فرنسا الثقافية 2025... صدمة التراث المنهوب وتحديات «السيادة الرقمية»

تحولات كبرى أعادت رسم ملامح المشهد الثقافي والفكري

معرض "أرتميسيا، بطلة الفن"
معرض "أرتميسيا، بطلة الفن"
TT

فرنسا الثقافية 2025... صدمة التراث المنهوب وتحديات «السيادة الرقمية»

معرض "أرتميسيا، بطلة الفن"
معرض "أرتميسيا، بطلة الفن"

شهد عام 2025 تحولات كبرى، أعادت رسم ملامح المشهد الثقافي والفكري في فرنسا، فبين أسوار المتاحف العريقة وطاولات لجان التحكيم الأدبية، عاشت باريس مخاضاً فكرياً وتقنياً، وضع الهوية الفرنسية على محك التحديث والرقمنة، وسط صخب سياسي لم يغب عن ردهات الثقافة.

استهلت باريس عامها على وقع زلزال أمني وتراثي، تجاوزت ارتداداته الحدود الفرنسية، حين استيقظ العالم على نبأ السطو الصادم على «كنوز التاج» من قلب متحف اللوفر. إذ استهدفت السرقة «تاج لويس الخامس عشر» المرصع بنوادر الأحجار الكريمة التي تختزل تاريخ السيادة الفرنسية منذ مطلع القرن الثامن عشر. هذا التراث المنهوب يمثل حقباً سياسية متعاقبة، من الملكية المطلقة إلى الإمبراطورية النابليونية، ما جعل ضياعها خسارة لا تُقدر بثمن مادي. وقد أثارت الواقعة موجة عارمة من التغطية الإعلامية الدولية، حيث سارعت كبريات الصحف والوكالات العالمية إلى وضع فرنسا تحت مجهر المساءلة، وسط تساؤلات حادة حول «هشاشة» المنظومة الأمنية في الصروح الثقافية الكبرى. وانصبت الانتقادات على وزارة الثقافة وإدارة المتحف، متهمة إياها بالتقصير في حماية «أمانة التاريخ» التي لا تخص فرنسا وحدها، بل البشرية جمعاء.

في قلب هذا المناخ المشحون، انفتح ملف «الرقمنة والذكاء الاصطناعي» في القطاع الثقافي، ليشكل أكبر معركة آيديولوجية شهدها العام. ولم يكن هذا الجدل محصوراً في الأدوات التقنية، بل امتد ليشمل «أخلاقيات الإبداع». حيث دافعت وزارة الثقافة تحت إشراف رشيدة داتي عن استراتيجية «السيادة الرقمية»، الهادفة إلى رقمنة الأرشيف الوطني الفرنسي لحمايته من الاندثار وتسهيل وصول الأجيال الجديدة إليه عبر تقنيات الواقع المعزز. إلا أن هذا التوجه قوبل بمعارضة شرسة من نخب فكرية رأت في «خوارزميات الإبداع» تهديداً لـ«الاستثناء الثقافي الفرنسي». واحتدم النقاش حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيعيد إنتاج المعرفة أم سيعمل على «تنميطها»، وسط مخاوف من أن تتحول المتاحف والمكتبات من فضاءات للتأمل الحي إلى منصات رقمية باردة تفقد العمل الفني روحه التاريخية. كما شكّلت المعارض الكبرى التي احتضنتها المتاحف الباريسية خلال عام 2025 علامة فارقة في المشهد الثقافي الفرنسي، ليس من حيث الإقبال الجماهيري فقط، بل أيضاً من حيث الرهانات الفكرية والتاريخية والجمالية التي حملتها. وقد تصدّرت 3 معارض تحديداً قوائم «الأكثر انتظاراً» و«الأكثر زيارة»، وفرضت نفسها كأحداث ثقافية جامعة بين الفن والتاريخ والسياسة والذاكرة الإنسانية. منها معرض «الفن المُنحط»: محاكمة الفن الحديث في ظل النازية في متحف بيكاسو، وهو من بين أبرز معارض عام 2025، حيث وصف بالحدث الثقافي الاستثنائي لأنه أعاد فتح واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ الفن الأوروبي، لأنه تناول سياسة النظام النازي في ثلاثينات القرن الماضي، حين جرى تصنيف أعمال فنية كبرى – لكاندينسكي، وبول كلي، وشاغال، وبيكاسو نفسه – على أنها «فن منحط»، وتمّ مصادرتها أو تدميرها أو استخدامها في حملات تشهير آيديولوجية. نجاح المعرض لم يكن جمالياً فحسب، بل معرفياً وسياسياً أيضاً. فقد استطاع أن يقدّم قراءة عميقة لعلاقة السلطة الشمولية بالإبداع، مظهراً كيف يتحول الفن في الأنظمة القمعية إلى ساحة صراع رمزي. وقد حظي المعرض بتغطية إعلامية واسعة، واستقبل أكثر من 240 ألف زائر، حسب أرقام المتحف، كما تصدّر قوائم «أهم 10 معارض التي لا تُفوّت في باريس عام 2025». وعلى نقيض الطابع السياسي الحادّ لمعرض بيكاسو، جاء معرض «ماتيس ومارغريت: نظرة أب» في متحف الفن الحديث بباريس ليقدّم تجربة شديدة الخصوصية والحميمية، مسلطاً الضوء على العلاقة بين الرسام هنري ماتيس وابنته مارغريت، التي كانت حاضرة في أعماله كملهمة وموضوع ونقطة ارتكاز إنسانية.

معرض "ماتيس ومارغريت: نظرة أب" في متحف الفن الحديث بباريس

تميّز هذا المعرض بنجاحه في إعادة قراءة أعمال ماتيس من زاوية جديدة، لا تركز على الابتكار التشكيلي أو اللون والخط فقط، بل على البعد العاطفي والنظرة الأبوية التي شكّلت جزءاً من مسيرته الفنية. وقد وجد النقاد في هذا المعرض مثالاً على قدرة المتاحف على تجديد السرديات الكلاسيكية، والانتقال من القراءة الأكاديمية البحتة إلى مقاربة إنسانية تُقرب الفن من الجمهور.

الإقبال الجماهيري اللافت (250 ألف زائر) خاصة من العائلات والمهتمين بتاريخ الفن الحديث، جعل المعرض واحداً من أكثر المعارض تداولاً في الصحافة الثقافية الفرنسية. أما معرض «أرتميسيا، بطلة الفن» في متحف جاكمار - أندريه، فقد شكّل بدوره حدثاً مفصلياً في سياق إعادة الاعتبار للفنانات النساء في تاريخ الفن، حيث أعاد المعرض تسليط الضوء على أرتميسيا جنتيليشّي، إحدى أبرز الرسامات في القرن السابع عشر، التي ظُلم اسمها طويلاً داخل سردية فنية هيمن عليها الرجال. ولم يكن الاهتمام بأرتميسيا محصوراً في كونها «امرأة فنانة»، بل بوصفها مبدعة ذات لغة بصرية قوية، عالجت في أعمالها موضوعات القوة، والعنف، والبطولة النسوية، في زمن كان الإبداع فيه امتيازاً ذكورياً. وقد ساهمت جودة الأعمال المعروضة، والسياق التاريخي الدقيق، في جعل المعرض من أنجح معارض الموسم (180 ألف زائر) وجذب جمهوراً متنوعاً، من طلبة الفنون إلى الباحثين والمهتمين بتاريخ أوروبا الثقافي.

أما في الأروقة الأدبية، فقد ظل إعلان الجوائز الكبرى الحدث الأكثر أهمية، حيث عكست خيارات هذا العام رغبة في العودة إلى السرديات الكبرى والقضايا الوجودية. في هذا السياق، حاز الكاتب لوران موفينييه على جائزة «غونكور» عن روايته «المنزل الفارغ»، وهي رواية سيكولوجية معقدة تفكك مفهوم الغياب والذاكرة في المجتمع المعاصر، وقد أشادت اللجنة ببراعته في تطويع اللغة الفرنسية لخدمة المشاعر الدفينة. وفي المقابل، نالت الكاتبة أديلايد دي كليرمون - تونير جائزة «رينودو» عن عملها «أردت أن أعيش!»، الذي مزج بين التأريخ والدراما الإنسانية، متناولاً صراعات الهوية في أوروبا الوسطى. ولم يغب الجدل السياسي عن الموسم الأدبي، إذ تصدر كتاب الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي «يوميات سجين» قوائم الأكثر مبيعاً، مثيراً عاصفة من الردود؛ حيث لم يكتفِ ساركوزي بعرض تجربته القانونية، بل خاض في نقاشات فلسفية حول العدالة والمصير، ما دفع النقاد إلى اعتباره «بياناً سياسياً» بصبغة أدبية تهدف إلى استعادة مكانته في التاريخ الفرنسي المعاصر.

وعلى صعيد المنشآت الثقافية، دخلت فرنسا مرحلة «الترميم الكبير» مع انطلاق الأشغال الضخمة في مركز جورج بومبيدو. هذا الصرح الذي أحدث ثورة معمارية عند افتتاحه في عام 1977 بتصميمه الذي يظهر أحشاء المبنى من أنابيب وسلالم كهربائية، أغلق أبوابه كلياً في سبتمبر (أيلول) 2025 لبدء عمليات تحديث شاملة تستمر لمدة 5 سنوات. وتهدف الأشغال إلى معالجة تآكل الهياكل المعدنية وتحديث أنظمة الطاقة لتتوافق مع المعايير البيئية الحديثة، بتكلفة تجاوزت 260 مليون يورو، تساهم فيها المملكة العربية السعودية بأكثر من 50 مليون يورو، في إطار إبرام اتفاقيات ثقافية بين البلدين.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».