الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.


مقالات ذات صلة

فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

كتب فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

فيلسوفة إسبانية تقترح طريقاً مختلفاً للسعادة

في زمنٍ تغصّ فيه رفوف المكتبات بوصفات جاهزة لـ«السعادة في عشر خطوات»، يأتي كتاب الفيلسوفة فيكتوريا كامبس «البحث عن السعادة» ليقترح طريقاً مختلفاً تماماً.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب الناشرون يتسابقون لإعادة طبع ملحمة هوميروس... بزخارف براقة

الناشرون يتسابقون لإعادة طبع ملحمة هوميروس... بزخارف براقة

تشهد سوق «ملحمة هوميروس» ازدحاماً شديداً -يشبه حال قصرٍ شهير في جزيرة إيثاكا- مما دفع الناشرين إلى ابتكار أساليب ذكية لجذب القراء إلى إصداراتهم.

إم جي فرانكلين
كتب حكاية الفسطاط في العصر الأيوبي

حكاية الفسطاط في العصر الأيوبي

صدر حديثاً عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «درب الصفا» أولى روايات الباحث والشاعر عبد الرحمن الطويل، وهي رواية تاريخية تدور في أجواء مدينة الفسطاط القديمة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جورج آرويل

تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت

ندى حطيط
ثقافة وفنون نقش منحوت من موقع قصر الخير الغربي في البادية السورية يقابله لوح فسيفسائي من قصر هشام في فلسطين ولوحان من قصر القسطل في الأردن

وحش وفريسة في نقش نحتي من قصر الحير الغربي

تحوي البادية السورية موقعين أثريين يُعرفان باسم «قصر الحير»، ويعودان إلى أبنية ملكيّة من العصر الأموي، وعهد الخليفة هشام بن عبد الملك تحديداً.

محمود الزيباوي