الاستبداد لم يعد مسألة محلية في دولة ديكتاتورية من دول العالم الثالث، بل سمة عالمية تستعيد أقسى ملامحها، كأنما كل نظريات الحرية وئدت ونسي أثرها. حتى إن كان سومر شحادة في روايته الجديدة «حكاية السيد البرغي» الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» يستوحي الحالة السورية التي عايشها، فإن النص يتخلى عن تحديد المكان، ويترك الشخصيات منفلتة من ربقة الأسماء، تعيش وجودها الإنساني الكفكاوي المرّ بلا صدمات كبرى أو أحداث انقلابية.
فنحن في أماكن لا أسماء لها ولا عناوين. الشخصية الرئيسية في الرواية (البطل) يعمل في مؤسسة يطلق عليها اسم «إصلاحية». بمعنى أنها تقوم بمهمة الإصلاح، بينما هي بنية استخباراتية تتبع «النظام» الذي لا نعرف له هوية أو لوناً. القصة إذن بلا مؤشرات زمانية أو مكانية، تدخلنا في لعبة روائية متحررة من قيود الجغرافيا واعتباراتها، بحيث نبقى في بقعة هلامية تدور فيها الأحداث. الرواية التي تتحدث عن حبائل التحايل على القمع، ووسائل التلاعب على السلطة المستبدة، تمارس الحيل ذاتها على القارئ والسلطة معاً.
الموظف الحكومي في قسم الوثائق في «الإصلاحية» لم يكن مهجوساً بالتساؤل حول مهمته، وهو يقرأ النصوص التي يتوجب عليه مراقبتها، لكن حين تمر عليه مقالة ممدوح حداد، يتلبسه الشك في صلاحية المقالة نفسها للنشر، ويشعر بالاستفزاز وهو يقرأ فيها أن الموظفين أمثاله «مجرد برغي في آلة تطحن وعي الناس». الآلة هنا هي النظام، والموظف الرقيب هو برغي لا أكثر في آلة ضخمة، وكم من برغٍ غيره. وهي في مجملها براغي تسيّر الآلة دون أن تفهم كنه وظيفتها الحقيقية. إرباكه أمام هذا التشبيه يجعله يتذكر من جديد أن عمله هذا «سمّم حياته» لكن رضي وتغاضى وكتم وجعه، لأن هذه الوظيفة «تزيد من حظوظ أبنائه في الوظائف مستقبلاً».
نص مقالة ممدوح حداد، يفتح تدريجياً أمام السيد البرغي باب الكشف، حيث تنقلب حياته، ويذهب يبحث عن ممدوح، من هو؟ بماذا يفكر؟ وهل له كتابات أخرى؟ أي مصادفة أن تكون ابنته معجبة بهذا الكاتب وفي مكتبتها روايته «عطر الليل» التي سيقرأها خلال رحلته مع عائلته إلى الريف.
في رواية «عطر الليل» يبحث الموظف عن خلفيات الكاتب ممدوح، عن نواياه وانتماءاته، ويؤجل مرة تلو أخرى تسليم التقرير الذي يفترض أن يكتبه عن المقالة المعلقة، ويقدمه للجهة المسؤولة.
في موازاة تصاعد الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها الموظف، وهو يقرأ رواية ممدوح حداد، والتي تنعكس على علاقته بعائلته، يتساءل عن دوره وحياته، ومهمته. ومع تقدمه في القراءة يلتبس علينا الأمر، كما الموظف نفسه، إن كان ممدوح مرآة له، ومجرد اسم مستعار، أم كاتباً حقيقياً.
طوال عشرين سنة، كان الموظف البرغي يقدم تقاريره دون تردد، هذه المرة يشعر بأنه أمام كاتب يختبر فكره، ومساره. وإذا كانت مقالة ممدوح قد استفزته وحرضته على قراءة روايته، فإن الرواية بموضوعها عن الألم الشخصي، وانسداد الأفق، وضياع الذاكرة، تحت وطأة نظام قمعي، تتسبب له في اهتزازات نفسية عميقة ومراجعات موجعة. يقرأ الرواية التي تقلب وجدانه خلال رحلته الريفية مع عائلته، لكن الرقابة لا تعتقه. وهي وإن غابت تبقى ساكنة فيه. ينظر من نافذة في فندقه الجبلي، حيث تنساب الحقول أمامه، فيرى كاميرا ترصده، كعين لا تنام. يتخيل التقرير الذي سيسطره في صاحب الرواية واصفاً إياه بأنه «كاتب منحط، يوظف الكتابة توظيفاً»، لا، بل «هو خطر على الأدب»، لكنه يتراجع. هذا الكاتب أعاده إلى ذاته، إلى أيام الأرق الأولى، حين بدأ وظيفته قبل عشرين سنة، يومها كان يصاب بقلق يحجب عنه النوم. لكن زميلاً له نصحه بأن يحب عمله ويحاول «رؤية الآلة على أنها أمر وجداني... وما أن يعترف المرء بالآلة حتى ترافقه مثل حب قديم يجدد ذاته». يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية، ربما لأنه هنا يصبح بعيداً عن أي شبهة قد تلتصق به. أما خارج مكان عمله فشياطين أفكاره توسوس له بما يشعره بالرعب من انكشاف أمره، خاصة أن إحساساً يطارده بأن ثمة كاميرات تترصده أينما تنقّل، ما يزيد من شعوره الدائم بالخوف المكبوت.
في خضم معركته الذاتية مع رواية ممدوح، التي فيها من التفاصيل ما يشبهه حد التطابق، يسمع وهو جالس في مكتبه في «الإصلاحية» صوتاً يقترب من باب غرفته. عندها سارع إلى إحكام إغلاق الباب، سنده بجسده، ثم أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بفزع وهو يعتقد أن النظام قرأ أفكاره. «النظام قادم، وسوف يسحقه بالمسننات الحديدية، وقد تأخر في قراءة مصيرية». ثم يقول لنفسه: «أصبحت أقرب للاعتقاد بالفعل أنني عدو نفسي، وقد نجح النظام في ترسيخ هذا التصور لدي».
مع بداية قراءة السيد البرغي لـ«عطر الليل» يشعر أن ممدوح خصم له، لكنه بمرور الصفحات، يصل إلى خلاصات أهمها أن ممدوح عجز عن امتلاك حياته، و«عجز عن الاعتراف أن البشر أقل من أن تصنع أقدارها». يقرأ في الرواية عجز ممدوح عن مواجهة النظام، مواجهة تلك الأدوات المخابراتية التي صارت جزءاً من نسيج المجتمع، وليست دخيلة عليه.
يشعر بتشابه بين حياته الشخصية وما يعيشه صاحب الرواية. فهو بحسه التجسسي المتمرس وخبرته، يدرك أنه أمام سيرة وجدانية للكاتب ممدوح حداد، وهي ليست مجرد حكاية من صنع الخيال، إنها مليئة بالمشاعر والانفعالات. مع التقدم في القراءة يصبح أكثر تماهياً مع الكاتب، لكن الفرق أنه انخرط في النظام، وممدوح عاداه وواجهه، لكنهما وصلا إلى النتيجة نفسها، هي أنهما سُحقا، وابتلعتهما الآلة.
يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية
عندما ينهي القراءة أول مرة، يشعر كأن إحساساً جديداً يخترقه، أو كأنما حفر النص في داخله عميقاً، وفجّر أسئلة وجودية.
نحن في حضرة رواية داخل الرواية. بمعية السيد البرغي، نقرأ حكاية ممدوح حداد، بعيني الموظف الرقيب، ونعيش في الوقت نفسه تفاعلاته النفسية مع النص، وإحساسه به، وكيف أنه بمرور الصفحات تزداد شكوكه في نفسه، ومراجعته المؤلمة لحياته، ليس حول محاباته للنظام فقط، لكن حول علاقته الملتبسة بزوجته أيضاً. إذ يقول: «بقيت أنظر إليها نظرتي إلى حديقة في جوار المنزل، تفوح منها رائحة عطر الليل. وكنت أمنع نفسي من اقتحام أسوار تلك الحديقة، أو التطفل على أزهارها». شيء من التجاور في حياة زوجين يفترض أنهما اندغما، لكن الحياة لا تسير بانسيابية حين تكون النفس قلقة، مرتجفة، تدفن مخاوفها، وتصمت عن الضيم، وترتكب الآثام مكرهة.
لهذا، وهو في خضم إعداد التقرير فإن «أكثر المواضيع التي بدأت تلح عليه هي مسألة الحرية». أما العبارة التي بقى يرددها، ويتمنى لو تصل إلى الأسماع، فهي «أنا بريء». لكنه فاقد القدرة على التحكم بمصيره. فكيف تستوي الحرية مع القيد؟
تبقى الرواية تسير بوتيرة هادئة خارجياً، مضطربة في أعماق النفوس، إلى أن نصل إلى نهاية يحسم فيها الموظف أمره، مختاراً ما يعتقده حريته، على البقاء قطعة صغيرة في آلة جهنمية. لكن هل وجد الموظف سلامه الذي يبتغيه؟ نبرة النص لا توحي بذلك، لكننا نفهم أن ممدوح حداد الذي بقي شخصية مقنعة هو مجرد ذريعة روائية أو حاجة أدبية لقراءة الموظف لذاته. أما رواية «عطر الليل» بأسلوبها الذي سحر قارئها، فلعبت دور المشرّح النفسي، أو الكاشف والمحلل، لشخصية قضم روحها القمع وشتّت كيانها، في إشارة إلى دور الأدب في الشفاء من الاستبداد.
