على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

ارتبط الكاتب الفرنسي بالمكان ارتباط الابن البار بأمه

فلوبير
فلوبير
TT

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

فلوبير
فلوبير

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي - حيث ولد الكاتب في 1821 ورحل في 1880. وقد احتوى المتحف على جميع مقتنياته. كان المعرض الأول بعنوان «رحلة إلى بلاد إيما، عبر الدروب والأحلام» بعدسة «إيريك بينار»، في قلعة «مارتانفيل» (على بُعد 4 كم من «ري»). والثاني «هدوء، تصوير! في ديكورات مدام بوفاري»، وهو مسارٌ بصريّ يتتبّع مواقع تصوير أفلام «رينوار» و«شابرول» في «ليون - لا - فوريه».

ومن المعروف أن فلوبير قد استلهم معظم شخصيات رواياته من منطقة روماندي، الواقعة شمال غربي فرنسا، واستمد ديكوراتها من طبيعة أراضي المنطقة. وكانت عائلة «فلوبير» من جهة الأم قد ضربت بجذورها في أراضي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف القرن الثامن عشر، وهي الأرض ذاتها التي شهدت ولادة أمه «كارولين» عام 1793.

وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديداً إقليم «أوج»، في وجدان الكاتب أثمن ذكريات طفولته؛ حيث عاش أياماً تعبق بالبراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي اقتناها والده عام 1829.

وقبيل بضعة أشهر من وضع النقطة الأخيرة لقصته القصيرة «قلبٌ بسيط» في صيف 1876، اشتاقت روحه المتعبة لزيارة بلدة والدته الحبيبة التي رحلت عن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنينٌ طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - على غير عادته الصارمة - أن تتحدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعةً بندى تلك الأيام الخوالي، تحمل في طيّاتها أثراً لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة.

تمثال فلوبير

لقد ارتبط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتباط الابن البار بأمه؛ فلم تكن مجرد مسقط رأسه، بل الملاذ الروحي الذي صاغ وجدانه. فضّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيداً عن صخب باريس، ليُبدع في سكونها أعظم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحاً لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادراً حين ارتحل شرقاً لكتابة «سالامبو»، لتبقى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية.

وكان فلوبير قد أجرى، في خريف عام 1877، رحلة استكشافية توثيقية في «نورماندي السفلى»، حيث أسرته التكوينات الجيولوجية الفريدة المنبثقة من العصر الجوراسي، بمنحدراتها الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتخذ فلوبير من هذه التضاريس مسرحاً لمشروعه الروائي الساخر، جاعلاً منها ميداناً لبطليْه «بوفار» و«بيكوشيه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالبٍ من السخرية السوداء.

وفي هذه المنطقة، وفي عطلة صيفية بقرية «تروفيل» خلال ثلاثينات القرن التاسع عشر، اختبر الفتى «غوستاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قلبه السيدة الناضجة «إليزا شليزنغر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومثله الأعلى للجمال. وقد انعكس هذا العشق العميق لاحقاً في روايته «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنو» من طيف حبيبته، بينما جعل بطل الرواية «فريديريك» مرآةً لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين.

فاجعة تلهم مدام بوفاري

في عام 1848، شهدت قرية «ري» الفرنسية فاجعةً واقعية حين أنهت سيدة تُدعى «دلفين ديلامار» حياتها بتجرع الزرنيخ، هرباً من وطأة الديون الخانقة وصدمة تخلي عشيقها عنها، لتنطوي مأساتها في صمتٍ موحش. إلا أن هذه الحادثة المحلية العابرة أصبحت الشرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيما بوفاري» المتمردة، وحوّل قرية «ري» إلى بلدة «يونفيل - لاباي» الخيالية، مُخلّداً بذلك فاجعةً منسية لتغدو أيقونةً أبدية في تاريخ الأدب.

كتب «فيليب دوفور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»:

«لقد صاغ غوستاف فلوبير جوهر أسلوبه في (مدام بوفاري)، ليثبت عليه كقانونٍ لا يتبدّل. لقد تخلّى عن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تيار الواقعية الجارف. ولِكي يعكس وجه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُقصيها عن ذاته. الكاتبُ في نظره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفيٌّ يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظةً في التضحية بمشاهدَ قد تبدو خلّابة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضاً في شحّ الأحداث داخل رواياتٍ يبدو فيها العالم الماديّ متسيّداً على خبايا النفس البشرية. ورغم اعتناقه لمبدأ «الفن للفن» كمثلٍ أعلى للجمال، فإن لفلوبير رؤيته الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر سلاح سخريته اللاذعة في وجه «التقدم» المزعوم الذي كانت تعبده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الرداءة، راسماً صورةً لعالمٍ قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومضاتٍ عابرة من الحنان تجاه البائسين، ولحظاتٍ نادرة من الإنسانية والجمال الخالص».

عشق «فلوبير» الغوص في بحار المفردات التقنية الدقيقة، صاقلاً قلمه الذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِما يتمتع به من دقةٍ تشريحيةٍ لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصفٍ خالص، وبإحساساتٍ تُنقل بلمساتٍ انطباعيةٍ سريعة للألوان، والضوء، وكثيراً ما تكون للأصوات. ولا ريب أن هذا الجوّ المشحون يسهم - بشكل خفيّ - في رسم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصياغة الحبكة؛ فتأثير تلك الانعكاسات الضوئية على وجه «إيما» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الذي كان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» باستخدام الفعل الماضي الناقص المستمر (L›imparfait)، ليؤكد رتابة الزمن، وملل العيش، وثقل الديمومة الخاضعة لأعراف وتقاليد الأرياف الصارمة. من أهم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقرانه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافةٍ حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطراداتٍ شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «السريرية» المحايدة لما يدور أمام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضياً أخلاقياً على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقيناً ما الكلمة الأخيرة للكاتب!

يتسم أسلوب الكاتب بالدقة والإيقاع المضبوط عبر توظيف تقنية التجاور والاستخدام الذكي لعلامات الترقيم لخلق مساحات للتأمل. وتبرز في نصوصه روح الشاعر المهووس بالكمال الموسيقي، والذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنباً بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الخبايا النفسية لشخصياته. وتتجلى عبقريته هنا في قدرته على رسم المفارقات الإنسانية الصارخة بصرياً ونفسياً؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيادي الخشنة لخادمة أفنت عمرها في الشقاء.

من رماد المحاكمة إلى خلود قرطاج

في خريف عام 1857، وعقب خروجه منهكاً من محاكمة روايته «مدام بوفاري»، قرر غوستاف فلوبير هجر الواقعية الحديثة واللجوء إلى سحر الشرق والعصور القديمة. وقع اختياره على مدينة قرطاج لتخليد «حرب المرتزقة» التي دارت في القرن الثالث قبل الميلاد. ولأجل ذلك، سافر إلى تونس عام 1858 ليتشرب روح المكان وعبق ثقافته، مبدياً اهتماماً بالغاً بتفاصيل المشهد رغم أنه لم يجد حينها سوى أرضٍ جرداء وقناة مياه رومانية.

استغرق فلوبير خمس سنوات من البحث المضني في الآثار والمخطوطات ليبدع رائعته «سالامبو». لقد نسج ميثولوجيا كاملة حول كاهنة القمر «سالامبو» وزعيم المرتزقة «ماثو»، مستخدماً لغةً بصرية مرهفة وأسلوباً سينمائياً يضج بالعنف المكثف. والمثير للدهشة أن الحفريات الأثرية الدولية التي أُجريت في أواخر القرن العشرين أثبتت دقة تفاصيله التاريخية المذهلة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها محض خيال جامح.

ورغم الاستقبال المتناقض الذي حظيت به الرواية عند صدورها عام 1862، حيث هاجمها البعض ودافع عنها بشراسة عمالقة الأدب كـ«فيكتور هوجو»، فإنها تحولت سريعاً إلى أيقونة فنية ألهمت الأجيال. واليوم، يسعى المعرض المتنقل «سالامبو: غضب! شغف! أفيال!» لرد الاعتبار لهذه التحفة وإعادتها للواجهة، عبر عرض 350 قطعة فنية وأثرية تمزج بين أسرار كتابتها، والإبداعات البصرية المستلهمة منها، واللقى الأثرية الحقيقية لقرطاج، في رحلة بصرية تدعو للتأمل العميق.

هكذا يتم الربط بين أعمال الكاتب الروائية والمعارض التي تُقام لغرض فهم أوسع لإبداع الكاتب. فيما عدا رواية «سالامبو» التي استوحاها من قرطاج تونس، فإن أغلب رواياته استقاها، كما ذكرنا، من موطنه الأصلي منطقة النورماندي، بتراثها التاريخي العريق؛ حيث تضم دير مون سان ميشيل الأثري والمذهل المبني على جزيرة صخرية. كما تحمل شواطئها، مثل شاطئ أوماها، ذكرى عسكرية خالدة لكونها مسرحاً لعملية إنزال النورماندي التاريخية لتحرير أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلى جانب ثقلها التاريخي، تُعد المنطقة مهداً للفن الانطباعي، وتبرز فيها قرية جيفرني التي تحتضن منزل وحدائق الفنان «كلود مونيه»، والتي ألهمته لرسم أشهر لوحاته. وتتكامل هذه الروح الفنية مع طبيعة نورماندي الريفية الخلابة ومنحدراتها الطباشيرية البيضاء الساحرة، مثل منحدرات «إيتريتا» المطلة على المحيط الأطلسي. أما على صعيد فن الطهي، فتقدم نورماندي تجربة زراعية فريدة؛ فهي تشتهر بمنتجات التفاح كعصير السيدر ومشروب الكالفادوس، وأفخر أنواع الأجبان الفرنسية كجبنة كامامبير - ذات الرائحة القوية - فضلاً عن لحوم الضأن المتميزة، لتشكل بذلك وجهة استثنائية تجمع بين عبق التاريخ، وروعة الفن والطبيعة، وأصالة المذاق الفرنسي. ثم تتجلى روائع ابنها غوستاف فلوبير لتضفي على المشهد رونقاً آخر من الأدب الرفيع، عبر أسلوبٍ متفردٍ شكّل ثورةً حقيقيةً في أروقة الأدب الفرنسي.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».