التناقض محرك العالم

الخطر الحقيقي ليس وجود الصراع بل التحول إلى أسير له

هيغل
هيغل
TT

التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

* كاتب سعودي

الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف


مقالات ذات صلة

فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

كتب فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

في زمنٍ تغصّ فيه رفوف المكتبات بوصفات جاهزة لـ«السعادة في عشر خطوات»، يأتي كتاب الفيلسوفة فيكتوريا كامبس «البحث عن السعادة» ليقترح طريقاً مختلفاً تماماً.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب الناشرون يتسابقون لإعادة طبع ملحمة هوميروس... بزخارف براقة

الناشرون يتسابقون لإعادة طبع ملحمة هوميروس... بزخارف براقة

تشهد سوق «ملحمة هوميروس» ازدحاماً شديداً -يشبه حال قصرٍ شهير في جزيرة إيثاكا- مما دفع الناشرين إلى ابتكار أساليب ذكية لجذب القراء إلى إصداراتهم.

إم جي فرانكلين
كتب حكاية الفسطاط في العصر الأيوبي

حكاية الفسطاط في العصر الأيوبي

صدر حديثاً عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «درب الصفا» أولى روايات الباحث والشاعر عبد الرحمن الطويل، وهي رواية تاريخية تدور في أجواء مدينة الفسطاط القديمة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جورج آرويل

تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت

ندى حطيط
ثقافة وفنون نقش منحوت من موقع قصر الخير الغربي في البادية السورية يقابله لوح فسيفسائي من قصر هشام في فلسطين ولوحان من قصر القسطل في الأردن

وحش وفريسة في نقش نحتي من قصر الحير الغربي

تحوي البادية السورية موقعين أثريين يُعرفان باسم «قصر الحير»، ويعودان إلى أبنية ملكيّة من العصر الأموي، وعهد الخليفة هشام بن عبد الملك تحديداً.

محمود الزيباوي