، ويجب انتظار الأعصاب حتى ترمّم نفسها بنفسها، الأمر الذي قد يستغرق سنوات. لم يبقَ أمامه بالتالي سوى ترويض الألم.

في نيويورك كانت المحطة الأولى، حيث اقترح عليه أحد أهمّ أخصائيي مداواة الألم الخضوع لجراحة دقيقة، يجري بموجبها اختراق العصَب المتضرّر بهدف تخديره. «لم أحصل على ضمانات، لكن كان يجب أن ألتقط أي فرصة»، يقول جابر.

خضع للجراحة على دفعتَين، وما بينهما جلسات طويلة لعلاج الألم، تنقّل خلالها بين لوس أنجلس وكونيتيكت. لكن موعد الاستراحة لم يكن قد حان بعد، فالقطار كان يسير به نحو محطة جديدة مع الأوجاع، لعلّها الأخطر في جلجلته.

«قبل بدء إحدى الجلسات، تبيّن أنّ ضغطي منخفض جداً ليتّضح أن الأمر ناتج عن نزيف معويّ حادّ»، يخبر جابر. لو لم يكن مركز العلاج محاذياً للمستشفى، لكان خسر حياته خلال نصف ساعة في نهاية يونيو (حزيران) 2024.

في تلك اللحظات الحاسمة، أصابته 4 تقرّحات متتالية في المعدة مزّقت إحداها الغشاء الواقي وشريان الدم الأساسي. «خسرتُ دمي كلّه في غضون 4 ساعات ودخلتُ في غيبوبة (كوما) إثر ذلك».

مع زوجته تامارا وأخصائي المعدة د. مايكل فاوست (علي جابر)

3 سكتات قلبية و8 أيام غيبوبة

بينما حاول الفريق الطبي إنقاذه بضخّ 17 وحدة دم في عروقه، كان جسده يرفض الدم الجديد بعد أن خسر دمه الأصليّ. ولم يتوقّف النزيف إلّا بعد أن أُخضع لجراحة ترميم الشريان المتمزّق. لكن في الأثناء، «أصيبت أعضائي الحيويّة بالجنون بسبب انخفاض ضخّ الدم إليها، فتعطّل الكبد والكليتان والطحال والقلب».

وسط هلع عائلته وجنون ماكينات المراقبة ومحاولات الأطبّاء المستميتة لإنعاشه، كان علي جابر يتعرّض لثلاث سكتاتٍ قلبيّة متتالية. غاب الرجل، فحضر إخوته وانضمّوا إلى زوجته تمارا وولدَيه معين ومالك، ظناً منهم أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

استقرّت الأعضاء الحيويّة بعد جهد كبير، لكنّ «العميد» لم يَعُد إلى وعيِه. بقي متأرجحاً بين الحياة والموت 8 أيام، كل ما سمعَ أهلُه خلالها من الأطبّاء: «عليكم الصلاة والانتظار». في الأثناء، تفرّغ ابنُه معين لمراقبة كل تفصيلٍ متعلّق بحالة والده، وحرص على إرسال تحديثاتٍ يومية إلى الأطباء والأصدقاء، من بينهم رئيس مجموعة «إم بي سي» الشيخ وليد الإبراهيم والوزير الإماراتي محمد القرقاوي، اللذان كانا يتابعان وضعه الصحي من كثب.

مع ولدَيه معين ومالك في استوديوهات «MBC» (علي جابر)

ملائكة الموت... والحياة

في «الهُناك»، جلس «ملاك الموت» إلى يساره وقد اتّخذ شكل دخان أسود، وفق وصف جابر. في المقابل، وقفت ملائكة الحياة إلى يمينه على هيئة راهباتٍ يرتدين أثواباً بيضاء. يذكر ما رأى بالتفاصيل، وكأنّه يسرد مناماً طويلاً أو مسلسلاً كتلك التي يُشرف على إنتاجها على شاشة «إم بي سي» ومنصة «شاهد».

في غيبوبته، أبصرَ أقرباء وأصدقاء وزملاء وشخصيات سياسية حالية وراحلة، فتداخلت المهنة بالحياة الخاصة وتجربة الحرب اللبنانية. كثرت من حوله المؤامرات ومحاولات التخلّص منه على خلفيّة سعيه إلى فضح قضية فساد. تنقّل في لا وعيِه بين بغداد وبيروت، حيث أحاطت به مشاهد دماء وقتل لا تنتهي. يفسّر جابر تلك الرؤى على أنها رواسب الحرب اللبنانية التي اختبرها لحظة بلحظة خلال مراهقته وشبابه.

لكن كيف انتهى المشهد، وما الذي أعادَ علي جابر من الضفّة الأخرى؟ أتى مَن يخبره في المنام الطويل بأنّ ابنَه مالك قد قُتل، فأصيبَ بانهيارٍ استفاق على إثره من الغيبوبة.

دخل جابر في غيبوبة استمرت 8 أيام على إثر نزيف في الأمعاء (علي جابر)

العودة على أجنحة «نجمة الحظ»

بعد شهرَين أمضاهما في مركزٍ لإعادة التأهيل في الولايات المتحدة على إثر خسارته عضلاته وصوته وقدرته على الشرب ومضغ الطعام، يسترجع علي جابر عافيته تدريجياً. عاد إلى دبي حيث استأنف عمله بنشاطٍ غير مسبوق، ضخّه فيه «الدم الجديد».

أراد من خلال إطلالته عبر Arabs Got Talent القول إنه على قيد الحياة وبكامل قواه الذهنية والجسدية. قطع وعداً على نفسه بعدم تعريض صحّته للأذى طعاماً وتدخيناً وخمولاً وقلّة نوم. الموعد يوميّ مع الرياضة، وأسبوعيّ مع العلاج النفسيّ.

بين الزملاء في مكاتب «MBC» بعد العودة من الولايات المتحدة (علي جابر)

«أعيش حالياً على الامتنان للملائكة الحقيقيين الذين أحاطوا بي، من أطباء وأصدقاء وأفراد العائلة»، يختم جابر. لكنّ الامتنان تشوبه غصة «فبينما كنت أحظى بأفضل رعاية طبية في الولايات المتحدة، كان آلاف الغزيين واللبنانيين والسوريين يخسرون حياتهم وأطرافهم في المذبحة الإسرائيلية».

ما عاد النجم التلفزيوني المحبوب يرى من البريق، سوى «نجمة الحظّ» التي تسطع فوق رأسه والتي أعادته من الموت إلى الحياة إنساناً جديداً.


مقالات ذات صلة

وفاة أيقونة الحقوق المدنية الأميركي جيسي جاكسون عن 84 عاماً

الولايات المتحدة​ زعيم الحقوق المدنية الأميركي جيسي جاكسون (رويترز)

وفاة أيقونة الحقوق المدنية الأميركي جيسي جاكسون عن 84 عاماً

توفي زعيم الحقوق المدنية الأميركي جيسي جاكسون، القس المعمداني البارز الذي نشأ في ظل الفصل العنصري بجنوب الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 4... ساندرا هولر: هذه مرحلة فارقة في مهنتي وعليَّ حمايتها

يدور كلّ من «روز» و«أنجيلو» حول شخصيتين تبحثان عن القبول، وكلاهما يغوص في الماضي البعيد...

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق النداء إيمان بأنّ العودة لا تزال ممكنة (رويترز)

اختفاء والدة مذيعة أميركية يدخل أسبوعه الثاني بلا إجابات

وجَّهت المذيعة التلفزيونية الأميركية سافانا غوثري نداءً علنياً مؤثِّراً بعد مرور أسبوعين على اختفاء والدتها

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ترمب ومادورو وكيم وبوتين في شخصيات من الرسوم المتحركة (يوتيوب)

قادة من «كرتون»... ترمب وبوتين وكيم وغيرهم في شخصيات رسوم متحركة

بعيداً عن لغة الحروب والصواريخ، قادة العالم من ترمب إلى بوتين وكيم وغيرهم، يتحوّلون إلى شخصيات كرتونية لطيفة.

كريستين حبيب (بيروت)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي (رويترز - أرشيفية)

سيف الإسلام القذافي... من «وريث مُحتمل» إلى ضحية اغتيال

مع الإعلان عن مقتل سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، الثلاثاء، يُختتَم مسار رجل كان «وريثاً محتملاً» لحكم والده، وانتهى به المطاف ضحية اغتيال.

شادي عبد الساتر (بيروت)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».