فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

المستعربة الروسية تقول إن العربية اختارتها ووقعت في غرامها

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا
TT

فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد

فيكتوريا زاريتوفسكايا
فيكتوريا زاريتوفسكايا

على مدار ثلاثين عاماً، تمتد رحلة المستعربة الروسية فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية. وقد بدأت بحدث غير متوقع وخارج عن السياق في المرحلة الجامعية، ثم شرائها أول قاموس عربي - روسي، حيث أخذت تنظر بدهشة لحروف غير مألوفة ستكتب ملامح مصيرها في المستقبل.

ترجمت إلى الروسية من كلاسيكيات الأدب العربي روايتين لنجيب محفوظ، هما «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، كما ترجمت لعلاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو»، أما من الأجيال الجديدة فنقلت «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي.

وفيكتوريا زاريتوفسكايا معروفة بصرامتها الأكاديمية وجديتها اللافتة وظهورها الإعلامي النادر، فضلاً عن تعمقها في أسرار لغة الضاد وجمالياتها عبر بحوث ودراسات علمية. هنا حوار معها:

> أثناء إعدادي لأسئلة هذا الحوار، فوجئتُ بابتعادك اللافت عن الإعلام حتى أنه لا يكاد يوجد لك حوار صحافي واحد، لماذا وهل الأمر متعمد؟

- بشكل عام، فإن ظهور الباحثين اللغويين والمترجمين في الإعلام محدود جداً، ومن عادة المترجم أن يكتفي بالبقاء خلف الكاتب والنصوص؛ إنه وسيلة، جسرٌ يصلُ الثقافات ببعضها بعضاً، وعمله التقني غير مرئي للأغلبية، فالقارئ يريد أن يعرف ما كتبه الكاتب، ولا شأن له بعملية الترجمة، والصعوبات التي تواجه المُترجم في عمله، وله الحق في ذلك.

وفي ظروف قليلة يحمل المترجم على عاتقه الترويج للأدب الذي ينقل عنه، وقد حدث معي أن شاركت أحياناً في برامج تلفزيونيّة ثقافيّة في قنوات مثل «الجزيرة» و«روسيا اليوم»، فضلاً في قنوات روسية للحديث عن الأدب العربي والترجمة من لغة تعدّ نادرة بالنسبة للوعي الروسي العام.

> هل تعتقدين أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية الباحث وصرامته؟

- لا يوجد تناقض مباشر بين الدقة العلمية والتغطية الإعلامية، ولكن عملياً هناك خلافاً عميقاً في الأساليب والأهداف والآفاق، البحث العلمي الجاد يتطلب الشك، في حين تتطلب وسائل الإعلام الحديثة الثقة، كما يدوم العلم لعقود، بينما لا تدوم الأخبار إلا لأيامٍ أو ساعات.

لا أعتقد أن الظهور الإعلامي يتعارض مع جدية باحث الإنسانيات بشرط أن يركّز الحوار على تقديم الشخصية ضمن تجربتها في استيعاب ثقافة الآخر وفهمها، وتفنيد الأنماط الفكرية الخاطئة، بمعنى ألا يكون الظهور الإعلامي للباحث من أجل مناقشة الجوانب التفصيلية في عمله، بل الذهاب إلى الجوهر والغوص فيه.

> متى بدأت علاقتك باللغة العربية؟

- نشأتُ وأنا أجهل تماماً وجود عالم عربي ومحيط ثقافيّ عربيّ، فنظام التعليم المدرسي الروسي يتمحور حول الثقافة الوطنية وبعض الثقافات الأوربية. هكذا بقي العالم العربي، بلغته وأدبه غائبين عني حتى التحاقي بالجامعة.

ولشدّ ما كان ذهولي كبيراً حين شاهدت اسمي في قائمة طلاب اللغة العربية، فتحديد اللغة الأجنبية كان اعتباطياً في جامعتي وليس اختيارياً، وكانت مفاجأة ما خطرت على بالي أبداً. لذلك؛ أعتقد أن العربية هي التي اختارتني وليس العكس.

وإني لأتذكر جيداً لحظة ملامستي القاموس العربي - الروسي الذي اشتريته في اليوم نفسه، فتحته على الصفحة الأولى لحرف «أ» ولم أفهم لماذا لا تبتدئ كلمتا «أذربيجاني» و«أذربيجانية» بالحرف نفسه! إذ إنني لم أكن أعرف بعد اتجاه القراءة بالعربيّة.

أما العلاقة الجديّة بالعربيّة فبدأت بعد سنة أو سنتين من ذاك، أي حين راحت مطالعتي للعربية تتلمس طريقاً غير طريق الدراسة وحفظ الدروس، لا من أجل النجاح فقط، بل للتمتع بالعبارات والتراكيب والمعاني، والتأثر جمالياً وفكرياً بالقراءة كما لو أنني أقرأ بلغتي الأم، فأفهم النكات العربية وأضحك لها وربما أقوم بابتكارها أيضاً.

> هل العربية لغة سهلة أم صعبة من منظور روسي بحت... خصوصاً أنك تدرّسينها لغير الناطقين بالعربية؟

- موضوعياً، هي ليست من اللغات السهلة للدراسة لكثرة قواعدها النحوية وبحر مفرداتها، إنها للمجتهدين فقط. والاجتهاد فيها هو خير صفة للمستعربين، وسر فرحتهم، فمع الاجتهاد وتراكم الخبرة، خطوة بعد خطوة، تتضح لك هذه اللغة ويتفتح منطقها العجيب.

والعربية مقترنة بالرياضيات؛ كونها نظام إشارات في النحو، وبالشعرية في العبارات والتراكيب، فهي لمن يميل إلى الرياضيات ويتحمس للشعر معاً. إن كنتِ تتعلمين العربية وأنتِ ضعيفة في الرياضيات، فلن تتذكري وتفهمي تصريف الأفعال، وإن لم تحبي الشعر، لن تفهمي أن يُقال: توسع توسعاً، أو أخذ أخذاً، بدل توسع وأخذ فقط؛ لن تتقبلي مثل هذه العبارات، وستلغيها من عقلك ولسانك.

إنه لسر دفين، شيء يشبه المعجزة أن تروق هذه اللغة الأجنبية لشخصٍ ولا تروق لآخر. ومن المعروف أن موهوبين كباراً مثل الكاتب الروسي ليف تولستوي والمخرج أندريه تاركوفسكي أقبلا على دراسة العربية ولكنهما تراجعا عنها لاحقاً.

> لكِ اهتمام نقدي خاص بالشاعر العُماني أبو مسلم البهلاني... ما السر وراء هذا الاهتمام؟

- أتخصص في مجالات ومواضيع عدة بدءاً من نظرية اللغة وحتى الأدب العربي المعاصر وأعتقد أنها تسهِم في الترجمة. لا شكّ أن هناك كثيراً من الاتجاهات والأسماء تستحق البحث والترجمة لم نقترب منها في روسيا. فالاختيار واسع وصعب أمام المستعربين الروس.

فيما يخص البهلاني، أعترف بأني وجدته لُقية لم أتوان عن الإمساك بها. قرأتُ عن حياته وأفعاله ومحاسنه الكثيرة ولمستُ ضرورةً في الكتابة عنه بالروسية، وعرض مثاله للقارئ الروسي عبر أفعاله الإنسانية ونشاطه التنويري. لقد لامس عاطفتي وليس اهتمامي الفكري فقط.

> لكن البهلاني توفي عام 1920، ألا تعتقدين أنك تظلمين الأجيال اللاحقة في الشعر العماني حين توقفت أبحاثك في هذا الحقل عند تجربة اكتملت قبل أكثر من مئة عام؟

- بالعكس؛ فتجربة البهلاني باقية لم تغب، ويمكنني القول إنه أثّر كثيراً في تحديد الهوية العمانية المعاصرة ودمغ صوته في أجيال من المثقفين وعامّة الشعب، وليس اعتباطاً أن تدرجه منظمة «يونيسكو» ضمن الشخصيات المؤثرة عالمياً لما قدمه من إرث فكري وأدبي سيبقى أثره لأجيال لاحقة. أمّا الشعراء والكتّاب العمانيون الآخرون، فلا أشكّ بقدراتهم الإبداعيّة، وأتمنى أن يضمهم مشروع ترجمي كبير نأمل أن يتحقق.

> ترجمتِ إلى الروسية أكثر من عمل لنجيب محفوظ، لا سيما روايتيّ «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، لماذا برأيك لم ينتشر الأدب العربي في مرحلة ما بعد نجيب محفوظ في روسيا على نحو قوي؟

- لسوء الحظ؛ فروسيا لا تدخل ضمن البلدان الأوروبية حيث ترجمة الأدب العربي المعاصر أمر مألوف والقيام به ضروري لمعرفة العالم المحيط، لا سيّما بعد نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام 1988.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا نرى ما يشير إلى استعادة عمله. اليوم، نعدّه فتحاً لو ترجمنا كتاباً عربياً واحداً في السنة وروجنا له. شيء كئيب؛ فلا مشروع مستدام يجمع المترجمين المستعربين الروس في عمل كبير ترعاه الدولة، ولا مبادرات عربية لتقديم الأدب العربي للروس، والمبادرات الشخصيّة تصطدم بشروط وخطط دور النشر الروسيّة التي لا تلتفت إلى المشرق العربي.

كلّ ما ترجمته مؤخراً كرواية «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، ورواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي (صدرت في طبعتين) قد تنبّهت إليهما دور النشر الروسية بعد أن تُرجما إلى الإنجليزية وصعدا إلى قوائم المسابقات الإنجليزية أو فازا بها، لولا هذا الصعود لما وجدتا طريقهما إلى الروسية.

> إلى جانب نجيب محفوظ، ترجمتِ روايتيّ «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو» لعلاء الأسواني الذي يرى كثير من المثقفين أن أعماله تعتمد على حبكة مشوقة لكنها تخلو من العمق، حسب انتقادات عدّة، كيف ترين الأمر؟

- أعتقد انه أدب من نوع آخر، يتمتع بحبكة شيقة وأجواء محلية، كما يعطي شيئاً ذا قيمة، مثل معرفة خصائص العلاقات الاجتماعية المصرية وتحولاتها المعاصرة والظروف التي يتشكل فيها وعي الشباب ومظاهر التطرف... إلخ.

قد يكون الأمر كما أشرتِ بالنسبة للعرب، أمّا هنا فقد لاقت رواية «عمارة يعقوبيان» صدى جيداً؛ إذ تعرض مصر من الداخل للأجانب، وقراءة هذا العمل موصّى به للمستعربين المختصين في الدراسات السياسية والاجتماعية.

> من هم الأدباء العرب الذين أثاروا إعجابكِ وتتمنين ترجمة أعمالهم إلى الروسية؟

- ترجمتُ لكتّاب مصريين، وقليل من كتّاب الجزيرة العربية، وهي منطقة أدبيّة مجهولة عندنا رغم أهميتها، فهناك مثلاً أدب يُكتب في السعوديّة متطور ومغرٍ للترجمة، على سبيل المثال لا الحصر رواية «الحزام» للروائي أحمد أبو دهمان، ورواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، فمثل هذه الأعمال التي تنسج من ميثولوجيا المنطقة وتاريخها، ممتعة للقارئ الروسي ومثرية معرفياً.

الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكاً تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي

> لعلكِ لاحظتِ أن العقل الثقافي العربي لا يزال، إلى حد ما، متوقفاً عند مرحلة الكلاسيكيات في الأدب الروسي، مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف... ما السبب برأيك وراء عدم تعرف القارئ العربي بشكل متعمق على الأجيال التالية من الأدباء الروس؟

- بالفعل الأدب الكلاسيكي يحوز نصيب الأسد من حركة الترجمة من الروسية إلى العربية؛ وذلك لما ينطوي عليه هذا الأدب من قيم إنسانية خالدة. ومع ذلك، فترجمة الأدب الحديث غير غائبة تماماً، بما فيها الترجمة المدعومة من معهد الترجمة بموسكو.

إنها مشكلة بنيوية تنبع من عوامل عدّة، منها غياب الدعم الحكومي. فخلال الحقبة السوفياتية، كان هناك برنامج حكومي قوي ورصين لترجمة الأدب الروسي (والسوفياتي) إلى العربية. تولّت هذه المهمة دور نشر متخصصة أبرزها (رادوجا والتقدم). كان هذا جزءاً من استراتيجية جيوسياسية كبيرة لتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط. كما بلغت أنشطة الترجمة ذروتها في الفترة ما بين الستينات والثمانينات، عندما وفد آلاف الطلبة من سوريا ومصر والعراق ولبنان وفلسطين للدراسة في الجامعات السوفياتية. وقد شكّلوا كنزاً ثميناً من المترجمين.يتضاءل اليوم عدد طلاب العلوم الإنسانية من الدول العربية في روسيا، وتختزل كثير من الحكومات مِنحها الدراسية على المجالات التقنية. الآن، ولكي نقيم منصة حقيقية للترجمة بين اللغتين، لا بدّ من تضافر الجهود بين العرب والروس، والبدء في وضع استراتيجية جادة طويلة الأمد يتولاها مختصون من كلا الجانبين.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.