جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

في القصر الذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت

دروع...ودروع
دروع...ودروع
TT

جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

دروع...ودروع
دروع...ودروع

إذا نظرنا إلى الأشياء في منظور تاريخي، لتعذَّر الوصول إلى أحكام سهلة بالإدانة. حَدَثُ اليوم سيكون له معنى آخر بعد مائة سنة أو مائتين، وما حدث منذ مائتي عام لم يكن مفهوماً لدى معاصريه كما نفهمه اليوم. لم تكن الصورة مكتملة. لم يكن السياق الزمني المستقبلي موجوداً. نحن في أي لحظة قد نفهم كيف أدَّت اللحظات أو القرون السابقة إلى اللحظة التي نعيشها، ولكننا محرومون من أن نرى فعل لحظتنا الراهنة فيما يليها من لحظات أو أعوام أو قرون.

هكذا وجدت نفسي أفكر أثناء زيارة قمت بها إلى قصر فرساي وضياعه على أطراف باريس. هذا هو القصر الذي بناه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر، والذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. هذا هو القصر الذي هاجمه «رعاع» باريس مطالبين بالخبز فتساءلت ماري أنطوانيت لماذا لا يأكلون «البريوش» (نوع راقٍ من الخبز يُصنع بالزبد). أو هكذا تقول القصة الشائعة، التي ربما اخترعت للتدليل على مدى جهل الطبقة الحاكمة بمعاناة عامة الناس. لا يحتاج أحدٌ للتدليل على ظلم الملوك آنذاك ومساوئ النظام الإقطاعي ونهب الحاكمين عبر العصور لجهد المحكومين، وليس قصر فرساي وحدائقه الشاسعة وتحفه وتماثيله ولوحاته وأثاثه هو وغيره من مئات القصور والضياع التي تملكتها الطبقة الأرستقراطية إلا برهاناً باقياً على ظلم تلك الطبقة التي عاش رعاياها حياة ضنك وجوع ومرض.

هل كان مصمم هذا المدفع واعيا بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟

إلا أني أنظر اليوم إلى طوابير الدخول لزيارة القصر التي تمتد إلى عدة كيلومترات يومياً على مدار العام، وأفكر في الرسوم التي يدفعها هؤلاء الزوار القادمون من أرجاء الأرض جميعاً، وأتساءل ألم تُحصّل تكاليف بناء هذا القصر قبل ثلاثمائة عام عشرات المرات من ملايين زواره، ألم تنعش السياحة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي على مرّ الزمان منذ انتقالها إلى أيدي الشعب؟ ألا يرتزق منه اليوم عشرات آلاف الفرنسيين العاملين فيه وفي غيره من صروح عهود الظلم البائدة؟ وعلى هذا النحو أليس «رعاع» اليوم مستفيدين من الظلم الذي وقع على جدودهم من ملوك الأمس وأرستقراطييه؟ ألا يمكن القول إن لويس الرابع عشر ومن خَلَفَه كانوا يبنون بدون أن يعلموا من أجل صالح المواطن الفرنسي المستقبلي؟

لست أحاول أن أبرر عصر الإقطاع والملكية المطلقة، لكني فقط أتعجب من مسار التاريخ بين اللحظة الراهنة، وتجلياتها بعد مرور الزمن. أتعجب من مقاصد الأفعال ونتائجها بعيدة المدى. وأتساءل حين نحاكم شخصية تاريخية أو عصراً كاملاً، هل نُدخل في حيثيات الحكم النتائج غير المقصودة لأعمالهم بعد زمانهم أم ننظر إلى أعمالهم في سياقها الزمني المباشر فقط؟ ليست الإجابة على هذا السؤال بالسهلة. وأسوأ القضاة هم قضاة الأحكام السريعة ذات النظرة الجزئية الموقوتة.

وأخيراً فقد وقفت في مخدع ماري أنطوانيت ورأيت الباب السري الذي هربت منه بعد أن اجتاح «الرعاع» أسوار القصر قبل أكثر من مائتي سنة. لم تكن تعلم لحظتها أن هروبها هو هروب لحظي، وأن المقصلة ستنال عنقها في نهاية الأمر. قدَّرتُ رعبها في تلك اللحظات وتعاطفت معها وليس مع «الرعاع» في لحظة انتصارهم. وفكرت أن «الرعاع» - وأنا منهم - لا يزالون ينتهكون خصوصيتها وحرمة خدرها بعد قرنين من الزمان كل يوم. كان نصرهم باقياً وهزيمتها نهائية.

جاءت زيارتي الباريسية التالية وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي. كان ذلك في المتحف العسكري أو «متحف الجيش» الفرنسي كما يُسمّى، والقائم ضمن مجمع مباني «الأنفاليد» (les invalides) في باريس، ومعنى اسمه «المعاقون»، وهو في الأصل مَشْفَى هائل أقامه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر من أجل العناية بالمحاربين القدماء. يركز المتحف على الأسلحة من أواخر العصور الوسطى فصاعداً حتى الحربين الكبيرتين. رأيت كماً هائلاً من السيوف والخناجر والحراب والرماح والنبال والبُلط والبنادق والمدافع والخوذات والدروع للبشر وللخيل وغيرها من وسائل القتل والاحتماء من القتل مما لا أعرف اسمه ويصعُب وصفه. لشدَّ ما تفنّنا – ولا نزال – في سبل القتل.

منذ التقط قابيل ذلك الحجر التعس وهشّم به رأس أخيه - كما تقول القصص الدينية - بَنَى جنسُنا الكثيرَ على تلك الخبرة البدائية الأولى وقطع أشواطاً بعيدة في تطوير أساليب القتل الفردي والجماعي، وطوّع مهاراته اليدوية والذهنية والتقنية لتكريس هذا «الفن» التليد. الأسلحة المعروضة هي أسلحة مستعملة ذات تاريخ معلوم أو مجهول. بعضها أسلحة ملوك لكن أكثرها أسلحة محاربين عاديين. رأيت عدداً هائلاً من السيوف، بعضها محتفظ «برونقه»، ولكن البعض الآخر انطفأ بريقه وصدأ وثلُم نصله. كنت أتأمل طويلاً في سيف أو آخر حتى أكاد أرى الدم القديم يسيل منه مجدداً، وأتساءل ترى كم رأساً شجَّ؟ كم عنقاً أطار؟ كم صدراً اخترق؟ كم ظهراً فصم؟ كم ذراعاً أو ساقاً بتر في تاريخه الحربي «المجيد»؟ كم امرأة رمّل؟ وكم أماً ثكل؟ وكم طفلاً يتّم؟ ترى هل كان تقتيله في مواجهات الجيوش في ساحة الحرب فقط؟ أم أنه عرف فتح المدن وقتل النساء والأطفال والشيوخ؟ ترى كم يداً قَتلتْ بهذا السيف؟ هل أحيل للاستداع بعد مقتل صاحبه أو موته بشكل أو آخر؟ أم تُورث أباً عن جد، مسيلاً دماءً جديدة في كل جيل؟

لم أرَ في ذلك المتحف حديداً في دواليب زجاجية، وإنما خضت في دماء وأشلاء، وسمعت صراخاً ونحيباً، وشهدت ذعراً ورعباً، وبكاء وألماً، وجثثاً كثيرة، كثيرة، تنطق بقسوة الإنسان وحماقته، وكأن الموت لا يعرف كيف يدركنا في كل حال، فقضينا القرون نعلمه كيف يعجّل إلينا، وكيف يقبضنا جماعات لا أفراداً، بغير حاجة لأن ينتظر الشيخوخة أو الأمراض والأوبئة والمجاعات والفيضانات والزلازل والبراكين والأعاصير، فهناك الحروب نقدمها له، تحصيلاً دون جهد.

جاءت زيارتي لباريس وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي

ومن المفارقات التي يلاحظها المتأمل في متحف الأسلحة أن تفنن الإنسان في صنع أدوات القتل كان يعكس الفروق الطبقية الواضحة في تركيبة المجتمعات عبر العصور، التي لم تستثنِ أدوات القتل من مظاهر التمييز بين الثري والفقير، بين النبيل وابن العامّة، فالناس لا تتساوى في القتل وأدواته كما أنها لا تتساوى في أي أمر آخر. ومن هنا نجد السيوف والخناجر والغدّارات ذات المقابض الذهبية أو العاجية والمطعمة بأنواع الجواهر الكريمة، فالنبيل الثري لا بد أن يتأنق في القتل وأدواته كما يتأنق في طعامه ولباسه وسائر أشيائه، أما الفقير ابن الطبقات الدنيا، فيكفيه نصل من الحديد المسنون يؤدي الغرض. ومن المفارقات أيضاً التي لاحظتها أن صنّاع الموت وأدواته كانوا في تفننهم في تزيين بعض الأسلحة لا يقتصرون على الأسلحة الشخصية وإنما رأيت أيضاً مدافع هائلة الحجم مما يزن أطناناً ويعمل عليه فريق كامل من الجنود لتحريكه وتشغيله وقد زيَّنت - عند نهاية الماسورة في الموضع الذي أعتقد أن الجنود يدفعون منه المدفع عند تحريكه - بتمثالين لرجل وامرأة متعانقين يتبادلان قبلة. ترى هل كان مصمم هذا المدفع واعياً بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟ ترى هل أراد أن يُلهي الجنود عن حقيقة الموت الذي يصبّونه على الآخرين والذي ربما ينزل عليهم أيضاً من حيث لا يحتسبون؟ أم أنه أراد أن يذكرهم بالمسرّات التي تنتظرهم إن نجحوا في «القتل» كما يجب؟

جولة التأمل في تاريخ العنف هذه انتهت بمقعد أقل ما يُوصف به بأنه غير مريح ليس فقط كمقعد وإنما أيضاً بالتاريخ الدموي الكامن فيه! هو من معروضات «مركز جورج بومبيدو» في باريس ومن صنع نحّات موزامبيقي معاصر اسمه جونسالو مابوندا. المقعد المعدني مركّب من قطع سلاح جمعها مابوندا من مخلّفات الحرب الأهلية في بلده التي دامت 15 عاماً (1977 - 1992). قطعُ سلاحٍ أدى مهمته. قتل ويتّم ورمّل. قطّع الأوصال. نثر الأشلاء. اخترق الأدمغة والصدور والظهور. ثم انتهى «خُردَة» في يد فنّان ركّبَ من قطعه هذه المعروضة الفريدة ضمن صالة مخصصة لمخلفات الحرب وآثارها على الناس. عاش جنسنا البشري عبر العصور، قافزاً من حرب إلى حرب. فكأن هذا الكرسي المدجج بالسلاح، هذا الكرسي الذي كله سلاح، كأنه يرمز للإنسان الذي أنفق عصور بدائيته وحضارته وحتى اليوم «جالساً على برميل بارود». إلا أن الكرسي المعروض خالٍ. لا أحد يجلس عليه. فهل هو نبوءة بفناء الإنسان بحماقته، فلا يبقى بعده إلا مخلفات سلاحه وحروبه؟


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».