«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

إلى جانب النسيج العائلي والوجداني تتسع لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.