كيف يواجه «إكس» اتهامات نشر «معلومات زائفة»؟

كيف يواجه «إكس» اتهامات نشر «معلومات زائفة»؟
TT

كيف يواجه «إكس» اتهامات نشر «معلومات زائفة»؟

كيف يواجه «إكس» اتهامات نشر «معلومات زائفة»؟

عاد الجدل مجدداً بشأن منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، ودورها في مكافحة الخلل المعلوماتي، لا سيما بعد تجدد الاتهامات للمنصة التي يملكها رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، بالمساهمة في نشر المعلومات «الزائفة» و«المُضللة»، الأمر الذي عده خبراء تهديداً لاستمرار عمل «إكس» في بعض الدول، ما لم تتخذ إجراءات فعلية لمواجهة الخلل المعلوماتي.

ومن جهة أخرى، صنّف الاتحاد الأوروبي، في بيان نشره الأسبوع الماضي، منصة «إكس» بأنها «صاحبة أعلى معدل في نشر المعلومات الزائفة والمضللة بين منصات التواصل الاجتماعي». وقالت مفوضة القيم والشفافية بالاتحاد الأوروبي فيرا جيروفا، في البيان، إنه «رُصد أداء سيئ لمنصة (إكس) في هذا الصدد، خلال مرحلة تجريبية لاختبار كود الممارسات المرتبط بقانون الخدمات الرقمية». وسبق أن حذر الاتحاد الأوروبي منصة «إكس» في مايو (أيار) الماضي، من أن «الإجراءات التي اتخذها ماسك أسهمت في نشر الدعاية الروسية». وفي العام الماضي، طالب الاتحاد الأوروبي «إكس» باتخاذ بعض الإجراءات حتى تتجنب الوقوع تحت طائلة «قانون الخدمات الرقمية»، بحسب ما نشره موقع «ذا كرنش».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «تركيبة منصة إكس التفاعلية القائمة بشكل أساسي على النصوص، بالإضافة إلى المواد البصرية الأخرى، وقوة الخوارزمية، أي طريقة عرض المنشورات، تجعلها مساهمة قوية في انتشار المعلومات عالمياً، وليس محلياً فقط».

وتابع غزيل أنه «مع غياب الإجراءات الرادعة القويّة لمنع تغلغل المعلومات المضللة، فإن ناشري تلك المعلومات يستغلون قوة المنصة للتوسّع في نشر الأكاذيب والدعاية السياسية والتضليل العلمي والاجتماعي». ولفت إلى أن «قرارات إيلون ماسك، منذ تسلم دفة المنصة، أزالت كثيراً من القيود التي كانت موضوعة على طبيعة المعلومات المنشورة والحسابات النشطة، مع أنها لم تكن كافية حتى آنذاك، بل ذهب أبعد من ذلك إلى أنه أعاد بنفسه نشر معلومات غير دقيقة حول كثير من المسائل. وهذا الأمر دفع كثيراً من المستخدمين والشركات والجهات إلى الانسحاب من المنصة».

غزيل ذكر أيضاً أن «طرق مواجهة التضليل المعلوماتي عبر منصّات التواصل تختلف من دولة إلى أخرى ومن منطقة جغرافية إلى أخرى... والقيود قد تختلف حسب طبيعة هذه المناطق». ورأى أن تقرير الاتحاد الأوروبي الأخير جاء بمثابة «تحذير» مما قد يحصل في بداية العام المقبل، مع دخول «قانون الخدمات الرقمية» الأوروبي حيز المراقبة بنهاية العام الماضي، واقتراب بدء حيز التنفيذ في بداية 2024.

ثم أردف: «وفق هذا القانون، ستكون هناك عقوبات على المنصات التي لا تلتزم بحماية المستخدمين، وهذه العقوبات ستُحدد من قبل كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، ومن قبل الاتحاد نفسه، ومفوضية الاتحاد الأوروبي... ويمكن في الحالات الأكثر جدية أن تفرض غرامات تصل إلى 6 في المائة من الإيرادات العالمية لمقدم الخدمة. وفي حال واصلت (إكس) رفض التجاوب مع مطالب حماية المستخدمين، من الممكن فرض تعليق قضائي مؤقت لخدماتهم، أي حجب منصة (إكس) أو أي منصة غير متجاوبة تعمل في الاتحاد الأوروبي».

أما بشأن إجراءات منصة «إكس» في مواجهة الخلل المعلوماتي، فقال غزيل: «منذ أن تسلم ماسك إدارة المنصة، حدث كثير من التغييرات في مجال مكافحة الخلل المعلوماتي، ومن بينها إقصاء إمكانية دراسة المنشورات والتفاعل عبر المنصة. وبالتالي منع إمكانية المجتمعات العلمية من إجراء تحليل واسع لما يحدث وتتم مشاركته عبر المنصة، حيث رفع ماسك دعوى قضائية ضد منظمة متخصصة بدراسة انتشار خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي، متهماً إياها بتنفيذ حملة تخويف لإبعاد المعلنين. ومن ثم، أزال الملاحظات على الحسابات الأفراد والهيئات التي تتبع الجهات الحكومية، وكشف عن أن الأداة المخصصة للإبلاغ عن المعلومات المضللة المتعلقة بالانتخابات في الولايات المتحدة، وأستراليا وعدد من دول العالم، تم تخفيض عملها في المنصة. لكن ماسك في المقابل، دعم إدارة خدمة الملاحظات المجتمعية التي لا تزال غير مفعّلة في كثير من المناطق حول العالم، لا سيما المنطقة العربية، حيث يمكن للمستخدمين في مناطق محددة من العالم، التحقق من صحة المنشورات، وإذا وافق عليها عدد كافٍ من المستخدمين، يمكن إضافتها إلى المنشور كسياق إضافي».

وهنا يقول غزيل إن «هذه الميزة، على الرغم من نجاحها في كثير من المجالات، لا تزال محدودة القوة في فرض نفسها ومعاقبة ناشري المعلومات الخاطئة، لذا لا يزال المؤمنون بضرورة الحفاظ على الانتقال السليم للمعلومات يرون أن (إكس) التي يمتلكها أحد أغنى الأشخاص حول العالم، قادرة على اتخاذ مزيد من الإجراءات في الحد من تداول الخلل المعلوماتي، لا سيما في العالم غير الناطق باللغة الإنجليزية».

ورداً على الانتقادات نشر حساب الشؤون الحكومية العالمية التابع لـ«إكس» عدة منشورات، قال إن «شبكات التواصل الاجتماعي شهدت نمواً في عدد المشتركين والحسابات المؤيدة لروسيا، وظهر أكثر من 700 ملاحظة مجتمعية على المنشورات المتعلقة بالنزاع في أوكرانيا من خلال ميزة ملاحظات المجتمع، ووضعت هذه الملاحظات على أكثر من 1200 منشور آخر».

في سياق موازٍ، قال محمد الصاوي، الباحث الإعلامي المصري في شؤون الإعلام الرقمي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتشار السريع للمعلومات المضللة والخاطئة على الإنترنت، والمعروفة بالخلل المعلوماتي، أصبح مشكلة عالمية تستدعي الاهتمام. وبينما يمكن أن تسهم جميع الشبكات الاجتماعية في هذه المشكلة بطريقة أو بأخرى، تبرز منصة (إكس) بشكل خاص في هذا السياق». وأشار الصاوي إلى أن «تقرير نيوز غارد الأخير، أظهر أن قرار إيلون ماسك، إزالة العلامات التي تشير إلى الحسابات المرتبطة بالدولة، أدى إلى زيادة في نشر الدعاية على المنصة في الـ90 يوماً التالية، وارتفع تفاعل الأشخاص على المنشورات من حسابات الإعلام الروسية والصينية والإيرانية الناطقة باللغة الإنجليزية بنسبة 70 بالمائة».

وفي ضوء الاتهامات الموجهة لمنصة «إكس»، ذكر الصاوي أنه «يمكن فرض قيود أو تنظيم أشد على المنصة داخل الاتحاد الأوروبي، من خلال قانون الخدمات الرقمية الذي يهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة للمنصات الرقمية الكبيرة. وإذا لم تتخذ المنصة الإجراءات اللازمة لمكافحة الخلل المعلوماتي، فقد تكون عرضة لعقوبات قانونية أو تنظيمية صارمة». وأضاف أن «الإجراءات التي اتخذتها المنصة لمكافحة الخلل المعلوماتي لم تكن ناجحة، بل على العكس فإن إزالة العلامات التي تشير إلى الحسابات المرتبطة بالدولة أدت إلى زيادة نشر الدعاية والمعلومات غير الصحيحة، كما أن الاقتراح الأخير لماسك بفرض رسوم على جميع المستخدمين قد يؤدي بالفعل إلى تراجع أعدادهم، مما يقلل من التأثير العام للمنصة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة تقليل مشكلة الخلل المعلوماتي». ووفق الصاوي فإن «النقاش حول الخلل المعلوماتي ودور الشبكات الاجتماعية فيه قائم ومستمر، ومن الصعب تحديد الدور الذي تلعبه المنصة بدقة، من دون النظر إلى البيانات والإحصاءات الخاصة}. ويوضح أن «أي منصة اجتماعية، لديها القدرة على تشكيل وتوجيه المحادثات العامة والخاصة، ولذلك يجب على هذه المنصات أن تتحمل المسؤولية في مكافحة الخلل المعلوماتي}.


مقالات ذات صلة

ترمب يطلق «مجلس السلام»: فرصة تاريخية لإعادة إعمار غزّة

العالم العربي ترمب وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» في دافوس يوم 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يطلق «مجلس السلام»: فرصة تاريخية لإعادة إعمار غزّة

التركيز على غزة دون ربطها بالضفة الغربية قد يعزز التجزئة ويخالف قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الأراضي المحتلة وحدة واحدة

هبة القدسي (واشنطن)
آسيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (رويترز)

تقرير: رئيس وزراء باكستان يسعى لتوضيح حول دور قوة استقرار غزة

أفادت 3 مصادر لـ«رويترز» بأن باكستان تريد ضمانات من واشنطن بأن قواتها التي يحتمل ​أن ترسلها إلى غزة في إطار قوة الاستقرار الدولية ستكون ضمن مهمة لحفظ السلام.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
أميركا اللاتينية ‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية (رويترز)

شواطئ خالية رغم جمالها... ضغوط ترمب تخنق السياحة في كوبا

تبدو ‌شبه جزيرة فاراديرو الكوبية بمياهها الفيروزية ورمالها البيضاء الناعمة وأشجار نخيلها وكأنها جنة في منطقة استوائية.

«الشرق الأوسط» (فاراديرو)
العالم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز يدخلان قاعة خلال اجتماع في موسكو 18 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
p-circle

روسيا تستضيف وزير خارجية كوبا... وتحثّ أميركا على الامتناع عن حصار الجزيرة الكاريبية

زار وزير الخارجية الكوبي موسكو، الأربعاء، في وقت تواجه فيه الجزيرة انقطاعات في التيار الكهربائي ونقصاً حاداً في الوقود تفاقم بسبب حظر نفطي أميركي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ صورة مأخوذة لوثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر التقرير الذي صدر عند اعتقال إبستين في 6 يوليو 2019 (أ.ب)

خبراء أمميون: ملفات إبستين تشير إلى أفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية

قالت لجنة من الخبراء المستقلين عيّنها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن الملفات المتعلقة برجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (لندن )

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».