فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

المستعربة الروسية تقول إن العربية اختارتها ووقعت في غرامها

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا
TT

فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا

على مدار ثلاثين عاماً، تمتد رحلة المستعربة الروسية فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية. وقد بدأت بحدث غير متوقع وخارج عن السياق في المرحلة الجامعية، ثم شرائها أول قاموس عربي - روسي، حيث أخذت تنظر بدهشة لحروف غير مألوفة ستكتب ملامح مصيرها في المستقبل.

ترجمت إلى الروسية من كلاسيكيات الأدب العربي روايتين لنجيب محفوظ، هما «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، كما ترجمت لعلاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو»، أما من الأجيال الجديدة فنقلت «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي.

وفيكتوريا زاريتوفسكايا معروفة بصرامتها الأكاديمية وجديتها اللافتة وظهورها الإعلامي النادر، فضلاً عن تعمقها في أسرار لغة الضاد وجمالياتها عبر بحوث ودراسات علمية. هنا حوار معها:

> أثناء إعدادي لأسئلة هذا الحوار، فوجئتُ بابتعادك اللافت عن الإعلام حتى أنه لا يكاد يوجد لك حوار صحافي واحد، لماذا وهل الأمر متعمد؟

- بشكل عام، فإن ظهور الباحثين اللغويين والمترجمين في الإعلام محدود جداً، ومن عادة المترجم أن يكتفي بالبقاء خلف الكاتب والنصوص؛ إنه وسيلة، جسرٌ يصلُ الثقافات ببعضها بعضاً، وعمله التقني غير مرئي للأغلبية، فالقارئ يريد أن يعرف ما كتبه الكاتب، ولا شأن له بعملية الترجمة، والصعوبات التي تواجه المُترجم في عمله، وله الحق في ذلك.

وفي ظروف قليلة يحمل المترجم على عاتقه الترويج للأدب الذي ينقل عنه، وقد حدث معي أن شاركت أحياناً في برامج تلفزيونيّة ثقافيّة في قنوات مثل «الجزيرة» و«روسيا اليوم»، فضلاً في قنوات روسية للحديث عن الأدب العربي والترجمة من لغة تعدّ نادرة بالنسبة للوعي الروسي العام.

> هل تعتقدين أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية الباحث وصرامته؟

- لا يوجد تناقض مباشر بين الدقة العلمية والتغطية الإعلامية، ولكن عملياً هناك خلافاً عميقاً في الأساليب والأهداف والآفاق، البحث العلمي الجاد يتطلب الشك، في حين تتطلب وسائل الإعلام الحديثة الثقة، كما يدوم العلم لعقود، بينما لا تدوم الأخبار إلا لأيامٍ أو ساعات.

لا أعتقد أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية باحث الإنسانيات بشرط أن يركّز الحوار على تقديم الشخصية ضمن تجربتها في استيعاب ثقافة الآخر وفهمها، وتفنيد الأنماط الفكرية الخاطئة، بمعنى ألا يكون الظهور الإعلامي للباحث من أجل مناقشة الجوانب التفصيلية في عمله، بل الذهاب إلى الجوهر والغوص فيه.

> متى بدأت علاقتك باللغة العربية؟

- نشأتُ وأنا أجهل تماماً وجود عالم عربي ومحيط ثقافيّ عربيّ، فنظام التعليم المدرسي الروسي يتمحور حول الثقافة الوطنية وبعض الثقافات الأوربية. هكذا بقي العالم العربي، بلغته وأدبه غائبين عني حتى التحاقي بالجامعة.

ولشدّ ما كان ذهولي كبيراً حين شاهدت اسمي في قائمة طلاب اللغة العربية، فتحديد اللغة الأجنبية كان اعتباطياً في جامعتي وليس اختيارياً، وكانت مفاجأة ما خطرت على بالي أبداً. لذلك؛ أعتقد أن العربية هي التي اختارتني وليس العكس.

وإني لأتذكر جيداً لحظة ملامستي القاموس العربي - الروسي الذي اشتريته في اليوم نفسه، فتحته على الصفحة الأولى لحرف «أ» ولم أفهم لماذا لا تبتدئ كلمتا «أذربيجاني» و«أذربيجانية» بالحرف نفسه! إذ إنني لم أكن أعرف بعد اتجاه القراءة بالعربيّة.

أما العلاقة الجديّة بالعربيّة فبدأت بعد سنة أو سنتين من ذاك، أي حين راحت مطالعتي للعربية تتلمس طريقاً غير طريق الدراسة وحفظ الدروس، لا من أجل النجاح فقط، بل للتمتع بالعبارات والتراكيب والمعاني، والتأثر جمالياً وفكرياً بالقراءة كما لو أنني أقرأ بلغتي الأم، فأفهم النكات العربية وأضحك لها وربما أقوم بابتكارها أيضاً.

> هل العربية لغة سهلة أم صعبة من منظور روسي بحت... خصوصاً أنك تدرّسينها لغير الناطقين بالعربية؟

- موضوعياً، هي ليست من اللغات السهلة للدراسة لكثرة قواعدها النحوية وبحر مفرداتها، إنها للمجتهدين فقط. والاجتهاد فيها هو خير صفة للمستعربين، وسر فرحتهم، فمع الاجتهاد وتراكم الخبرة، خطوة بعد خطوة، تتضح لك هذه اللغة ويتفتح منطقها العجيب.

والعربية مقترنة بالرياضيات؛ كونها نظام إشارات في النحو، وبالشعرية في العبارات والتراكيب، فهي لمن يميل إلى الرياضيات ويتحمس للشعر معاً. إن كنتِ تتعلمين العربية وأنتِ ضعيفة في الرياضيات، فلن تتذكري وتفهمي تصريف الأفعال، وإن لم تحبي الشعر، لن تفهمي أن يُقال: توسع توسعاً، أو أخذ أخذاً، بدل توسع وأخذ فقط؛ لن تتقبلي مثل هذه العبارات، وستلغيها من عقلك ولسانك.

إنه لسر دفين، شيء يشبه المعجزة أن تروق هذه اللغة الأجنبية لشخصٍ ولا تروق لآخر. ومن المعروف أن موهوبين كباراً مثل الكاتب الروسي ليف تولستوي والمخرج أندريه تاركوفسكي أقبلا على دراسة العربية ولكنهما تراجعا عنها لاحقاً.

> لكِ اهتمام نقدي خاص بالشاعر العُماني أبو مسلم البهلاني... ما السر وراء هذا الاهتمام؟

- أتخصص في مجالات ومواضيع عدة بدءاً من نظرية اللغة وحتى الأدب العربي المعاصر وأعتقد أنها تسهِم في الترجمة. لا شكّ أن هناك كثيراً من الاتجاهات والأسماء تستحق البحث والترجمة لم نقترب منها في روسيا. فالاختيار واسع وصعب أمام المستعربين الروس.

فيما يخص البهلاني، أعترف بأني وجدته لُقية لم أتوان عن الإمساك بها. قرأتُ عن حياته وأفعاله ومحاسنه الكثيرة ولمستُ ضرورةً في الكتابة عنه بالروسية، وعرض مثاله للقارئ الروسي عبر أفعاله الإنسانية ونشاطه التنويري. لقد لامس عاطفتي وليس اهتمامي الفكري فقط.

> لكن البهلاني توفي عام 1920، ألا تعتقدين أنك تظلمين الأجيال اللاحقة في الشعر العماني حين توقفت أبحاثك في هذا الحقل عند تجربة اكتملت قبل أكثر من مئة عام؟

- بالعكس؛ فتجربة البهلاني باقية لم تغب، ويمكنني القول إنه أثّر كثيراً في تحديد الهوية العمانية المعاصرة ودمغ صوته في أجيال من المثقفين وعامّة الشعب، وليس اعتباطاً أن تدرجه منظمة «يونيسكو» ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً لما قدمه من إرث فكري وأدبي سيبقى أثره لأجيال لاحقة. أمّا الشعراء والكتّاب العمانيون الآخرون، فلا أشكّ بقدراتهم الإبداعيّة، وأتمنى أن يضمهم مشروع ترجمي كبير نأمل أن يتحقق.

> ترجمتِ إلى الروسية أكثر من عمل لنجيب محفوظ، لا سيما روايتيّ «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، لماذا برأيك لم ينتشر الأدب العربي في مرحلة ما بعد نجيب محفوظ في روسيا على نحو قوي؟

- لسوء الحظ؛ فروسيا لا تدخل ضمن البلدان الأوروبية حيث ترجمة الأدب العربي المعاصر أمر مألوف والقيام به ضروري لمعرفة العالم المحيط، لا سيّما بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا نرى ما يشير إلى استعادة عمله. اليوم، نعدّه فتحاً لو ترجمنا كتاباً عربياً واحداً في السنة وروجنا له. شيء كئيب؛ فلا مشروع مستدام يجمع المترجمين المستعربين الروس في عمل كبير ترعاه الدولة، ولا مبادرات عربية لتقديم الأدب العربي للروس، والمبادرات الشخصيّة تصطدم بشروط وخطط دور النشر الروسيّة التي لا تلتفت إلى المشرق العربي.

كلّ ما ترجمته مؤخراً كرواية «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، ورواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي (صدرت في طبعتين) قد تنبّهت إليهما دور النشر الروسية بعد أن تُرجما إلى الإنجليزية وصعدا إلى قوائم المسابقات الإنجليزية أو فازا بها، لولا هذا الصعود لما وجدتا طريقهما إلى الروسية.

> إلى جانب نجيب محفوظ، ترجمتِ روايتيّ «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» لعلاء الأسواني الذي يرى كثير من المثقفين أن أعماله تعتمد على حبكة مشوقة لكنها تخلو من العمق، حسب انتقادات عدّة، كيف ترين الأمر؟

- أعتقد انه أدب من نوع آخر، يتمتع بحبكة شيقة وأجواء محلية، كما يعطي شيئاً ذا قيمة، مثل معرفة خصائص العلاقات الاجتماعية المصرية وتحولاتها المعاصرة والظروف التي يتشكل فيها وعي الشباب ومظاهر التطرف... إلخ.

قد يكون الأمر كما أشرتِ بالنسبة للعرب، أمّا هنا فقد لاقت رواية «عمارة يعقوبيان» صدى جيداً؛ إذ تعرض مصر من الداخل للأجانب، وقراءة هذا العمل موصّى به للمستعربين المختصين في الدراسات السياسية والاجتماعية.

> من هم الأدباء العرب الذين أثاروا إعجابكِ وتتمنين ترجمة أعمالهم إلى الروسية؟

- ترجمتُ لكتّاب مصريين، وقليل من كتّاب الجزيرة العربية، وهي منطقة أدبيّة مجهولة عندنا رغم أهميتها، فهناك مثلاً أدب يُكتب في السعوديّة متطور ومغرٍ للترجمة، على سبيل المثال لا الحصر رواية «الحزام» للروائي أحمد أبو دهمان، ورواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، فمثل هذه الأعمال التي تنسج من ميثولوجيا المنطقة وتاريخها، ممتعة للقارئ الروسي ومثرية معرفياً.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي

> لعلكِ لاحظتِ أن العقل الثقافي العربي لا يزال، إلى حد ما، متوقفاً عند مرحلة الكلاسيكيات في الأدب الروسي، مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف... ما السبب برأيك وراء عدم تعرف القارئ العربي بشكل متعمق على الأجيال التالية من الأدباء الروس؟

- بالفعل الأدب الكلاسيكي يحوز نصيب الأسد من حركة الترجمة من الروسية إلى العربية؛ وذلك لما ينطوي عليه هذا الأدب من قيم إنسانية خالدة. ومع ذلك، فترجمة الأدب الحديث غير غائبة تماماً، بما فيها الترجمة المدعومة من معهد الترجمة بموسكو.

إنها مشكلة بنيوية تنبع من عوامل عدّة، منها غياب الدعم الحكومي. فخلال الحقبة السوفياتية، كان هناك برنامج حكومي قوي ورصين لترجمة الأدب الروسي (والسوفياتي) إلى العربية. تولّت هذه المهمة دور نشر متخصصة أبرزها (رادوجا والتقدم). كان هذا جزءاً من استراتيجية جيوسياسية كبيرة لتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط. كما بلغت أنشطة الترجمة ذروتها في الفترة ما بين الستينات والثمانينات، عندما وفد آلاف الطلبة من سوريا ومصر والعراق ولبنان وفلسطين للدراسة في الجامعات السوفياتية. وقد شكّلوا كنزاً ثميناً من المترجمين.يتضاءل اليوم عدد طلاب العلوم الإنسانية من الدول العربية في روسيا، وتختزل كثير من الحكومات مِنحها الدراسية على المجالات التقنية. الآن، ولكي نقيم منصة حقيقية للترجمة بين اللغتين، لا بدّ من تضافر الجهود بين العرب والروس، والبدء في وضع استراتيجية جادة طويلة الأمد يتولاها مختصون من كلا الجانبين.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».