الاتهامات الجنائية لترمب تهزّ السباق الرئاسي الأميركي

الجمهوريون قلقون على كل الانتخابات العامة... والديمقراطيون مُربَكون حيال بايدن

ترمب أمام القضاء (أ.ب)
ترمب أمام القضاء (أ.ب)
TT

الاتهامات الجنائية لترمب تهزّ السباق الرئاسي الأميركي

ترمب أمام القضاء (أ.ب)
ترمب أمام القضاء (أ.ب)

مع توجيه اتهامات جنائية فيدرالية (اتحادية)، للمرة الأولى بحق رئيس أميركي سابق أو حالي - هو في الوقت نفسه المرشح الأول على قائمة حزبه - دخل السباق الرئاسي في الولايات المتحدة لانتخابات 2024، الذي بالكاد انطلق، منعطفاً غير مسبوق. ومع بدء محاكمة دونالد ترمب بقضايا تمسّ «الأمن القومي»، واحتمال فوزه بالسباق، لا يستبعد كثيرون أن يقود البلاد من «داخل سجنه».

ترمب، الذي أدين مرتين كرئيس، ووجهت إليه مرتين، تهماً جنائية منذ مغادرته البيت الأبيض، كان قد مثُل يوم الثلاثاء أمام محكمة فيدرالية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، بتهمة تعريض «أسرار الأمن القومي» للخطر و«عرقلة» المحققين.

جلسة الاستماع التي استغرقت 50 دقيقة، كانت بداية لعملية ستبدأ بعد نحو شهر لمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب، حين يكون السباق الرئاسي التمهيدي للجمهوريين، قد دخل مرحلة متقدمة، مع تزايد عدد المرشحين إلى أكثر من 12 شخصاً، الذين انضم إليهم أخيراً رئيس بلدية ميامي نفسها.

كل هؤلاء طامحون لنيل ترشيح الحزب، ومواجهة خصمهم مرشح الحزب الديمقراطي، في الانتخابات العامة. بيد أن انتخاب الرئيس، لن يكون الورقة الوحيدة التي سيلقي بها الناخبون الأميركيون في صناديق الاقتراع، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. إذ، كالعادة، سيُجدد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب، وأكثر من ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، فضلاً عن عشرات حكام الولايات.

ومع احتدام القضايا التي يتصارع عليها الحزبان الديمقراطي والجمهوري، كشفت بعض المؤشرات «الواعدة» للديمقراطيين، و«المقلقة» للجمهوريين، عن منحى ينبغي مراقبته جيداً. ورجّح البعض أن تكون بداية لاحتمال حصول تغيير عميق أكثر «اعتدالاً»، في نظرة الأميركيين في بعض الولايات الأكثر تأييداً للجمهوريين، من قضية الإجهاض إلى تقسيم الدوائر الانتخابية. والفضل هنا، يعود إلى المحكمة الأميركية العليا، التي تسبّبت قراراتها «المتناقضة» في هاتين القضيتين بمنح الديمقراطيين الأمل في الفوز بولايات كانت حكراً على الجمهوريين لعقود، وقلق الأخيرين من تأثيرات إحكامها على سيطرتهم تلك.

يقول مراقبون وسياسيون أميركيون: إن حملة إعادة انتخاب ترمب، تعرّضت لضربة كبيرة بعد الكشف عن لائحة الاتهام في قضية الوثائق السرّية. لكن، ومن أجل تقدير هذا الضرر، قد يكون من المجدي إلقاء نظرة على تداعياتها وتأثيراتها، على قادة الحزب الجمهوري، وقاعدته.

تحالف جمهوري ضد ترمب

وفق تقارير صحافية، فإن العدد الذي يؤيد ترمب في مجلس الشيوخ، يتساوى مع عدد الذين يقولون إنهم يريدون مرشحاً آخر، من بينهم من صوّت لعزله مرتين. لا، بل يرى البعض أن تحالفاً مناهضاً لترمب، يتشكل بين أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، خصوصاً بعد صدور لائحة الاتهام، التي فاقمت «الانزعاج» منه. وعلى الرغم من تقدمه على باقي منافسيه الجمهوريين، فإن عددهم الكبير، مؤشر على الأقل، إلى خوف الحزب من تداعيات الاتهامات على «مرشحهم الأساسي»، ورغبتهم في الاعتراض على سياساته.

صحيفة «بوليتيكو» ترى أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يتخذون خطوات «هادئة» في هذا الاتجاه: أربعة أيّدوا مرشحين من غير ترمب، وقال آخران إنهما يريدان مرشحاً مختلفاً. وكثيرون آخرون متشائمون عند سؤالهم عن آفاقه الانتخابية، بمن فيهم بعض المدافعين المخلصين الذين ما زالوا «محايدين» رسمياً حتى الآن.

ونقلت «بوليتيكو» عن السيناتور مايك براون من ولاية إنديانا الجمهورية، وحليف ترمب منذ فترة طويلة، قوله إنه «اعتباراً من الآن سأقول فقط لقد أيّدت سياساته». ثم تابع براون «أنا لم أمنح تأييدي الرسمي بعد. كنت واضحاً تماماً أنني أود أن أرى شخصاً ما يوضح للحزب الجمهوري ما سنفعله في السياسات». وبينما يعد براون للترشح لمنصب حاكم الولاية، أردف إنه لن يؤيد أحد منافسي ترمب، بل ينتظر نهج الرئيس السابق في «التبلور».

وعلى الرغم من أن الفوز في الانتخابات التمهيدية الجمهورية، لا يقرّره التوازن بين مؤيدي هذا المرشح أو معارضيه من أعضاء مجلس الشيوخ. غير أن منتقدي ترمب هناك، يمثلون شريحة كبيرة من قاعدة الحزب، بما في ذلك المانحون، الذين يريدون أن يتغلب «جمهوري مختلف» على الرئيس جو بايدن.

ومع تحييد سيناتور ولاية إنديانا نفسه عن تأييد ترمب «الآن»، خسر الرئيس السابق دعم سيناتورَي ولاية ساوث داكوتا، جون ثون ومايك راوندز، وسيناتورَي ولاية نورث داكوتا، كيفن كرامر وجون هوفن، لمصلحة منافسيه تيم سكوت ودوغ بورغوم، على التوالي. ويترافق هذا التحول أيضاً، مع تصاعد الأصوات التي تعتقد أن أي مرشح جمهوري غير ترمب، يستطيع الفوز في الانتخابات العامة، مع الاعتراف بأنه المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات التمهيدية.

ميتش ماكونيل (رويترز)

هذا الموقف يعكس رفض زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، أن يقول يوم الثلاثاء، بعد مثول ترمب أمام المحكمة، عما إذا كان سيدعمه إذا حصل على ترشيح الحزب الجمهوري، أو ما إذا كان ترمب قد ارتكب أي خطأ. فقد قال ماكونيل، الذي لم يتحدث أو يتواصل مع ترمب، منذ أحداث الهجوم على الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، «ببساطة، لن أبدأ في التعليق على المرشحين المختلفين لدينا للرئاسة». لكن السيناتور الجمهوري السابق والنافذ جون كورنن، المقرب من ماكونيل، قال: إن الحزب الجمهوري في حاجة إلى «أداء أفضل» من ترمب كي يفوز في الانتخابات العامة. وعكست تصريحات العديد من الجمهوريين، اختيارهم بعناية لكلماتهم، سواءً في انتقاد ترمب أو الإشادة بمنافسيه، في محاولة لتفادي إغضاب قاعدته الشعبية. وبدلاً من ذلك، على سبيل المثال، قالت السيناتور سينثيا لوميس من ولاية وايومينغ، إن رسالة تيم سكوت التطلعية «مرتفعة» في الانتخابات التمهيدية، وأن رون دي سانتيس، حاكم فلوريدا - الذي لم يحصل بعد - على تأييد أي عضو في مجلس الشيوخ «طرح قضايا يريد الناس معالجتها في هذه الدورة الانتخابية».

رون دي سانتيس (رويترز)

الاتهامات رفعت

شعبية ترمب

من جهة ثانية، مع شبه الإجماع، على أن ترمب في طريقه للفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، بدا أن كل الاتهامات التي يتعرّض لها، ترفع من نسبة تأييده بين ناخبي الحزب الجمهوري لا العكس. وفي استطلاع أخير، ارتفع هذا التأييد إلى أكثر من 60 في المائة. في حين أن من بين 12 مرشحاً جمهورياً يتنافسون معه، يحظى دي سانتيس فقط بنسبة قبول تصل تقارب الـ20 في المائة، في حين حظي مايك بنس، نائب ترمب السابق، بنسبة 4 في المائة، والباقون حصلوا على نسبة 1 في المائة.

العديد من المراقبين يرون أن مشكلة المرشحين المنافسين لترمب، ليست فقط، أنهم «رهائن» بيد قاعدة ترمب الشعبية الضخمة، بل هم مكبّلون بضرورة الدفاع عن «جمهوري» يتعرض لهجوم الديمقراطيين.

أيضاً، المشكلة قد تكون أبعد من ذلك. فغالباً ما واجه الجمهوريون هذا النوع من التحديات، مع قضايا خطيرة تعرّض لها رؤساء جمهوريون سابقون، حاولوا - بحسب بعض المراقبين - الانقضاض على سيادة القانون وتخطي المؤسسات والقيم الديمقراطية. وهنا نذكر فضيحة «ووترغيت» مع ريتشارد نيكسون، إلى فضيحة «إيران كونترا» مع رونالد ريغان، إلى تلفيق جورج بوش «الابن» الحجج لاجتياح العراق، ووصولاً إلى ترمب والقضايا المرفوعة ضده... من الوثائق السرية إلى قلب نتائج الانتخابات!

غير أن امتناع قادة الحزب عن التعليق مباشرة ضد ترمب، واصطفاف عدد كبير منهم - بمن فيهم جميع المرشحين المنافسين له - وراء خطاب إدانة قرار الاتهام، ومهاجمة القضاء، والنظام السياسي برمّته، في تناغم مع خطاب ترمب الذي رفعه منذ ترشحه للرئاسة عام 2015، أظهر أن الحزب قد حسم قراره في اختيار مرشحه للانتخابات العامة.

هكذا صمت ميتش ماكونيل، ووقف كيفن ماكارثي (رئيس مجلس النواب) وستيف سكاليز (الرقم 2 في المجلس) ورون دي سانتيس ومايك بنس وراء ترمب، متهمين الإدارة بأنها «تسلح إنفاذ القانون»، وتهدد «المجتمع الحر»، والتعهد «بتنظيف» وزارة العدل، في حال فاز أحدهم.

كيفن ماكارثي (أ.ب)

فقط جمهوري واحد بارز في الكونغرس أدان ترمب بالفعل، هو السيناتور ميت رومني. إذ قال في بيان: «في جميع المراحل، أبدت وزارة العدل والمستشار الخاص العناية الواجبة، ومنحت السيد ترمب الوقت والفرصة لتجنب الاتهامات التي لم تكن متاحة بشكل عام للآخرين». وأضاف «لقد وجّه ترمب هذه التهم لنفسه، ليس فقط بأخذ وثائق سرّية، بل أيضاً برفض إعادتها عندما أتيحت له فرص عديدة لفعل ذلك». وكان لافتاً موقف وليم بار، وزير العدل السابق إبان رئاسة ترمب، الذي وصف الاتهامات، بأنها «جدية جداً وخطيرة» على رئيس سابق يطمح للعودة إلى البيت الأبيض. واعتبر أنها «تشكل تهديداً حقيقياً لفرص الجمهوريين في الفوز بالانتخابات العامة»، محذراً من أن شريحة واسعة من المستقلين قد تميل للتصويت إلى أي شخص آخر غير ترمب.

انقسام ديمقراطي يبحث عن بديل

في المقابل، بينما يكاد يجمع الديمقراطيون على أن ترمب يستحق لائحة الاتهام، فإنهم كانوا أكثر انقساماً، حيال ما إذا كان هذا الأمر جيداً للبلاد ولحزبهم، وعلى تأثيرها على الانتخابات. وفي حين التزم الرئيس جو بايدن وكبار مسؤولي إدارته وقيادات الحزب الكبرى، الصمت إلى حد كبير، بشأن لائحة اتهام ترمب، كان الديموقراطيون العاديون أكثر حرصاً على الكلام بمزيج من الابتهاج والتخوف العميق، من أن تؤدي الملاحقة الفيدرالية لرئيس سابق ومرشح حالي للبيت الأبيض، إلى «إفساد» السياسة الأميركية.

ومع صدور الاتهامات في بداية الحملة الرئاسية لعام 2024، التي يتوقع فيها العديد من الديمقراطيين، إعادة المباراة بين بايدن وترمب، يشعر بعض الديمقراطيين بالسعادة لمحاسبة ترمب «أخيراً» على أفعاله المخالفة للمعايير. غير أن آخرين يخشون أن يختار ترمب التحدي مرة أخرى، وأن يستجيب أنصاره بالعنف - في حالة إدانته ومحاكمته - كما حصل عام 2021، وهو أمر يمكن أن يتكرّر عام 2024، في حال خسر الانتخابات مرة أخرى.

ولكن على الرغم من ذلك، يقول البعض إن «الضرر الطويل الأمد الذي قد يلحق بالأمة وبنظام العدالة من اللافعل يفوق بكثير الأخطار السياسية والأمنية». ووفق ديفيد والترز، حاكم ولاية أوكلاهوما الديمقراطي السابق، «لدينا قوة شريرة في وسطنا يجب مواجهتها».

حافز للتساؤلات

في مطلق الأحوال، كانت لائحة الاتهام حافزاً للديمقراطيين، من جميع ميولهم، لطرح الأسئلة، عما إذا كانت ستؤدي إلى انفصال مؤيديه عنه، أم ستجعله مرشح الجمهوريين... وماذا سيحدث إذا أدين وكان لا يزال مرشحاً؟

كثيرون من الديمقراطيين يعتقدون أن الضرر اللاحق بفرص ترمب في الحصول على فترة رئاسية أخرى سيطغى على ترشيحه. إذ قال جاي جاكوبس، رئيس الحزب الديمقراطي لولاية نيويورك: «كثيرون من الأميركيين الوطنيين يتسمون بالفطرة السليمة والوطنية بحيث لن يمر هذا بأي طريقة أخرى». ولكن ديمقراطيين يشعرون بالقلق مما سيحدث إذا بُرّئت ساحة ترمب، وقد يوجه ضربة قوية للثقة المنخفضة أصلاً، بالحكومة والمحاكم ونظام العدالة ككل.

من جانب آخر، يخشى ديمقراطيون آخرون من أن تعزّز إدانة ترمب فُرص أحد منافسيه الجمهوريين، فتضر بفرص إعادة انتخاب بايدن، لا سيما وسط عجز الحزب الديمقراطي عن اتخاذ قرار جريء يطالب الرئيس «الثمانيني»، بالتنحي من الحملة لمصلحة مرشح ديمقراطي آخر أصغر سناً، ليس بالضرورة أن يكون نائبة الرئيس كامالا هاريس، بحسب العديد من الاقتراحات والتمنيات المتداولة في الأروقة الخلفية.

المحكمة العليا الأميركية تخلط الأوراق... مؤقتاً!

 

القاضي جون روبرتس (أ.ب)

* يرى عدد كبير من المراقبين الأميركيين، وبالأخص من الحزب الديمقراطي، أنه يمكن الدفع بشخصية ديمقراطية، تعمل على استثمار «الإيجابيات» التي ترتبت عن قرارات المحكمة العليا، في قضيتَي الإجهاض العام الماضي، وتقسيم الدوائر الانتخابية الأسبوع الماضي. فقد تحوّل حظر الإجهاض، إلى رافعة للديمقراطيين، حتى في بعض الولايات الأكثر ولاءً للجمهوريين. وانعكس هذا في انتخابات 2022 النصفية، حين فشل الجمهوريون في السيطرة على مجلس الشيوخ، وحققوا سيطرة باهتة على مجلس النواب. أيضاً يمكن طرح قضية أخرى ذات مصداقية، تتصل بقرار المحكمة العليا الذي أُعلِن عنه الأسبوع الماضي، وقضى بلا دستورية التقسيم الإداري الذي صوّت عليه مجلس نواب ولاية آلاباما الجمهورية للحد من تصويت الناخبين السود. إذ يمكن أن يكون القرار حاسماً لانتصار الديمقراطيين، ليس فقط في هذه الولاية الجنوبية، بل في ولايات أخرى وربما الانتخابات الرئاسية أيضاً. البعض رجّح أن ينتج من هذا القرار، إبدال ما يصل إلى خمس مقاطعات ذات غالبية من البيض الجمهوريين، بمقاطعات ديمقراطية ذات غالبية من الأقلية، بعدما طلب من ولاية آلاباما على وجه التحديد، إنشاء دائرة ثانية في مجلس النواب، من أجل توفير فرصة لمرشح أسود للفوز. ويُعد القرار تأكيداً غير متوقع للمادة 2 من قانون حقوق التصويت لعام 1965. هذا التطور أدى فوراً إلى تغيير الحسابات الجارية حول السباقات الرئيسة في مجلس النواب على امتداد الولايات الأميركية. فتقسيم الدوائر الانتخابية في غالبية الولايات الجمهورية، مصمم منذ عقود لضمان نجاح المرشحين الجمهوريين «البيض»، بحسب «انتقادات تاريخية». ويرى خبراء أن أصداء قرار المحكمة العليا يمكن أن تتردد عبر ولايات الجنوب العميق والوسط؛ ما يؤدي إلى إنشاء مقاعد جديدة ذات غالبية أصوات سوداء وديمقراطية قوية في ولايات متعددة». ويرى كثرة من الديمقراطيين، أنه مع إمكانية إضافة المزيد من المقاطعات في ولايات أخرى، اعتماداً على المزيد من الدعاوى القضائية، في ولايات أخرى مثل لويزيانا ونورث كارولينا وجورجيا وتكساس وفلوريدا، قد يتمكن الديمقراطيون ليس فقط من الحصول على المقاعد الخمسة الضرورية لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، عام 2024، بل والتأثير بشكل حاسم على ميزان القوى السياسي في واشنطن. ومع احتمال صدور قانون جديد لحقوق التصويت في آلاباما ولويزيانا وجورجيا قبل عام 2024، كحد أدنى، وجدت المحاكم الأدنى بالفعل أن الخرائط الحالية في تلك الولايات من المحتمل أن تنتهك قانون 1965، وكذلك في تكساس وفلوريدا، بحيث يمكن إنشاء منطقة أو أكثر من المناطق ذات الغالبية اللاتينية. عموماً، وفي حين أن معظم الباحثين القانونيين يتفقون على أن قرار المحكمة العليا، يشكل نصراً لحركة الحقوق المدنية التقليدية وللديمقراطيين الذين يسعون لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، فإنهم يجادلون أيضاً، بأن الانتصار كان متواضعاً نسبياً من الناحية القانونية، وقد يكون مؤقتاً. إذ انضم اثنان من الأعضاء المحافظين الذين يسيطرون على المحكمة، هما رئيسها جون روبرتس والقاضي بريت كافانو، إلى القضاة الليبراليين الثلاثة، ليعطوا الغالبية للقرار. واختار روبرتس وكافانو، تجنب الضغط على القضية، ضد إعادة تقسيم الدوائر على أساس العرق، جزئياً بسبب «الجدل الذي أطلقته المحكمة في حكمها المثير لحظر الإجهاض، إلى جانب الصدمات الأخرى التي أحدثتها قراراتها في القضايا التاريخية المتعلقة بالبنادق وتغير المناخ. ولذا؛ سعيَا بشكل متزايد إلى إبعاد نفسيهما عن اليمين المتشدد، وفق مراقبين، لكنهما لم يغيّرا رأييهما بشأن استخدام العرق من قِبل الجهات الحكومية، بما في ذلك الكونغرس. وبدلاً من ذلك، وضعا جانباً السؤال الدستوري للمستقبل. هذا، وكانت قد تصاعدت الدعوات للحزب الديمقراطي إلى استغلال هذا التطور، الذي عُد أول حدث مهم منذ عقود للدفع بمرشح رئاسي آخر، وتحويل المعركة، من معركة شخصية مع ترمب... إلى معركة على مستقبل النظام السياسي والديمقراطية الأميركية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.