شراكة سعودية - هندية تؤسس عهداً جديداً من التعاون الاستراتيجي

الأمير محمد بن سلمان يؤكد على أهمية العمل الدؤوب لتنفيذ الممر الاقتصادي

TT

شراكة سعودية - هندية تؤسس عهداً جديداً من التعاون الاستراتيجي

الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)
الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)

أكد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، على العلاقات التاريخية التي تجمع بلاده مع الهند، مشيراً إلى أنها علاقات مفيدة لكلا البلدين، ومتطلعاً إلى أن يحقق مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الهندي مستهدفاته في القطاعات كافة. ونوّه بالمبادرات التي خرجت بها قمة مجموعة دول العشرين، ومن ضمنها مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي قال عنه الأمير محمد: إنه «يتطلب عملاً دؤوباً لتحقيقه وتحويله على أرض الواقع».

وكان الأمير محمد بن سلمان، قام الاثنين، بزيارة رسمية للهند مع اختتام أعمال قمة مجموعة دول العشرين التي ترأس خلالها وفد المملكة إلى القمة التي انطلقت قبل يومين في العاصمة نيودلهي، وشهدت مبادرات عدة، أبرزها توقيع مذكرة تفاهم على هامش اجتماعات مجموعة العشرين، بشأن مشروع ممر اقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

وفور وصول الأمير محمد بن سلمان إلى القصر الرئاسي (راشتر ابتي بهوان)، كان في استقباله رئيسة الجمهورية دروبادي مورمو ورئيس الوزراء ناريندرا مودي. ورحبت مورمو بولي العهد السعودي، متمنية له ومرافقيه طيب الإقامة، في حين عبّر بدوره عن سعادته بهذه الزيارة. وأُجريت لولي العهد مراسم استقبال رسمية، حيث رافق الموكب الرسمي عند الدخول إلى بوابة القصر الرئاسي مجموعة من الخيول، وأطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبية. ثم التُقطت الصور الرسمية بهذه المناسبة. بعد ذلك عُزف السلامان الملكي السعودي والجمهوري الهندي، ثم استعرض حرس الشرف.

الرئيسة الهندية في مقدمة مستقبلي ولي العهد السعودي في القصر الرئاسي بالعاصمة نيودلهي (واس)

ولاحقاً، التقى ولي العهد السعودي رئيس الوزراء الهندي في قصر حيدر آباد بنيودلهي، وجرى خلال اللقاء بحث علاقات الصداقة والتعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات وفرص تطويرها، بالإضافة إلى استعراض القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك والجهود المبذولة بشأنها. تلى ذلك، توقيع محضر مجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومتي السعودية والهند، وقّعه كل من الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء الهند.

ولي العهد السعودي خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي في نيودلهي (واس)

 

في بداية اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجي، ثمّن الأمير محمد بن سلمان، الترحيب الكبير الذي وجده مع الوفد السعودي في الهند، مشيراً إلى أن «الهند بلد صديق، وهناك علاقات تاريخية وطويلة جداً بين العرب والهند وبين المملكة العربية السعودية والهند، وهي علاقات مفيدة لكلا البلدين، ولم يكن هناك خلاف بتاتاً في تاريخ هذه العلاقة، بل كان هناك تعاون لبناء مستقبل شعوبنا وخلق الفرص».

جانب من الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومتي البلدين (واس)

وأضاف ولي العهد السعودي، خلال ترؤسه مع رئيس الوزراء الهندي، أولى جلسات اجتماع مجلس الشراكة: «اليوم نعمل على الفرص المقبلة في المستقبل، يوجد الكثير في الأجندة التي نعمل عليها، ونأمل من خلال مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي - الهندي أن نحقق هذه المستهدفات في كافة القطاعات، وهي واعدة لغاية».

وعن مذكرة التفاهم التي أعلن عنها في قمة مجموعة العشرين لإنشاء ممر اقتصادي يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا، قال ولي العهد: إن مذكرة التفاهم الخاصة هذه تأتي تتويجاً لما تم العمل عليه في الأشهر الماضية لبلورة الأسس التي بنيت عليها هذه المذكرة.

وأضاف: إن «الممر الاقتصادي سيحقق المصالح المشتركة لدولنا من خلال تعزيز الترابط الاقتصادي وما ينعكس إيجاباً على شركائنا من الدول الأخرى والاقتصاد العالمي بصورة عامة». وتابع: «نعمل جاهدين على تنفيذ الممر الاقتصادي على أرض الواقع».

وهنأ ولي العهد السعودي رئيس وزراء الهند على الإنجاز العظيم في إدارة ملف قمة العشرين والمبادرات التي خرجت منها، ومن ضمنها ممر الربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي قال عنه: إنه «يتطلب العمل الدؤوب لتحقيقه وتحويله على أرض الواقع».

وأشار إلى دور الجالية الهندية في النمو الاقتصادي للمملكة، مضيفاً: «إنها اليوم ما يقارب 7 في المائة من التعداد السكاني في السعودية ونعتبرهم جزءاً منا في المملكة، نراعيهم كما نراعي مواطنينا».

واختتم ولي العهد السعودي حديثه خلال الاجتماع: «نأمل من خلال مجلس الشراكة الاستراتيجي أن نحقق تطلعات شعوبنا، وأن نوفّق بإذن الله».

من جهته، رحّب رئيس الوزراء الهندي في كلمة بولي العهد السعودي، في زيارته لبلاده، متطلعاً إلى تعزيز الشراكة بين البلدين في مختلف المجالات.

وقال بعد الاجتماع: «أجريت محادثات مثمرة للغاية مع ولي العهد السعودي»، مؤكداً أن «آفاق التعاون مع السعودية كبيرة في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي». وأضاف مودي: «نثق بأن الروابط التجارية مع السعودية ستنمو بشكل أكبر».

وخلال منتدى الاستثمار السعودي - الهندي، شهد ولي العهد السعودي ورئيس وزراء الهند، توقيع اتفاقيات مشتركة بين البلدين، بلغ عددها أكثر من 50 اتفاقية لتعزيز الاستثمار المشترك في مجالات عدة، الطاقة والبتروكيميائيات والطاقة المتجددة والزراعة والصناعة، إضافة إلى المجالات الاجتماعية والثقافية.

ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الهندي عقب توقيع محضر مجلس الشراكة بين حكومتي البلدين (واس)

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، أريندام باجتشي، على صفحته بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي: إن مودي والأمير محمد بن سلمان عقدا أول اجتماع لقادة مجلس الشراكة الاستراتيجية المشترك.

ومساءً، عقد ولي العهد ورئيسة الهند اجتماعاً بالقصر الرئاسي في نيودلهي. وشرّف ولي العهد السعودي مأدبة العشاء التي أقامتها الرئيسة الهندية لضيف بلادها الكبير.

علاقات تاريخية وطيدة

وتربط المملكة والهند علاقات تاريخية وطيدة تمتد لأكثر من 75 عاماً، عمل خلالها البلدان على تطوير علاقاتهما للوصول لمستوى الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات السياسة والاقتصادية والتجارية والطاقة النظيفة.

ففي خلال زيارة ولي العهد للهند في عام 2019، وقّع مجلس الأعمال السعودي - الهندي مذكرة تفاهم مع اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندية لتوسيع العلاقات التجارية الثنائية.

وتعمل السعودية والهند على توسيع العلاقات الثنائية لتشمل مجالات جديدة للتعاون، مثل الربط الشبكي، ومشاريع التكنولوجيا المالية، والهيدروجين الأخضر، ومواد البناء المستدامة، والتعاون بين الشركات الناشئة ومشاريع بنك التصدير والاستيراد. ويلتزم الجانبان بإزالة كل ما يعوق زيادة التجارة الثنائية والاستثمار، كما تجري الهند مفاوضات مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية حول اتفاقية التجارة الحرة.

وفي سياق «رؤية المملكة 2030» وسياسة التعليم الجديدة في الهند 2020، تحرص الكثير من الجامعات السعودية على إقامة التعاون الهادف مع مؤسسات التعليم العالي ذات السمعة الطيبة في الهند مثل المعاهد الهندية للتكنولوجيا (IITs)، والمعهد الهندي للإدارة (IIM)، والمعهد الهندي للعلوم (IISc)، إضافة إلى الجامعات الرائدة في الهند.

في حين تعمل المملكة والهند على دراسة مشروع مشترك لإنشاء مصفاة النفط والمجمع البتروكيماوي على الساحل الغربي بقيمة تقدر بـ44 مليار دولار، والذي سيكون أكبر مصفاة صديقة للبيئة في العالم في مرحلة واحدة، كما تجري دراسة استثمار 10 مليارات دولار في مجال التقنية في الهند من خلال صندوق الاستثمارات العامة، وفرص استثمارية أخرى يمكن أن تبلغ قيمتها 26 مليار دولار.

ووقّعت المملكة مع الهند مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى مذكرتي تعاون بين مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)، ومراكز الأبحاث الهندية، نتج منهما عقد ثلاث ندوات مشتركة، وورشتي عمل، وإنجاز 24 بحثاً تتعلق بالأنشطة المشتركة.

وفي مجال تقنية المعلومات، تم توقيع مذكرة تفاهم بين المملكة والهند لإنشاء مركز ابتكار في الرياض لتعزيز الريادة الرقمية، ومن أهم مخرجاته تسليم 12 مشروعاً ابتكارياً، أما في مجال الصناعة فقد تم توقيع أربع مذكرات تفاهم في مجال التعدين لتوريد منتجات سعودية إلى الهند، مثل الفوسفات والأمونيا.

وخطت الشراكة السعودية - الهندية في مجال الدفاع خطوات كبيرة في السنوات القليلة الماضية، حيث خلص الاجتماع الخامس للجنة المشتركة للتعاون الدفاعي في نيودلهي إلى زيادة التعاون الدفاعي والتدريب وتعزيز التجارة في قطاع الدفاع.

ويتطلع البلدان لتعزيز التعاون في مجالات الإنتاج المشترك والفنون ومهرجانات الرسم والمسرح وبرامج «بوليوود» الترفيهية الضخمة والإنتاج الوثائقي وترويج السياحة، وفي عام 2018، تم اختيار الهند لتكون ضيف شرف في المهرجان الوطني السعودي للتراث والثقافة (الجنادرية).

وتتقاطع الرؤى الطموحة لكل من المملكة والهند، حيث تسعى الهند إلى تحقيق رؤيتها الاقتصادية 2030، التي تهدف إلى أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحلول ذلك العام، وهو العام ذاته الذي تعمل المملكة على تحقيق «رؤيتها 2030» فيه عبر الوصول بالاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المعدل العالمي ومضاعفة الإيرادات غير النفطية إلى 50 في المائة.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة والهند في عام 2022 ما قيمته 52.4 مليار دولار، حيث تبلغ قيمة صادرات المملكة إلى الهند 41.9 مليار دولار، منها 8.14 مليار صادرات غير نفطية، في حين تستورد المملكة من الهند بقيمة 10.5 مليار دولار. وتعد المنتجات المعدنية، واللدائن ومصنوعاتها، والألمنيوم ومصنوعاته، والمنتجات الكيماوية العضوية وغير العضوية أهم السلع السعودية المصدّرة للهند، بينما تعد المنتجات المعدنية، والسيارات وأجزاؤها، والحبوب، والمنتجات الكيماوية العضوية، والآلات والأدوات الآلية وأجزاؤها أهم السلع التي تستوردها المملكة من الهند.

ويشكل الإسلام رابطاً حضارياً قوياً بين المملكة والهند؛ نظراً لكون الهند تضم ثالث أكبر جالية من المسلمين في العالم، حيث يشكل المسلمون قرابة 15 في المائة من سكان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة، ومن المتوقع أن تكون الدولة الأولى خلال الأعوام المقبلة حسب المؤشرات العالمية، وهو عنصر مهم بالنظر للدور القيادي للمملكة في العالم الإسلامي.


مقالات ذات صلة

الصين تستعرض قدرات «روبوتاتها البشرية» باحتفالات رأس السنة القمرية

الاقتصاد روبوتات بشرية في عرض صيني بمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة بالعاصمة بكين (أ.ب)

الصين تستعرض قدرات «روبوتاتها البشرية» باحتفالات رأس السنة القمرية

استعرض البرنامج التلفزيوني الأكثر مشاهدة في الصين السياسة الصناعية الرائدة للبلاد وسعي بكين إلى الهيمنة على سوق الروبوتات البشرية ومستقبل التصنيع

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ورقة نقدية من فئة ألف ين ياباني (رويترز)

اليابان تتوقع ارتفاع إصدارات الدين بنسبة 28 % عام 2029

أظهر تقدير من وزارة المالية اليابانية أن اليابان ستشهد على الأرجح ارتفاعاً سنوياً في إصدارات السندات بنسبة 28 في المائة خلال السنوات الثلاث المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد منظر عام للحي المالي في فرانكفورت (رويترز)

غرفة التجارة والصناعة الألمانية ترفع توقعات النمو لعام 2026 إلى 1 %

توقعت غرفة التجارة والصناعة الألمانية يوم الثلاثاء نمو الاقتصاد الألماني بنسبة 1 في المائة خلال عام 2026، متجاوزة التوقعات السابقة البالغة 0.7 في المائة.

«الشرق الأوسط» (برلين )
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«نيكي» يتراجع مع تلاشي زخم الأرباح والانتخابات

انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم، الثلاثاء، مع جني المستثمرين الأرباح وسط قلة المؤشرات الجديدة للتداول.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مواطن يمر أمام مركز توظيف في منطقة بورو بلندن (رويترز)

البطالة في بريطانيا ترتفع إلى أعلى مستوى منذ 2015 خارج فترة الجائحة

سجلت سوق العمل البريطانية تراجعاً جديداً، حيث بلغ معدل البطالة أعلى مستوى له منذ عام 2015، باستثناء فترة الجائحة، مع تباطؤ نمو الأجور مرة أخرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».