رحلة الرقيب في البحث عن الذات

سومر شحادة في «حكاية السيد البرغي» حيث الأدب شفاء من الاستبداد

رحلة الرقيب في البحث عن الذات
TT

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

رحلة الرقيب في البحث عن الذات

الاستبداد لم يعد مسألة محلية في دولة ديكتاتورية من دول العالم الثالث، بل سمة عالمية تستعيد أقسى ملامحها، كأنما كل نظريات الحرية وئدت ونسي أثرها. حتى إن كان سومر شحادة في روايته الجديدة «حكاية السيد البرغي» الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» يستوحي الحالة السورية التي عايشها، فإن النص يتخلى عن تحديد المكان، ويترك الشخصيات منفلتة من ربقة الأسماء، تعيش وجودها الإنساني الكفكاوي المرّ بلا صدمات كبرى أو أحداث انقلابية.

فنحن في أماكن لا أسماء لها ولا عناوين. الشخصية الرئيسية في الرواية (البطل) يعمل في مؤسسة يطلق عليها اسم «إصلاحية». بمعنى أنها تقوم بمهمة الإصلاح، بينما هي بنية استخباراتية تتبع «النظام» الذي لا نعرف له هوية أو لوناً. القصة إذن بلا مؤشرات زمانية أو مكانية، تدخلنا في لعبة روائية متحررة من قيود الجغرافيا واعتباراتها، بحيث نبقى في بقعة هلامية تدور فيها الأحداث. الرواية التي تتحدث عن حبائل التحايل على القمع، ووسائل التلاعب على السلطة المستبدة، تمارس الحيل ذاتها على القارئ والسلطة معاً.

الموظف الحكومي في قسم الوثائق في «الإصلاحية» لم يكن مهجوساً بالتساؤل حول مهمته، وهو يقرأ النصوص التي يتوجب عليه مراقبتها، لكن حين تمر عليه مقالة ممدوح حداد، يتلبسه الشك في صلاحية المقالة نفسها للنشر، ويشعر بالاستفزاز وهو يقرأ فيها أن الموظفين أمثاله «مجرد برغي في آلة تطحن وعي الناس». الآلة هنا هي النظام، والموظف الرقيب هو برغي لا أكثر في آلة ضخمة، وكم من برغٍ غيره. وهي في مجملها براغي تسيّر الآلة دون أن تفهم كنه وظيفتها الحقيقية. إرباكه أمام هذا التشبيه يجعله يتذكر من جديد أن عمله هذا «سمّم حياته» لكن رضي وتغاضى وكتم وجعه، لأن هذه الوظيفة «تزيد من حظوظ أبنائه في الوظائف مستقبلاً».

نص مقالة ممدوح حداد، يفتح تدريجياً أمام السيد البرغي باب الكشف، حيث تنقلب حياته، ويذهب يبحث عن ممدوح، من هو؟ بماذا يفكر؟ وهل له كتابات أخرى؟ أي مصادفة أن تكون ابنته معجبة بهذا الكاتب وفي مكتبتها روايته «عطر الليل» التي سيقرأها خلال رحلته مع عائلته إلى الريف.

في رواية «عطر الليل» يبحث الموظف عن خلفيات الكاتب ممدوح، عن نواياه وانتماءاته، ويؤجل مرة تلو أخرى تسليم التقرير الذي يفترض أن يكتبه عن المقالة المعلقة، ويقدمه للجهة المسؤولة.

في موازاة تصاعد الحالة النفسية المضطربة التي يعيشها الموظف، وهو يقرأ رواية ممدوح حداد، والتي تنعكس على علاقته بعائلته، يتساءل عن دوره وحياته، ومهمته. ومع تقدمه في القراءة يلتبس علينا الأمر، كما الموظف نفسه، إن كان ممدوح مرآة له، ومجرد اسم مستعار، أم كاتباً حقيقياً.

طوال عشرين سنة، كان الموظف البرغي يقدم تقاريره دون تردد، هذه المرة يشعر بأنه أمام كاتب يختبر فكره، ومساره. وإذا كانت مقالة ممدوح قد استفزته وحرضته على قراءة روايته، فإن الرواية بموضوعها عن الألم الشخصي، وانسداد الأفق، وضياع الذاكرة، تحت وطأة نظام قمعي، تتسبب له في اهتزازات نفسية عميقة ومراجعات موجعة. يقرأ الرواية التي تقلب وجدانه خلال رحلته الريفية مع عائلته، لكن الرقابة لا تعتقه. وهي وإن غابت تبقى ساكنة فيه. ينظر من نافذة في فندقه الجبلي، حيث تنساب الحقول أمامه، فيرى كاميرا ترصده، كعين لا تنام. يتخيل التقرير الذي سيسطره في صاحب الرواية واصفاً إياه بأنه «كاتب منحط، يوظف الكتابة توظيفاً»، لا، بل «هو خطر على الأدب»، لكنه يتراجع. هذا الكاتب أعاده إلى ذاته، إلى أيام الأرق الأولى، حين بدأ وظيفته قبل عشرين سنة، يومها كان يصاب بقلق يحجب عنه النوم. لكن زميلاً له نصحه بأن يحب عمله ويحاول «رؤية الآلة على أنها أمر وجداني... وما أن يعترف المرء بالآلة حتى ترافقه مثل حب قديم يجدد ذاته». يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية، ربما لأنه هنا يصبح بعيداً عن أي شبهة قد تلتصق به. أما خارج مكان عمله فشياطين أفكاره توسوس له بما يشعره بالرعب من انكشاف أمره، خاصة أن إحساساً يطارده بأن ثمة كاميرات تترصده أينما تنقّل، ما يزيد من شعوره الدائم بالخوف المكبوت.

في خضم معركته الذاتية مع رواية ممدوح، التي فيها من التفاصيل ما يشبهه حد التطابق، يسمع وهو جالس في مكتبه في «الإصلاحية» صوتاً يقترب من باب غرفته. عندها سارع إلى إحكام إغلاق الباب، سنده بجسده، ثم أخذ ينظر في أرجاء الغرفة بفزع وهو يعتقد أن النظام قرأ أفكاره. «النظام قادم، وسوف يسحقه بالمسننات الحديدية، وقد تأخر في قراءة مصيرية». ثم يقول لنفسه: «أصبحت أقرب للاعتقاد بالفعل أنني عدو نفسي، وقد نجح النظام في ترسيخ هذا التصور لدي».

مع بداية قراءة السيد البرغي لـ«عطر الليل» يشعر أن ممدوح خصم له، لكنه بمرور الصفحات، يصل إلى خلاصات أهمها أن ممدوح عجز عن امتلاك حياته، و«عجز عن الاعتراف أن البشر أقل من أن تصنع أقدارها». يقرأ في الرواية عجز ممدوح عن مواجهة النظام، مواجهة تلك الأدوات المخابراتية التي صارت جزءاً من نسيج المجتمع، وليست دخيلة عليه.

يشعر بتشابه بين حياته الشخصية وما يعيشه صاحب الرواية. فهو بحسه التجسسي المتمرس وخبرته، يدرك أنه أمام سيرة وجدانية للكاتب ممدوح حداد، وهي ليست مجرد حكاية من صنع الخيال، إنها مليئة بالمشاعر والانفعالات. مع التقدم في القراءة يصبح أكثر تماهياً مع الكاتب، لكن الفرق أنه انخرط في النظام، وممدوح عاداه وواجهه، لكنهما وصلا إلى النتيجة نفسها، هي أنهما سُحقا، وابتلعتهما الآلة.

يصل الاستلاب بالسيد البرغي أنه أكثر ما يشعر بالطمأنينة حين يصبح أمام كاميرا المراقبة في الإصلاحية

عندما ينهي القراءة أول مرة، يشعر كأن إحساساً جديداً يخترقه، أو كأنما حفر النص في داخله عميقاً، وفجّر أسئلة وجودية.

نحن في حضرة رواية داخل الرواية. بمعية السيد البرغي، نقرأ حكاية ممدوح حداد، بعيني الموظف الرقيب، ونعيش في الوقت نفسه تفاعلاته النفسية مع النص، وإحساسه به، وكيف أنه بمرور الصفحات تزداد شكوكه في نفسه، ومراجعته المؤلمة لحياته، ليس حول محاباته للنظام فقط، لكن حول علاقته الملتبسة بزوجته أيضاً. إذ يقول: «بقيت أنظر إليها نظرتي إلى حديقة في جوار المنزل، تفوح منها رائحة عطر الليل. وكنت أمنع نفسي من اقتحام أسوار تلك الحديقة، أو التطفل على أزهارها». شيء من التجاور في حياة زوجين يفترض أنهما اندغما، لكن الحياة لا تسير بانسيابية حين تكون النفس قلقة، مرتجفة، تدفن مخاوفها، وتصمت عن الضيم، وترتكب الآثام مكرهة.

لهذا، وهو في خضم إعداد التقرير فإن «أكثر المواضيع التي بدأت تلح عليه هي مسألة الحرية». أما العبارة التي بقى يرددها، ويتمنى لو تصل إلى الأسماع، فهي «أنا بريء». لكنه فاقد القدرة على التحكم بمصيره. فكيف تستوي الحرية مع القيد؟

تبقى الرواية تسير بوتيرة هادئة خارجياً، مضطربة في أعماق النفوس، إلى أن نصل إلى نهاية يحسم فيها الموظف أمره، مختاراً ما يعتقده حريته، على البقاء قطعة صغيرة في آلة جهنمية. لكن هل وجد الموظف سلامه الذي يبتغيه؟ نبرة النص لا توحي بذلك، لكننا نفهم أن ممدوح حداد الذي بقي شخصية مقنعة هو مجرد ذريعة روائية أو حاجة أدبية لقراءة الموظف لذاته. أما رواية «عطر الليل» بأسلوبها الذي سحر قارئها، فلعبت دور المشرّح النفسي، أو الكاشف والمحلل، لشخصية قضم روحها القمع وشتّت كيانها، في إشارة إلى دور الأدب في الشفاء من الاستبداد.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».