الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز... أهم قرارات بناء الدولة والمؤسسات والإرث الممتد

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات خاصة وتفاصيل تُكشف لأول مرة

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
TT

الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز... أهم قرارات بناء الدولة والمؤسسات والإرث الممتد

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز
الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

حظي تاريخ الملك عبد العزيز على مدى عقود باهتمام المؤرخين والباحثين على اختلاف توجهاتهم وجنسياتهم، وغطت عشرات البحوث والدراسات والمؤلَّفات جوانب متنوعة من ذلك التاريخ، سواء ما يتعلق بسيرة الملك السياسية، وشخصيته القيادية، وفكره الاستراتيجي، ومهاراته العسكرية، ورؤيته النهضوية... فذلك ليس تاريخ ملك فحسب، وإنما تاريخ مملكة وسيرة أمة.

يصف الكاتب والدبلوماسي، خير الدين الزركلي، كيف أنه في أقل من 50 عاماً نجح «رجل واحد في أن ينشئ بين البحر الأحمر وخليج العرب ما عجز 12 قرناً عن إنشائه أو الإتيان بمثله». ووصف الزركلي ذلك بالقول: «إمارات تتوحد، وأمة تتكون، ودولة تُبنى، وحضارة تُشَيَّد».

وإلى ذلك، يضيف الأديب والمؤرخ السعودي محمد حسين زيدان: «الملك عبد العزيز تاج تاريخه. لقد رد الاعتبار لجزيرة العرب في وحدة الكيان الكبير». أما الكاتب والصحافي البريطاني، سيسيل روبرتس، فيشرح كيف «ملأ الملك عبد العزيز فراغاً كبيراً في التاريخ، باسطاً ملكه على مساحة تقارب مساحات إنجلترا وفرنسا وألمانيا مجتمعة»، ويضيف: «لقد غنم ملكاً باذخاً بسيفه، وأمن حمايته بالسياسة».

الملك عبد العزيز وقد شارف على السبعين من عمره

ويرجَّح أن يكون الملك؛ الذي عاش نحو 80 عاماً، قد وُلد في عام 1293هـ - 1876م في مدينة الرياض، بينما سُجلت وفاته في 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953م في مدينة الطائف. ورغم مرور 7 عقود على رحيله؛ فإن وقائع كثيرة أحاطت بتلك الوفاة تحتاج إلى تجلية، وأخرى إلى إيضاح، وثالثة إلى تصويب، وغير هذه وتلك؛ هناك ما يقتضي التدقيق والتثبت أيضاً. وغاية هذا البحث توثيق وقائع الوفاة وما رافقها من ردود فعل رسمية وشعبية من جهة، وأيضاً الإشارة إلى أبرز قرارات الملك المؤسس في أواخر أيامه، وما أوكله من مهام، وأصدره من أوامر وتعليمات، تثبت استقرار البلاد، وترسخ رؤيته في بناء الدولة ودعائمها، والحفاظ على أمنها واستقرارها؛ فالملك عبد العزيز لم يكن حاكماً فحسب، بل صاحب رسالة، وباعث نهضة، وباني دولة، وموحد أمة.

وما يقتضي التدوين والتوثيق أيضاً، طريقة تعامل أبناء الملك عبد العزيز مع ذلك الحدث الجلل؛ فرغم مصابهم بالفقد الكبير، فإن مهمتهم الهائلة في تحمُّل مسؤوليات حكم، وترتيب انتقال سلطة، وتأمين استقرار بلاد، وإدارة شؤون دولة لم تنل أيضاً حقها كاملاً من التوثيق. فما اصطلح الدستوريون على تسميته «فراغ السلطة» في حالات كثيرة؛ أحد أكثر الأوقات حرجاً في تاريخ الدول، هو مما لم تعرفه المملكة العربية السعودية طوال تاريخها. ولا شك في أن مرد ذلك هو المرجعية التي اعتمدتها مؤسسة الحكم، والسوابق الدستورية التي أقرتها، وحرص الملك عبد العزيز على وضع آلياتها قبل وفاته، لا سيما الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياته التي يرصدها هذا العمل.

وإذ يسجل شهر نوفمبر الحالي ذكرى مرور 70 عاماً على وفاة الملك عبد العزيز، سنحاول الإجابة عن كثير من التساؤلات التي تتعلق بذلك التاريخ المهم في المملكة العربية السعودية، والذي تزامن مع انتقال مقاليد الحكم إلى أبناء الملك عبد العزيز، بما يحمله من دلالات وأثر على ما تلته من مراحل.

الرحلة الأخيرة

الملك على «الحصان» وهو كرسي متحرك أهداه إياه الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت

لم تعلم الحشود التي توافدت إلى ساحة مطار الرياض فجر السبت 28 ذو القعدة 1372هـ - 8 أغسطس (آب) 1953م لتوديع الملك المؤسس، أنه سيكون الوداع الأخير. وفي ذلك الفجر أنهى الملك صلاته، وخرج بموكبه لآخر مرة من بوابة «قصر المربع» قاصداً المطار وقد بدت عليه أعراض التقدم في العمر، وكان منذ نحو 8 سنوات (1364هـ - 1945م) غير قادر على المشي، ويعتمد في حركته على «الحصان» وهو كرسي متحرك أهداه إياه الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت.

وبفيض من المشاعر، يصف الأديب والتربوي السعودي السيد أحمد علي الكاظمي لقاء الملك على عربته عام 1370هـ - 1950م، فيقول: «كنا دخلنا المجلس قبل الملك، ثم بعد قليل جاء جلالته راكباً عربة صغيرة جميلة ذات عجلتين كبيرتين من خلف وعجلتين صغيرتين من أمام، وفوق رأسه مظلة يدفعها أحد المرافقين. وبرؤيته في هذه العربة تذكرت أشياء كثيرة مرت بذاكرتي مرور الطيف والحلم، وكلها تدل على التوفيق الذي رافق هذا الرجل طوال حياته، منذ خروجه لطلب مُلك آبائه. سلسلة من نعم الله التي يسبغها عليه ويغدق عليه بها؛ وذلك - لا شك - جزاء حسن نيته وأعماله الطيبة».

وكان الملك قد أطلق على عربته تلك التسمية المحببة (الحصان)، واستحسن استخدامها؛ ما جعله يترك المشي على قدميه مع تقدم السن والإصابة بتصلب الشرايين، إضافة إلى قلة النوم، والإجهاد بمتابعة شؤون الدولة؛ فهو لم ينم أكثر من 4 إلى 6 ساعات في اليوم، وأصيب بعدد من النوبات التي أثرت في صحته.

ويبقى أن كاريزما الشخصية وهيبة الملك وقوة الحضور لم تغب، كما ظل ملازماً ذلك الحب الكبير من الشعب الوفي لأبي الأمة. وكان الملك رغم ظروفه الصحية عازماً على السفر إلى الطائف للإشراف بنفسه على موسم الحج ذلك العام.

ومع شروق الشمس غادرت الطائرة الملكية من طراز «دي سي 4 سكاي ماستر» الرياض في نحو الساعة 5:30 صباحاً، وكأن شروق شمس ذلك اليوم وبسط أشعتها على هضبة نجد يذكران بشروق شمس الملك عبد العزيز على الرياض قبل ذلك التاريخ بأكثر من 50 عاماً وانطلاقه لتوحيد الجزيرة، وبسط حُكمه عليها بعد قرون من الشتات.

ولا أعلم إن كان أحد في تلك الطائرة المقلعة إلى السماء يتصور أنها الرحلة الأخيرة، وأن شمس الملك عبد العزيز تؤذن بالمغيب، وسط إقلاع سرب من الطائرات أقلّت مرافقي الملك من الأمراء وكبار رجالات الدولة والحاشية والحرس.

الاستقبال في الطائف

الملك عبد العزيز ينزل من طائرته

وفي تمام الساعة 8:20 صباحاً حطت الطائرة الملكية في مطار «الحوية»، وصعد إليها ولي العهد الأمير سعود ونائب الملك في الحجاز ووزير الخارجية الأمير فيصل للترحيب بمقدم عاهل الجزيرة. وعلى أرض المطار اصطفت الحشود من أمراء وعلماء ووزراء وأعضاء مجلس شورى وكبار التجار وقادة الجيش ورؤساء القبائل وعمد المحلات وجموع غفيرة من أبناء الشعب السعودي.

وبعد ذلك، أدت الفرقة العسكرية التحية لجلالته، وعُزف السلام الملكي، ودوّى المطار بالتصفيق، وأقيم سرادق كبير للاستقبال توافدت إليه الحشود قادمة من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف وضواحيها لتحية الملك.

وألقى نائب رئيس مجلس الشورى وشاعر جلالة الملك أحمد بن إبراهيم الغزاوي قصيدة ترحيبية قال فيها:

-وأقبلت بك في الأجواء أجنحة

-مسخرات تشق المزن والأفقا

-ما أن تحلق باسم الله موغلة

-إلا وضوؤك فيها يغمر الحدقا

ثم غادر الموكب الملكي مطار الحوية متجهاً إلى الطائف، بينما اصطف أبناء القرى على جانبي الطريق يحيون مليكهم المفدى. وما إن وصل الموكب مدخل الطائف حتى أطلقت المدفعية 21 طلقة ترحيبية، واصطف أشبال أبناء المدارس العسكرية مؤدين التحية ومرددين عبارات الترحيب والإخلاص، كما اصطفت الجماهير على جانبي الطريق الممتدة من مدخل الطائف إلى القصر (طريق الملك فيصل حالياً) منشدين الأهازيج الوطنية. وازدانت الطريق بأقواس النصر والزينات والرايات السعودية التي رُفعت في جميع شوارع الطائف وأسواقها. وكان الأمير فيصل قد أعد قصره الجديد (قصر العقيق حالياً) ليكون مقراً لسكن الملك عبد العزيز، وسيرد تعريفه تالياً بـ«القصر الملكي»، واستأجر «الأمير» فيصل فيلتين في حي العزيزية من أمير الطائف وقتذاك عبد العزيز بن معمر، وانتقل للسكن فيهما مع أسرته.

وعند وصول الموكب إلى القصر الملكي أُدِّيت التحية العسكرية، وعُزف السلام الملكي. وفي مساء اليوم نفسه استقبل الملك وفوداً من أهالي الطائف، وأُلقيت خلال الاستقبال قصيدة لوجيه الطائف الأديب عبد الوهاب عرب، وكلمة الأهالي ألقاها نيابة عنهم المدرس بالمدرسة العزيزية الأستاذ أحمد كمال. واستمر برنامج الملك في استقبال الوفود الرسمية والشعبية، وتصريف شؤون الدولة، ووصفت ذلك الجريدة الرسمية بالقول: «لا يزال القصر الملكي العامر بمدينة الطائف يكتظ كل يوم بالوفود من مختلف الطبقات للتشرف بالسلام على جلالة مولانا الملك المفدى، والترحيب بمقدم جلالته الميمون، فيتفضل جلالته بمقابلتهم، ويغمرهم بعواطفه الملكية الكريمة، إلى جانب استمرار جلالته في تصريف شؤون الدولة، وإدارة سياستها العليا، وتوجيه وزاراتها وإداراتها المسؤولة. مع النظر والإيجاز في ما يرفع إلى أعتاب جلالته من المعاملات والمعروضات».

أما الزركلي فوصف مشهداً مختلفاً فقال: «لما أقبلت للسلام عليه، رأيته جامد البصر، لم يعرفني ولم يعرف أحداً من مقبِّلي يده أو جبهته، وفيهم بعض خواصه والمقربين منه، فارتعدت فريصتاي وحزنت. وفي ذلك العام لم يتمكن من ترؤس الحج، فناب عنه ولي عهده الأمير (الملك) سعود». ولعل الملك كان يصاب بحالات وهن وإرهاق لا يعود فيها قادراً على التركيز الكامل، يعود بعدها إلى طبيعته، ويستجمع قواه.

وروى الكاظمي وغيره شيئاً عن حال الملك في سنواته الأخيرة، وكيف لم يعد يخرج إلى البر أو المقناص، ولا يتحدث مع جلسائه كما في السابق، وأنه في أغلب الأوقات «يجلس ساكناً»، لكنه يبت في ما يُعرض عليه من معاملات، ويعلق على الأخبار. ولا بد لمن يقرأ تاريخ الملك عبد العزيز أن يدرك أن متاعبه الصحية إنما هي نتيجة حتمية لرجل مثله وحّد بلاداً مترامية الأطراف من فوق صهوة جواده، وتعرض لعشرات الجروح والإصابات بعضها معلوم وأخرى لم يُفصح عنها، وسط ضغوط وتحديات هائلة لبناء الدولة، بينما بدأت في السنوات الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز زيادة صلاحيات ومهام ولي العهد، وسجلت سنة 1370هـ - 1951م الحجة الأخيرة للملك المؤسس.

الحج وزيارة نجيب

الملك عبد العزيز مولماً للرئيس المصري محمد نجيب وخلفهما الأمير طلال والأمير (الملك) سلمان

بقي الملك في الطائف يتابع شؤون الحج والحجيج، ويتلقى التقارير عما تقوم به أجهزة حكومته للتسهيل على ضيوف الرحمن لأداء نسكهم بكل أمن وسلامة. ومع شروق شمس يوم الخميس 10 ذو الحجة 1372هـ - 20 أغسطس 1953م توجه الموكب الملكي إلى مصلى العيد بالطائف، شمال شرقي القصر الملكي، وتبعد بوابته عن بوابة القصر أقل من كيلومتر واحد. وبعد أداء صلاة عيد الأضحى، عاد إلى القصر، واستقبل المهنئين، وتبادل برقيات التهاني مع القادة والمسؤولين، واستمر في متابعة سير أعمال الحج.

في هذه الأثناء أشرف ولي العهد على شؤون الحجيج، وتأمين سلامتهم وصحتهم، وقد بلغ عددهم نصف مليون حاج، وكان ذلك رقماً قياسياً. وأعلنت وزارة الصحة سلامة الحج من الأوبئة والأمراض، وصادف ذلك العام اكتمال 30 موسم حج تحت حكم الملك عبد العزيز، أَوْلَى خلالها الحرمين الشريفين جل اهتمامه من حيث العمارة والتوسعة والعناية والرعاية، كذلك وطّد الأمن، وأمَّن السبل، ووفَّر الخدمات والماء والغذاء، وسخَّر إمكانات الدولة لخدمة ضيوف الرحمن، وكثير من ذلك لم يكن متوافراً من قبل.

وعصر يوم الأحد 13 ذو الحجة 1372هـ - 23 أغسطس 1953م استقبل الملك عبد العزيز في القصر الملكي بالطائف الرئيس المصري اللواء محمد نجيب الذي وصل إلى الطائف بعد أداء مناسك الحج وهي الزيارة الخارجية الأولى للرئيس المصري بعد ثورة يوليو (تموز) 1952م. وبعد مغرب اليوم نفسه أقام الملك حفلة عشاء تكريماً للرئيس ومرافقيه حضرها الأمراء وكبار رجالات الدولة. وبعكس المتداول بأن لقاء الزعيمين حدث في قصر جبرة، وهو قصر ضيافة أُعد لإقامة ضيف البلاد، فإن اللقاء وحفل العشاء أقيما في القصر الملكي (قصر العقيق حالياً). ووثقت البعثة المصرية تلك الزيارة، وأنتجت فيلماً توثيقياً عنها مع مجموعة من الصور الفوتوغرافية منها الصورة الشهيرة على المائدة، يقف فيها الأمراء طلال وسلمان خلف والدهما الملك عبد العزيز. وهذه الصورة تحديداً من الصور التي يعتز بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وجعلها تتصدر قاعة الطعام الكبرى في قصر العوجا؛ فهي تدل على خدمته المتصلة لدولته وقيادته، وعلى ما رباه وإخوته عليه والدهم، وهو ما أدى إلى تفانيه في ما أوكل إليه من مهام وما تولاه من مناصب، إضافة إلى ما اكتسبه من خبرات وتجارب على مدى 7 عقود. وكما تخرج سلمان في مدرسة الملك عبد العزيز، خرّجت مدرسة سلمان، محمد بن سلمان، وهذا الإرث العظيم هو ما يجني ثماره الشعب السعودي اليوم.

المراسيم والمهام الأخيرة

الملك عبد العزيز في عرض عسكري في الطائف وقد بدا جلوساً الأمير سعود الكبير والأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز

وفي يوم 15 ذو الحجة 1372هـ - 25 أغسطس 1953م أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً بإسناد القيادة العليا العامة لجميع القوات المسلحة السعودية لولي العهد (الأمير) سعود، ونص المرسوم على أن ترتبط قوات الدفاع والحرس والأمن العام وأهل الجهاد والمجاهدين بالقائد الأعلى.

وعصر يوم 17 ذو الحجة – 27 أغسطس شرّف الملك عبد العزيز العرض العسكري للقوات المسلحة، ووصف مندوب الإذاعة عبد الله المزروع المناسبة بـ«العرض التاريخي العظيم، وأنه أعظم عرض عسكري يقام في الطائف، وأشرف عليه الأمير مشعل وزير الدفاع، وأقيم في الساحة الفسيحة التي أمام القصر الملكي (ساحة العقيق)، وحضره نحو 50 ألف مشاهد، وسجلته بعثة الإذاعة. واشترك في العرض طلاب المدارس الحربية ووحدات المشاة والمدفعية والرشاش والصحة والقوات الميكانيكية... وغيرها، كما تضمن العرض استعراضاً جوياً لسلاح الطيران». ووفق ما رُصِدَ، كان ذلك العرض من أواخر المناسبات العامة التي يظهر فيها الملك عبد العزيز أمام الجمهور الذي اصطف لتحيته.

وبتاريخ 28 ذو الحجة 1372هـ - 18 سبتمبر (أيلول) 1953م، أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً بتأسيس وزارة المواصلات، وتعيين الأمير طلال بن عبد العزيز وزيراً لها. وفي 1 المحرم 1373هـ - 20 سبتمبر 1953م أصدر مرسوماً آخر بالموافقة على نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي، وشمل النظام: تشكيل رئاسة القضاة، وتفتيش المحاكم الشرعية، وبيان اختصاصاتها وصلاحياتها، وبيان اختصاصات وصلاحيات رؤساء المحاكم والقضاة وكتاب المحاكم الشرعية، والمحضرين، وكتّاب العدل، ومأمور بيت المال ومعاونيه... وغيرها.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال تلك المدة كانت هناك حوادث محلية وإقليمية وعالمية، كما استمر استقبال الملك الوفود الرسمية في القصر الملكي بالطائف؛ إذ استقبل بعد موسم الحج رئيس وزراء اليمن الأمير سيف الإسلام الحسين، ووزير الأوقاف المصري الشيخ أحمد حسن الباقوري، ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني، ودولة رئيس وزراء لبنان السابق صائب سلام، والوزير اللبناني المفوض في جدة غالب الترك.

وبتاريخ 13 المحرم 1373هـ - 22 سبتمبر 1953م، وبعد اطلاعه على التقرير السنوي المرفوع لجلالته عن أعمال مجلس الشورى، أصدر مرسوماً ملكياً بتمديد مدة المجلس عاماً كاملاً.

وكان آخر خبر من المصادر الرسمية عن نشاط الملك عبد العزيز في الطائف هو استقباله المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يوم 1 صفر 1373هـ - 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1953م. وفي التاريخ نفسه أصدر الملك أحد أهم المراسيم الملكية وآخرها، وتقضي بتشكيل مجلس الوزراء، وإسناد رئاسته إلى ولي العهد الأمير سعود. وأسند ولي العهد رئيس مجلس الوزراء نيابة رئاسة المجلس إلى الأمير فيصل. ويلاحظ هنا أن الملك عبد العزيز كان يريد استكمال البناء المؤسسي للدولة قبل وفاته، وتنظيم مؤسسة الحكم وتراتبية الخلافة. وبعد ذلك التاريخ وحتى وفاة الملك المؤسس كانت الأخبار تركز وبشكل واضح على نشاطات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء القائد الأعلى العام للقوات المسلحة.

صحة الملك والفريق الألماني

وكانت صحة الملك عبد العزيز قد بدأت تتراجع في الشهر الأخير من حياته، وراجت شائعات بأن الأطباء أشاروا عليه بالسفر للرياض بسبب عدم ملاءمة أجواء مدينة الطائف لصحته لارتفاعها. وكانت هناك استعدادات للسفر، وتكرر الحديث عن سفر الملك ثم العدول عنه، وقيل إنه لم يكن مرتاحاً للسفر.

ويروي الدكتور أمين رويحة رئيس أطباء الجيش السعودي وأحد أعضاء الفريق الطبي الذي أشرف على علاج الملك عبد العزيز في الطائف، أن الملك كان يعاني مرضاً يسمى «التهاباً مفصلياً مشوهاً» تفاقم على مر السنين، وأدى إلى صعوبة حركته، ثم أصيب في أواخر حياته بتصلب في الشرايين. ولم تكن الطائف رغم جودة مناخها تناسب حالته الصحية؛ وذلك بسبب ارتفاعها عن سطح البحر لما يقارب 1700 متر. وازدادت النوبات بعد وصوله للطائف فرأى الأمراء جلب فريق طبي من ألمانيا لمعالجته، وكلف الدكتور رويحة بذلك، ووصل 3 من الأطباء الألمان وبقوا أسبوعاً، أجروا خلاله الفحوصات، وقرروا العلاج المناسب، وشعر معهم الملك بالارتياح، لكن النوبات لم تنقطع.

ويضيف الدكتور رويحة: «كان يشرف على علاج الملك وتنفيذ توصيات الأطباء، طبيب جلالته الخاص الدكتور مدحت شيخ الأرض، الذي استدعاني في صباح أحد الأيام على عجل، فتوجهت مع اثنين من الزملاء، ودخلنا على الراحل في مقر إقامته بقصر الأمير فيصل، فرأيناه جالساً على كرسيه بقامته المديدة وطلعته الجبارة، وقد احتقن وجهه بالزرقة بسبب ما يعانيه من ضيق التنفس. ورغم ذلك كله لم يكن يشكو أو يئن، بل كان يحوقل ويتشهد، وتطلب الأمر إجراء تخطيط كهربائي للقلب ما استدعى إبعاد أي جسم معدني. فاستأذنا نزع الخاتم من إصبعه وهو خاتم ذو فص نقش عليه اسمه، فابتسم طيب الله ثراه وقال: «إنها المرة الأولى التي أنزع فيها هذا الخاتم من إصبعي». وكانت عبارته هذه بمثابة طعنة أصابتني في قلبي؛ لأنني عَدَدْتُها تنبؤاً بالنهاية المنتظرة من الوجهة الطبية. ومع ذلك بقي يلاطفنا ويجاملنا بطيب الحديث طيلة مدة الفحص، وبعد أن حقنه الدكتور مدحت بإبرة طلبنا من الملك أن يرتاح. وحينما عدنا بعد الظهر وجدناه قد عاد إلى كرسيه وبين يديه الشيخ عبد الرحمن الطبيشي يعرض عليه البرقيات».

وصل مرض الملك إلى مرحلة لم تعد تجدي معها الأدوية أو المسكنات، وكان أبناؤه من حوله. يقول الأمير نواف بن عبد العزيز إن الملك عبد العزيز في أحد أواخر أيامه استيقظ فرأى أبناءه متحلقين بجوار سريره فقال: «أنتم ليه مجتمعين هنا؟ أنتم إيش جايبكم تجتمعون عندي؟ أنت يا سعود وش جابك؟ رح اهتم بأمور المسلمين، وارجع إلى جدة، لأن الناس لو شافوكم مجتمعين عندي سيشعرون بشيء سيئ، أو أنكم أهملتم شؤونهم، روحوا كل واحد يهتم بشؤونه». وأمر ولي العهد سعود أن يعود إلى جدة ويدير أمور الدولة، فاتفق ولي العهد مع طبيب الملك الدكتور مدحت أن يتصل عليه عندما تتطور الحالة ويقول له: «خلي أديب يجيب معه الأدوية» وكانت شفرة ليعرف أن حالة الملك حرجة.

قصر الملك السكني ويسمى «قصر الملك عبد العزيز الشمالي المسلح» في الرياض

مع البنات

وقبل 3 أيام من وفاته أتى بعض بنات الملك عبد العزيز لزيارته والاطمئنان عليه، وكانت حالته غير مستقرة، ومع حقنه بالأدوية والمسكنات غدا أكثر الوقت نائماً. وحين دخلن الغرفة وجدنه على السرير وجزء من شماغه قد غطى وجهه. قبّلت البندري بنت عبد العزيز يد والدها، وتبعتها الأخريات دون أن يشعر بهن. كان لقاءً من طرف واحد. ورأت البنات أباهن بحالة لا تسر فخرجن يكفكفن الدموع، ويستعدن ذكرياتهن معه وهو الذي لطالما أحاطهن بحنانه، لا سيما أن للمرأة دوراً كبيراً في حياته، وكثيراً ما افتخر وانتخى بها ونقل عنه قوله: «أنا أخو نورة». وبالتزامن مع فترة اشتداد المرض على الملك كان مقرراً أن يتزوج (الأمير) سلمان بن عبد العزيز من ابنة خاله الأميرة سلطانة بنت تركي السديري، وسبق للملك أن بارك ذلك. وفي إحدى الليالي كانت الأميرة حصة بنت أحمد السديري والدة فهد وسلطان وعبد الرحمن وتركي ونايف وسلمان وأحمد أبناء عبد العزيز ترعى شؤون الملك وتلاحظه، فأفاق وسألها: «هل تزوج سلمان؟». فأجابت أنه قرر تأجيل زواجه حتى يشفيك الله، فرد: «الله يبارك في سلمان» وكررها، وهي تؤمّن على دعائه. هذه التفاصيل وغيرها كثير من القصص عن علاقة الملك عبد العزيز بزوجاته وأولاده بنين وبنات تستحق أن توثق، علماً أن هناك نقصاً في الدراسات المتعلقة بأدوار زوجات الملك عبد العزيز وبناته أفقدنا الكثير من المعلومات عن دور المرأة في تأسيس وبناء الدولة.

الرحيل

يصف الأمير نواف تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة الملك عبد العزيز الذي كان يقيم في غرفة بالدور الأرضي من قصر الأمير فيصل، وكان الأمير نواف يقيم معه في الطابق العلوي من القصر: «كانت مع الملك في ليلته الأخيرة زوجته الأميرة هيا بنت سعد السديري (والدة الأمراء بدر وعبد الإله وعبد المجيد)، وشعر الملك بتحسُّن فطلب أن يغتسل فذهبوا به إلى الحمام على العربية، واغتسل وتوضأ ثم عاد إلى غرفته». ويتابع الأمير قوله: «شعرت بأن صحته أفضل، فصعدت إلى غرفتي وبعد مدة سمعت طرقاً على الباب فنزلت مسرعاً، وكان قد أصيب بنوبة، والأطباء مدحت شيخ الأرض والدكتور الفرنسي ميليز... وغيرهم حوله يراقبون الضغط، وفهمت منهم أنه بسبب مرض القلب يجب ألا ينهض مباشرة من الفراش وإنما بالتدرج. ولأنه حاول النهوض مباشرة أصيب بالنوبة، وحاولوا السيطرة على الوضع، وكان لا يزال يتنفس ثم جاء الأمير فيصل، واتصل الدكتور مدحت على الملك سعود وأعطاه الإشارة، وبدأنا نراقب الوضع».

استمر توافد الأمراء، ومع دخول الملك سعود باب القصر فاضت روح الملك عبد العزيز إلى بارئها. ويصف تلك اللحظات الأخيرة الأمير نواف بقوله: «كنت أدرك أنه وصل إلى النهاية، كان يتنفس ببطء وصعوبة، ويمسح خشمه ويتشهد، ومع دخول (سعود) من المدخل الخارجي، توفي الملك عبد العزيز، كأنها نهاية ملك وبداية ملك». كانت الساعة نحو العاشرة من صباح يوم الاثنين 2 ربيع الأول 1373هـ - 9 نوفمبر 1953م.

تحمل المسؤولية

الملك عبد العزيز متوسطاً الملك فيصل والملك سعود

سادت حالة من الحزن الشديد أنحاء المكان، ووفقاً لرواية الأمير نواف قال الأمير عبد الله بن عبد الرحمن للملك سعود: «أنا أخلصت لأبيك، وكنت معه، الآن أعطيك يدي وأبايعك، وانزل بايع، فاتجه إلى الصالون وتبعناه وبايعناه، فالتفت الملك سعود إلينا وقال: الآن يكون فيصل ولياً للعهد». ويفهم من كلام الأمير نواف أنه كان موجوداً في تلك اللحظات الدقيقة من تاريخ المملكة العربية السعودية الأمراء عبد الله بن عبد الرحمن وسعود وفيصل ومحمد وخالد... وغيرهم من أبناء الملك عبد العزيز الذين تحملوا مسؤوليتهم التاريخية في أقسى لحظات الحزن.

اتُخذت الإجراءات، وبدأت ترتيبات الجنازة، وأُعدت البيانات لتبثها الإذاعة، التي بدأت في بث القرآن الكريم، ثم أعلنت نحو الساعة 12:20 ظهراً الخبر، وعممت وزارة الخارجية البيان الرسمي على البعثات الدبلوماسية في جدة والسفارات والممثليات السعودية خارج المملكة. تناقلت الإذاعات والوكالات العالمية الخبر، وتصدر النشرات الإخبارية وعناوين الصحف. أما المشهد في الطائف فكان يسوده الوجوم، ويخيم عليه الحزن. هُرع الناس يتناقلون الخبر، ويعزّي بعضهم بعضاً، وأغلقت الأسواق والدكاكين أبوابها، وخرج التلاميذ من مدارسهم، واتُخذت الاحتياطات والتدابير الأمنية والعسكرية. كان الطائف مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش، وبدأت ترتيبات الجنازة والصلاة والنقل إلى الرياض والدفن، والبيعة العامة للملك سعود.

تولى الأمير فيصل الإشراف على تلك الترتيبات، وفي القصر تناوب أبناء الملك عبد العزيز مع بعض رجالاتهم على غسل والدهم وتجهيزه وتكفينه. يتذكر الأمير محمد الفيصل أن والده قال له: «روح مع سلمان واحملوا النعش»، ويبرر ذلك ربما لأنهما كانا أطول الموجودين من شباب الأسرة. ويضيف: «حملت النعش خلف سلمان بن عبد العزيز مع بقية الأبناء، وخرجنا به من الباب الرئيسي». شيعت جنازة الملك عبد العزيز من باب القصر محمولة على أعناق أبنائه وأحفاده ورجالات دولته، وساروا بها على الأقدام يتقدمهم الملك سعود وولي عهده فيصل وكبار الأمراء والعلماء والأعيان، وخرج الشعب بمختلف طبقاته لمصلى العيد، حيث أقيمت صلاة الجنازة على فقيد الأمة عند الساعة الثانية ظهراً. أمَّ المصلين الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل الشيخ رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإمام وخطيب مسجد عبد الله بن عباس. والشائع لدى أكثر من مصدر، ومنهم الزركلي وتبعه في ذلك جمهرة من المؤرخين، أنه صُلي على الملك عبد العزيز في الحوية، بينما الصلاة أقيمت في مصلى العيد القديم في الطائف (موقع جامع الملك فهد حالياً)، وذلك وفق ما ورد في المصادر الرسمية.

حُمل الجثمان من مصلى العيد في سيارة نقل إلى مطار الحوية، وتحرك الموكب المهيب يتقدمه ملك البلاد وولي عهده. يقول الأمير محمد الفيصل: «كان الأمراء نواف وسلمان وأنا مع الجثمان في السيارة، وكان الموكب متصلاً طوال الطريق الذي يبلغ طوله نحو 35 كيلومتراً من الطائف إلى مطار الحوية». وقد خرجت الطائف عن بكرة أبيها، وتحركت كل سياراتها لتشييع الإمام العادل الذي ضمها إلى حكمه؛ فذاقت في عهده طعم الأمن المفقود، والعدل المنشود، والاستقرار والرخاء، وأصبحت عاصمته الصيفية، وقاعدة جيشه، وركيزة منظومة تعليمه المدني والعسكري، وبلغت في عهده أوج تألقها ونمائها.

وفي المطار كانت الوفود قد اجتمعت من أنحاء البلاد لتودع ملكاً وتبايع ملكاً، والطائرات مصطفة في ساحة المطار. تلقى الملك سعود وولي عهده التعازي والبيعة، وحُمل الجثمان إلى الطائرة الملكية من طراز «دي سي 4 سكاي ماستر». وغادرت الطائرة التي أقلت مع الجثمان، ولي العهد الأمير فيصل وإخوته محمد وخالد وسعد وعبد الله وبندر وعبد المحسن وسلطان وعبد الرحمن وبدر وتركي ونواف وفواز وماجد أبناء الملك عبد العزيز، ورافقهم رئيس الخاصة الملكية عبد الرحمن الطبيشي. كما غادرت مجموعة من الطائرات الأخرى التي أقلت عدداً من الأمراء الآخرين وبعض المسؤولين والحرس والمرافقين. ووفقاً للترتيبات التي أُعدت، بقي الملك سعود في الطائف لتلقي التعازي والبيعة، ومعه أخوه وزير الدفاع الأمير مشعل وعدد آخر من إخوتهما.

من الرياض وإليها

وقبيل الغروب وتحديداً عند الساعة 4:40 دقيقة هبطت الطائرة الملكية في مطار الرياض الذي وصف مشهده يومئذ المؤرخ السعودي الشيخ حمد الجاسر بقوله: «اكتظ مطار الرياض بالجماهير الغفيرة التي اختلطت دموعهم بدعواتهم، يتقدمهم ابن عم الملك الأمير سعود الكبير، وأمير الرياض نايف بن عبد العزيز، وحشد من الأمراء والعلماء والأعيان، وجموع عظيمة من مختلف طبقات الأمة، وبعد إنزال الجثمان من الطائرة، حُمل في سيارة يرافقه الأمير فيصل وإخوته والجموع تتبعهم بعيون شاخصة وقلوب واجفة ودموع منهمرة، إلى مصلى العيد القديم (شرق بوابة الثميري وهو موقع مبنى أمانة مدينة الرياض وحديقة البلدية فيما بعد). ضاقت الساحة وما جاورها من طرقات وأسواق بجموع المصلين من الرجال والنساء والكبار والصغار، حيث صُلي على فقيد الأمة بعد صلاة المغرب، وأمَّ المصلين المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وكان منظراً مثيراً لكامن الحزن، حيث لا تقع عين الناظر بين تلك الفئام الكثيرة إلا على باكٍ حزين، أو متجلد يحاول إخفاء الأسى، ولكن الدموع تبرزه، أو مُظهِر للصبر ولكن حشرجة صوته تخونه.

وبعد الصلاة نُقل الجثمان بالسيارة إلى مقبرة العود، وانطلقت الجماهير تحف بالسيارة، وغصت المقبرة بجموع المشيعين، وازدحموا على جنازة الملك عبد العزيز ازدحاماً شديداً وهو الذي تبوأ في كلِّ قَلْبٍ من قلوب أفراد شعبه مكاناً رَحْباً، ومُسْتَقَراً دائماً، وأَحْدَثَ موتُه في كل قلب من الكآبة والحزن ما عجز القلم عن وصفه والتعبير عنه، ففي كل وجه من وجوه أفراد الأمة أثر بارز، وفي كلِّ نفس حسرة ولوعة.

رسالة بخط اليد من الملك إلى أبنائه سعود وفيصل ومحمد وخالد

ووسط تلك الجموع الغفيرة في المقبرة، تولى الأمير فيصل وعدد من إخوته إنزال جثمان والدهم إلى القبر، ثم شاركت الحشود في مواراته الثرى. لقد استرد الملك عبد العزيز الرياض وضمها قبل شروق شمس أحد أيام شهر شوال 1319هـ يناير (كانون الثاني) 1902م، وضم ثرى الرياض جسد الملك عبد العزيز بعد غروب شمس ذلك الاثنين الحزين، وبين التاريخين أكثر من 50 عاماً أشرق بها الملك عبد العزيز على الرياض، وأشرقت بعهده الرياض، استقراراً ونماءً وتطوراً وغير ذلك الكثير، وامتدت إشراقته لتعم كل أرجاء مملكته العربية السعودية (مملكة عبد العزيز).

في الأيام التالية، تقاطرت الوفود من كل مكان، وأبرق زعماء الدول معزين في عاهل الجزيرة، وأعلنت دولٌ الحدادَ على الراحل الكبير، ونُكست الأعلام، ونعاه الكتّاب والساسة، وعدّدوا مآثره، وأقيمت صلاة الغائب بعد صلاة الجمعة 6 ربيع الأول 1373هـ - 13 نوفمبر 1953م في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي.

وكتب المؤرخ الألماني داكوبرت فون ميكوش: «لم يصبح ابن سعود عظيماً بفضل الإرث، ولكنه استطاع بشخصيته الفذة التي ليس لها في التاريخ العربي مثيل، تأسيس مملكته، وتوحيد الجزيرة العربية، وتجديد تعاليم الإسلام، وتوطيد الأمن الذي كان ولا شك من أهم ما أخذه ابن سعود على عاتقه من مهام، وبقي أن يستمر الجهد لإكمال العمل الذي بدأه ابن سعود خلال حكمه الطويل الأغر، ولئن مات ابن سعود فسيظل في التاريخ العربي حياً بوصفه رجلاً عظيماً فريداً من نوعه، شق الطريق لشعبه وللأمة العربية نحو قمة المجد».

ولا شك أن الملك عبد العزيز لم يملأ فراغاً كبيراً في التاريخ الحديث فحسب، بل ترك إرثاً عظيماً لم يقتصر على إنشائه دولة من الصفر، وتوحيد شعب من الشتات، وما تبع ذلك من التأسيس والبناء، ولكنه تَمَثَّلَ أيضاً في حرصه على تحميل أبنائه المسؤولية، وتأهيلهم لمتطلبات الحكم وخدمة الناس.

يلخص ذلك الشاعر السوري الدكتور خالد البرادعي في أبياته التي أنقلها بتصرف:

-صقر الجزيرة أنت أم رئبالها؟

-أم صبحها العربي في الآماد

-نوديت باسمك والملوك تهالكوا

-في ندوة الألقاب دون تفادي

-وغدت لاسمكَ لذة تندى بها

-أفواه شعبك بعد كل تنادي

-وكتبت ملحمة الخلود تتمة

-لملاحم الدنيا مع الأجداد

-وغدوت بعد الموت أطول قامة

-مما حييت بزندك الميقاد

-متجدداً في كل يوم مقبلاً

-نحو العروبة في مخاض ولاد

-عبد العزيز تركت خلفك ضمة

-من أنجم وكواكب وهوادي

-ملك يغيب فيرتقي لمقامه

-ملك يوازنه بكل مجاد

-ورثوا فرائدك الأوابد مثلما

-أورثتها عن سامق الأنضاد

ويكفي أن نقرأ رسالة الملك عبد العزيز التوجيهية إلى أبنائه الأكبر سناً وقتذاك، لندرك المبادئ التي أنشاء عليها دولته، ولنفهم أسس ذلك الإرث العظيم:

«من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل:

إلى الأبناء سعود وفيصل ومحمد وخالد سلمهم الله تعالى

بعد ذلك، من طرف أربعة أمور سأذكرها لكم أدناه وهي: أولاً: تكونون يداً واحدة فيما بينكم صغيركم يوقر ويمتثل أمر كبيركم، وكبيركم يعطف على صغيركم. كما أن الصغير إذا رأى أمراً ما يجوز من الكبير فيجب أن يبين له ذلك، ويقول إن الأمر هذا لا يجوز منك، وعلى الكبير الإصغاء لأخيه الصغير، كما هو لازم عليه مناصحة أخيه الصغير.

ثانياً: إن كل شيء آمر فيه أو دبرة أدبرها تنفذونها ولا تعترضونها، أو تعارضوا من وكلت إليه أمرها.

ثالثاً: إن كل ما سألتكم عنه أو لزم لكم رفعه لي تصدقونني فيه بأي حال تكون.

رابعاً: ألا تعترضوا أمور ماليتي لا قريبها ولا بعيدها، في قليل ولا كثير.

هذه الأربعة أمور افهموها، واحرصوا على تنفيذ موجبها، وكل شيء يصير منكم مخالفاً لشيء منها اجزموا أنه سيكون سبباً لسخطي عليكم، يكون معلوماً».

20 ربيع الآخر 1349هـ - 13 سبتمبر 1930م

تضمنت هذه الرسالة وصايا أربعاً، ووُجهت إلى الأربعة أبناء الأكبر سناً، وجاء الرد الفوري منهم في اليوم نفسه:

«أدام الله وجودكم

بعد لثم أياديكم الشريفة، كل ما ذكره جلالتكم أعلاه عن الأمور الأربعة تم فهمها، وإن شاء الله نعمل حسب ما جاء بها، وترون ما يسركم ويرضيكم بحول الله وقوته.

مملوككم الابن مملوككم الابن مملوككم الابن مملوككم الابن

فيصل محمد خالد سعود»

ويعلق على هذه الرسالة رجل الدولة السياسي السعودي الشيخ عبد العزيز التويجري قائلاً: «إنها رسالة أوسع من كل التصورات، عليها هيبة الأب، ورجل الدولة»، وهذه في تقديري إحدى معادلات الحكم الصعبة التي تمكن الملك عبد العزيز ومن بعده أبناؤه من تجاوزها بوضع أسس الفصل بين علاقة الأخوة وعلاقة رجال الدولة، وتنظيم العلاقة بينهم؛ لأن الملك عبد العزيز لم يكن يربي أبناءً فقط، لكنه كان يُخرّج قادة، ويؤهل رجالات دولة.

وها نحن أولاء نعيش اليوم فصلاً من فصول إرث الملك عبد العزيز المجيد، يكتبه سلمان بن عبد العزيز بتأهيله جيلاً من القادة من أحفاد عبد العزيز، يقودهم محمد بن سلمان الذي فاجأ العالم بمنجزاته، كما فعل الملك عبد العزيز قبل أكثر من 100 عام.


مقالات ذات صلة

«جي إف إتش» يبرم شراكة مع نادي النصر السعودي

عالم الاعمال «جي إف إتش» يبرم شراكة مع نادي النصر السعودي

«جي إف إتش» يبرم شراكة مع نادي النصر السعودي

أعلن بنك جي إف إتش عن توقيع اتفاقية شراكة مع شركة نادي النصر، يصبح بموجبها شريكاً للنادي خلال الموسم الرياضي 2026–2027.

الخليج وقَّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا: «اتفاقية مكة» منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة

أكدت تركيا أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مرشحة للتوسع، وستتحول إلى منصة محورية ستغير قواعد اللعبة في المنطقة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد المركز المالي في الرياض (كافد)

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

دعت وزارة الصناعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة للتحقق من أهليتها لمبادرة «استرداد»، التي تتيح استعادة 10 رسوم حكومية لتخفيف الأعباء ودعم النمو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد نائب وزير الصناعة ورئيس قطاع الأغذية في «بيبسيكو» خلال افتتاح المركز الإقليمي للبحث والتطوير في الرياض (تركي العقيلي)

«بيبسيكو» توسع أعمالها في السعودية من بوابة الرياض

تتجه صناعة الأغذية في السعودية إلى تعزيز التوطين، مع اعتماد «بيبسيكو» على الإنتاج المحلي لـ95 % من منتجاتها، و100 في المائة من البطاطس المستخدمة في منتجاتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي أنطونيو غوتيريش مستقبلاً جاسم البديوي في نيويورك السبت (مجلس التعاون الخليجي)

إدانة أممية - خليجية لهجمات الحوثيين على السعودية

أدانت الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي هجمات ميليشيا الحوثي الإرهابية على السعودية، واستهدافها الأعيان المدنية، وتأثيرها الخطير على أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.