كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

تتنقل بين سان فرانسسكو وفلورنسا وأوكلاند وبرلين... وعُرفت بإنجازها أعمالاً ضخمة

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن
TT

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

كاترينا غروس صانعة الأحلام المستعادة بقوة الزمن

«جين إير» هي بطلة رواية تحمل اسمها من تأليف البريطانية شارلوت برونتي كانت قد نشرت عام 1847. لا تزال الرواية تُطبع في مختلف اللغات وتُباع لأنها لا تزال ممكنة القراءة بمتعة وشغف. أثناء قراءتها للرواية في مرسمها بنيوزلندا شعرت الفنانة الألمانية كاترينا غروس (1962) أن المرأة التي لا تكف عن الحركة شحنت خيالها بطاقة تدميرية تهبها إلهاما يُخرج الرسم من حدوده التقليدية، جغرافيته التي تختصره باعتباره لوحة تُعلق على جدار. في إمكان الرسم إذاً أن يكون شيئا آخر من خلال تغيير بيئته ومواده والمساحة التي يتحرك عليها ويتفاعل من خلالها مع الجمهور. «انطلقت ومشيت سريعا» هو عنوان المعرض الصادم الذي لا يعبر فعل النظر عن حقيقة تجربة زيارته بقدر ما يمكنني القول إنني عشته بكل حواسي. تضع غروس زائر معرضها على سفينة تتعرض لعاصفة تأخذها من جزيرة لتسلمها إلى آخرى من غير أن تصل بها إلى شاطئ آمن.

تبدأ المغامرة من عمل فني ضخم أقيم في إحدى قاعات «وايت كيوب ــ بيرمسي» في حزيران الماضي ليستمر عرضه ويكون جزءا من مثتنيات المؤسسة العريقة. يجمع ذلك العمل بين أكوام غير منتظمة من التراب ولوحة قماشية مغمورة جزئيًا ومنحوتة برونزية مصبوبة ليُشكّل كل ذلك عملا فنيا واحدا، تتصل أجزاؤه بقلق ينتقل إلى المتلقي من خلال الإيقاع به في وهم بصري لا يكف عن الحركة. ينساب اللون بسلاسة عبر هذه العناصر مُغطيًا ومُوصلًا الأسطح غير المستوية مع الحفاظ على وجودها. يعمل العمل الفني كأرضية متصلة، في الوقت الذي تغطي فيه لوحة كبيرة معلقة على الجدار كل ما هو موجود على الأرض لتشكل امتدادا له.

تتصل أرضية القاعة بذلك الركام الترابي الملون من خلال سطوح لامعة يتحرك عليها قوس قزح لا يكف عن المزاوجة بين ألوانه التي لا تكف عن اللعمان. ذلك ما دفعني إلى سؤال الحارس بحذر»هل يمكنني الدخول؟» حين أومأ برأسه موافقا لاحظت أن كل مَن حضر بعدي فعل ما فعلته. صنعت الرسامة التي سبق لها أن عرضت أعمالها في كبرى المتاحف العالمية مكيدتها بإتقان كما لو أنها خططت لكي تقوض السلوك التقليدي الذي يميز طريقة المرء في النظر إلى الأعمال الفنية. «إنك تدخل إلى عالم تسبقك إليه قناعة أن الدخول إليه محظور».

كل شيء يهذي من حولها

ليس الرسم بنية محددة بوصفات جاهزة سلفا بل هو نظام تفاعلي مفتوح على إيقاعات متباينة في مستويات صعودها وهبوطها. ذلك مفهوم أتاح للفنانة أن تبني عالما تتحرك الألوان فيه بحرية على الأسطح المختلفة، رابطةً بين القماش والعمارة والجدران والأعمدة والأرضية والسقف. لا تُمثّل حدود الأشياء فواصل بل هي روابط تعمل كجسرٍ بينها. استُلهمت اللوحات من التغيرات الدراماتيكية للعناصر الطبيعية من مطر وشمس حارقة وقوة الرياح التي عايشتها غروس أثناء وجودها في نيوزيلندا.

كاترينا غروس

ومثل رسامي الشوارع تلجأ غروس إلى استعمال بخاخ الطلاء الصناعي في التلوين بأصباغ اكريلك زاهية شديدة اللمعان، بحيث يشعر المرء أنه ينتقل إلى عالم، تقوى طاقته الحلمية على إلغاء الحواس المباشرة. يتحقق المرء وهو يعيش التجربة من قدرته على التعامل حسيا مع ما يرى ويفشل لأن كل شيء من حوله يهذي بقوة، كما لو أن الرسامة صنعت عالمها من مواد يفجر بعضها البعض الآخر ما أن تتصادم.

بعد دقائق من التجربة يشعر المرء أن عليه الاستسلام لتلك الحتمية الحلمية بما أنه قد فقد السيطرة على حواسه وهي أدواته التقليدية في اكتشاف الفن. ذلك ما يعني أن غروس نجحت في أن تخلق علاقة بين الزمن والمكان يكمن قوامها في تشتيت الحواس فلا يعرف المرء في أي زمن هو ولن يتمكن من التحقق من مكانه. وهو ما ينعكس على جغرافيا العمل الفني، بحيث لا يمكننا التمييز بين بدايته ونهايته . ذلك تأويل جانبي تسمح به طريقة الفنانة في التعامل مع موضوعها.

ما يهم أن المرء حين يدخل إلى العمل الفني الذي برعت غروس في مسرحته يعيش تجربة بصرية فريدة من نوعها. فهو إذ يراه من الداخل يشعر أنه جزء منه. لن يكون مجرد متلق سلبي بل هو مشارك إيجابي في خلق المشهد. ذلك ما يشعر به حين يرى الآخرين وهم يعيشون مثله فصول التجربة مأخوذين بقوة العصف.

كل شيء يجري بسرعة

«في الصحراء، كل يوم وكل ليلة، ترى مرور الوقت بالفعل لأنّ الضوء المتغير يُحوّل كل ما تنظر إليه. له تأثير مُزيل للمادة والتحوّل فوري تقريبًا. هذه اللوحات هي ردّي على تلك الظاهرة التي هي عابرة تماماً ومع ذلك تتكرر كل يوم» تقول كاترينا غروس وهي تقصد البيئة النيوزلندية التي تستلهم منها رؤيتها الفنية. الفنانة التي درست الفن في دوسلدورف بألمانيا وتنقلت في سياق برنامج مُنح فنية بين فلورنسا وسان فرانسسكو واختارت أن توزع وقتها بين مرسميها في أوكلاند وبرلين عُرفت بشغفها بإنجاز أعمال فنية ضخمة. في عام 2015 قامت بتركيب ثلاث أشجار عملاقة في القاعة الكلاسيكية الجديدة بمتحف فيسبادن، غطت جذورها بطلاء لامع يخطف الأبصار. وفي مشروع «روكاواي» الذي أنجزته عام 2016 بالتعاون مع متحف MoMA PS1 ببروكلين قامت غروس برش حمام عسكري أميركي مهجور وجزء من الشاطئ المحيط به في شبه جزيرة روكاواي بنيويورك بكثافة بالطلاء.

سواء في عملها البيئوي الكبير الذي احتل قاعة كاملة أم في لوحاتها التي يتجاوز عرض عدد منها الستة أمتار والتي تم عرضها في قاعتين كبيرتين لم تضع غروس مسافة ذات شروط وقيود محكمة بين مادتي الأكريلك والرذاذ الصناعي الملون. مزجت المادتين كما لو أنهما الشيء نفسه إضافة إلى أن كل شيء يوحي بأنها لا تملك الوقت للإسترخاء من أجل التمعن في القواعد والاستجابة لها. كل شيء جرى بسرعة وإمعان في الحركة. ذلك ما ينعكس على المشاهد وهو يتلقى البريق الذي يلقي بحمولته الكثيفة برشاقة مترفة لا يمكن الإفلات من تأثيرها المهيج للمشاعر المضطربة. إذا كانت أعمال كاترينا غروس تنتمي إلى التجارب الفنية الكبرى فإن عملية تلقي تلك الأعمال تمثل هي الأخرى تجربة كبرى في التفاعل الذي يهب المتلقي حرية في اختيار الموقع الذي يقف فيه ويتمكن من خلاله أن يمارس خبرته في استعمال حواسه.

فضاؤنا الذي يحلم مثلنا

لو أن كاترينا غروس اكتفت بنقل مشاهد البيئة التي تحيط بها لأعتبرت محاولتها جزء مما يسميه النقاد المنهجيون بـ»فن الأرض» مثلها في ذلك مثل البريطاني ريتشارد لونغ (1945) ولكن انفتاحها على المشهد الطبيعي ينطوي على الكثير من الحيل التي تزيح عن محاولاتها معنى الانتساب إلى ذلك المشهد كما هو الحال لدى لونغ. الإلهام لديها فني خالص وهي بذلك تتحقق من إخلاصها للتجريد كونه تعبيرا عن النجاة من خلال عناصر الرسم الخالصة بمعزل عما يمكن أن تنقله من مرئيات.

تقول غروس «أنا مهتمة بكيفية قدرة اللوحة على إيصال السرعة ومرور اللحظة وفي الوقت نفسه احتواء لحظات متعددة داخل صورة واحدة، بحيث يستحيل فصلها». ذلك ما يشير إلى الزمن الفالت من قياسه الواقعي ليقع في فلك إطاره الكوني غير المحدود. وهو زمن حلمي، لا تقع وحداته في السنوات أو الأيام أو الدقائق بل في ما يتركه إيقاعه الذهبي من لذة في مفارقة المكان الواقعي والانتساب إلى الحركة التي يؤلف الزمن خيوط تشابكها.

وهبتنا كاترينا غروس في معرضها « انطلقت ومشيت سريعا» فرصة مهمة للتعرف على التجريد لا باعتباره محاولة لخلق عالم فني يستمد وجوده الشكلي من العناصر الفنية من غير الحاجة إلى التشبه بالواقع بل وأيضا لكونه قادرا على إحياء الزمن بصيغته الحلمية وهي صيغة لا تخضع لسلطة المكان. «أنت ترى كما لو أنت تحلم» تلك معادلة نجحت غروس في تثبيتها بحيث يخرج المرء من معرضها كما لو أنه أنهى حلما سبفكر كثيرا في إستعادته.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».