قد يبدو للوهلة الأولى أن الكلمات مجرد أدوات للتعبير، وأن المصطلحات لا تختلف عن غيرها إلا في درجة الدقة. لكن تاريخ الأفكار يكشف شيئاً آخر، فالمصطلحات الكبرى لا تنتقل من لغة إلى أخرى كما تنتقل البضائع بين البلدان، بل تحمل معها آثار وعلامات العصور التي وُلدت فيها، وتكتسب في كل انتقال معنى جديداً. ولهذا فإن دراسة تاريخ المصطلحات ليست بحثاً لغوياً فحسب، بل هي نافذة على تاريخ الفكر والثقافة.
حين ينتقل مصطلح من معجم إلى معجم، لا تنتقل معه الحروف وحدها، بل تنتقل أيضاً شبكة كاملة من المعاني والأسئلة. فالمصطلح الذي نشأ في بيئة ثقافية معينة كان يستجيب لمشكلاتها وأسئلتها الخاصة، وحين يدخل لغة جديدة يجد نفسه في مواجهة سياق مختلف، فيبدأ بالتغير شيئاً فشيئاً. وقد يحتفظ باسمه، لكنه لا يحتفظ دائماً بروحه الأولى.
ولهذا كثيراً ما يكون تاريخ الفكر تاريخاً للترجمات بقدر ما هو تاريخ للنظريات. فكثير من التحولات الكبرى لم تبدأ باكتشاف علمي أو محاولة لبرهان جديد، وإنما بدأت بإعادة فهم مصطلح قديم، أو بإيجاد مقابل جديد له في لغة أخرى. ومع كل ترجمة تتبدل العلاقات بين المصطلحات، وتتغير الحدود الفاصلة بين المفاهيم، حتى يبدو للقارئ المتأخر أن المعاني الحالية كانت موجودة منذ البداية، مع أنها ثمرة قرون طويلة من التحول والتغير المستمر والصيرورة التي لا تنقطع.
وليس هذا خاصاً بالفلسفة وحدها. فمصطلحات مثل «الحداثة»، و«الآيديولوجيا»، و«الهوية»، و«الثقافة»، و«العقل»، و«الحرية»، و«الحق»، تبدو اليوم مستقرة الدلالة، لكنها في الحقيقة مرت برحلات طويلة. ففي كل عصر كانت تشير إلى معنى يختلف، ولو قليلاً، عما كانت تشير إليه في عصرها الأول. ولذلك فإن قراءة النصوص القديمة بالمفاهيم الحديثة كثيراً ما تؤدي إلى إساءة الفهم، لأننا نحمل إلى الماضي معاني لم تكن قد تشكلت بعد.
ولعل أشهر الأمثلة على ذلك لفظ اللوغوس اليوناني. فقد كان يدل عند هرقليطس على النظام الذي تنتظم به الموجودات، ثم اكتسب عند الرواقيين أبعاداً كونية وعقلية، وانتقل في التراث المسيحي ليشير إلى «الكلمة» الإلهية، ثم واجهنا نحن المترجمون العرب صعوبة في إيجاد مقابل واحد له، فتنوعت ترجماته بين «القول»، و«الكلمة»، و«العقل»، و«المنطق»، بحسب السياق. وهكذا لم يكن انتقال اللفظ مجرد انتقال بين لغات، بل كان انتقالاً بين عوالم فكرية مختلفة، وفي كل محطة كان يكتسب ظلالاً جديدة من المعنى. مثال آخر سيزيد قضيتنا وضوحاً، نجده في صرخة الحرية الأخيرة في فيلم المخرج والممثل الأميركي ميل غبسون «القلب الشجاع» وكيف أثارت سخرية بعض النقاد، لأن تلك الصرخة خارجة عن سياقها التاريخي، على الأقل كما يصوّرها المشهد السينمائي. فالناس في القرن الثالث عشر يفهمون معنى الحرية، لكن ليس بهذه الصورة التي تذكر بخطابات الدكتور الأميركي مارتن لوثر كنغ، ونضاله السياسي من أجل الحقوق.
ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تاريخ المصطلحات. فهذه العودة لا تهدف إلى البحث عن الأصل اللغوي للمصطلح فحسب، بل إلى اكتشاف الطرق الذي سلكها حتى وصل إلينا في صورته التي عاصرتنا.
* كاتب سعودي.
