«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

مديرها العام الإقليمي: المرحلة المقبلة ستُقاس بتطبيقات تدخل الإنتاج وكفاءات محلية تبنيها وتطوّرها

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
TT

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

بعد 25 عاماً من حضور «إنتل» في السعودية، لم تعد الشركة ترى السوق المحلية من زاوية حجم الطلب على المعالجات، أو عدد المستخدمين، بل من زاوية أكثر ارتباطاً بما يُبنى داخل المملكة نفسها من تطبيقات ذكاء اصطناعي تدخل الإنتاج، وخوادم تُجمع محلياً، وتصل إلى أسواق إقليمية، وكفاءات سعودية تنتقل من استخدام التقنية إلى تطويرها.

هذا التحول يختصره المهندس طه خليفة، المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «إنتل» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026»، بالقول إن العلاقة مع التقنية في المملكة تغيرت جذرياً. فبعدما كان النقاش قبل عقدين يدور غالباً حول نشر تقنيات طُورت في الخارج، أصبح التركيز اليوم يتجه إلى التطوير المشترك داخل السعودية، بمشاركة مهندسين سعوديين، وبيانات محلية، وأولويات مرتبطة بـ«رؤية 2030».

وبالنسبة إلى «إنتل»، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الاتفاقيات، أو المشاريع التجريبية، بل بما يصل فعلياً إلى السوق. وخلال 12 إلى 24 شهراً، تفيد الشركة بأنها تريد رؤية حلول تنتقل من الاختبار إلى الإنتاج، وأرقام واضحة لبرامج تنمية المهارات، ومؤشرات مبكرة على تصدير بنية حاسوبية مصنعة في السعودية إلى أسواق إقليمية. ومن بين برامجها، تستهدف مبادرة «Intel AI Digital Readiness» الوصول إلى 100 ألف مستفيد بحلول 2030.

طه خليفة المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «إنتل» (الشركة)

من مورد للتقنية إلى جزء من دورة الابتكار

هذا التغيير انعكس مباشرة على الدور الذي تسعى «إنتل» إلى لعبه في السوق السعودية. فبدلاً من الاقتصار على توفير المعالجات، والحلول الجاهزة، تشير الشركة إلى أنها أصبحت تشارك في مراحل أبكر من دورة الابتكار، تشمل تصميم البنية التقنية، وتحسين النماذج، وتمكين المطورين المحليين، واختبار الحلول قبل نشرها.

وبحسب خليفة، فإن طبيعة الشراكات في المملكة لم تعد تقتصر على توريد المنتجات، بل امتدت إلى التطوير المشترك، والتصنيع المحلي، وتنمية المهارات، وربط التقنية باحتياجات القطاعات ذات الأولوية. وترى «إنتل» أن ذلك ينقلها من موقع المورد الخارجي إلى جزء من منظومة ابتكار محلية أكثر تكاملاً.

ويظهر هذا التوجه في مبادرة «Saudi Made، Developed، Deployed» التي أطلقتها «إنتل»، و«إتش بي إي»، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات خلال مؤتمر «ليب 2026» الذي استضافته الرياض نهاية الشهر الفائت. وتجمع المبادرة بين خوادم مجمعة محلياً تعتمد على معالجات «Intel Xeon 6»، وبرمجيات مطورة في السعودية، وكفاءات محلية، بهدف تسريع تطوير الحلول، والتحقق منها، ثم دفعها نحو الاستخدام التجاري.

لكن خليفة يرى أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التطوير، حيث إن المرحلة التالية تتطلب اختيار حالات استخدام في قطاعات ذات أولوية، واختبار جدواها التقنية، والتجارية، ثم توسيع نشرها لدى عدد أكبر من الشركات. ويؤكد أن النجاح لن يقاس بعدد الحلول التي يجري تطويرها، بل بعدد ما يتحول منها إلى استخدام تجاري مستدام.

«رؤية 2030» والسيادة الرقمية

تربط «إنتل» هذه المبادرات بشكل مباشر بأهداف «رؤية 2030»، ليس فقط من زاوية توطين التقنية، بل عبر الربط بين التصنيع المحلي، وتطوير المهارات، والابتكار التقني، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز السيادة الرقمية، وبناء قطاعات تقنية قادرة على المنافسة إقليمياً، وعالمياً.

ويعني ذلك أن التوطين بالنسبة إلى الشركة لا يقتصر على وجود خطوط إنتاج داخل المملكة، بل يمتد إلى بناء قدرات تسمح بتطوير حلول محلية، وتشغيلها تجارياً، ثم توسيعها خارج السوق السعودية.

ويبرز هذا المنطق أيضاً في «مركز الابتكار السعودي» المخطط له في الرياض. ويحدد خليفة ثلاثة مؤشرات لقياس نجاحه هي: عدد الحلول التي تنتقل من الاختبار إلى النشر التجاري، وعدد الشركات والمطورين المحليين الذين يعتمدون عليه في تطوير منتجاتهم، ثم قدرة الحلول المستضافة داخله على التوسع داخل السعودية، وخارجها.

تسعى المبادرات الجديدة إلى نقل الحلول من الاختبار إلى الاستخدام التجاري مع قياس النجاح بعدد التطبيقات المنتشرة وقدرتها على التوسع داخل المملكة وخارجها (إنتل)

من الإنتاج المحلي إلى التصدير الإقليمي

في جانب التصنيع، بدأت «إتش بي إي» إنتاج خوادم تعتمد على معالجات «Xeon 6» في الرياض لتلبية احتياجات السوق السعودية، وبعض الأسواق الإقليمية. ويرى خليفة أن الإنتاج المحلي يمثل الخطوة الأولى فقط. أما التحول إلى قاعدة تصدير مستقرة، فإنه يتطلب طلباً محلياً مستداماً يسمح بتحقيق وفورات الحجم، إلى جانب بناء ثقة في الأسواق الإقليمية. وبحسب تقييمه، فإن المؤشرات الأولية إيجابية، وإذا استمر الزخم الحالي، فقد تصبح السعودية مركزاً إقليمياً لتصنيع البنية الحاسوبية المتقدمة خلال السنوات المقبلة.

ويضع خليفة أيضاً إعلان شركة «لينوفو» عن تصنيع أول حاسوب محمول لها في السعودية خلال «ليب 2026» ضمن الاتجاه نفسه. وتخطط الشركة لتوسيع الإنتاج المحلي خلال الأشهر المقبلة ليشمل أجهزة مكتبية، ومحطات عمل، وخوادم، دعماً لنمو الذكاء الاصطناعي في السعودية، ومنطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا.

القدرة الحاسوبية ليست عنق الزجاجة الوحيد

رغم التوسع الكبير في مراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي، ترى «إنتل» أن التحدي المقبل في السعودية لن يكون بالضرورة نقص «الحوسبة الخام».

ويحدد خليفة تطوير تطبيقات تحمل قيمة اقتصادية فعلية، ووجود كفاءات قادرة على تشغيل البنية المتاحة وبناء حلول فوقها كعاملين أكثر حسماً.

فامتلاك قدرة حاسوبية كبيرة لا يكفي إذا لم تكن القطاعات قادرة على تحويلها إلى تطبيقات قابلة للاستخدام التجاري، أو إذا لم تتوافر المواهب القادرة على تشغيل الأنظمة، وتطوير النماذج، والحلول. ولهذا تربط الشركة دعمها للبنية التحتية ببرامج بناء المهارات، وتطوير منظومة الابتكار المحلية.

الطاقة تدخل معادلة القرار

مع توسع الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية كفاءة الطاقة. ويقول خليفة إن السؤال لم يعد فقط عن مقدار القدرة الحاسوبية المتاحة، بل عن مقدار ما يمكن تشغيله بكفاءة ضمن موارد الطاقة المتاحة.

وتعمل «إنتل» في تعاون بحثي مع «Think AI» على استكشاف الحوسبة غير المتجانسة، ومقاييس مثل «الرموز لكل واط» (tokens per watt)، وهو مقياس تتوقع الشركة أن يصبح أكثر تأثيراً في قرارات الحكومات، والشركات المتعلقة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

تعتقد «إنتل» أن السعودية تملك فرصة للتحول إلى مركز إقليمي لتصنيع البنية الحاسوبية المتقدمة وتصديرها إلى أسواق المنطقة (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي العربي: اللهجات والتكلفة

في نماذج اللغة العربية، من بينها «علّام» من شركة «هيوماين»، ترى «إنتل» أن التحدي لا يقتصر على فهم العربية الفصحى، بل يشمل التعامل الدقيق مع اختلاف اللهجات، والسياقات الثقافية، سواء بين الدول العربية، أو داخل الدولة الواحدة. ويضاف إلى ذلك تحدي الكفاءة التشغيلية، إذ تحتاج النماذج اللغوية الكبيرة إلى موارد حاسوبية كبيرة، ما يجعل تحسين الأداء لكل واط وخفض تكلفة الاستدلال من الأولويات إذا كان الهدف نقل النماذج من بيئات تجريبية محدودة إلى استخدام واسع النطاق، وبتكلفة قابلة للاستدامة.

جزء من الذكاء ينتقل من السحابة إلى الأجهزة

في المقابل، تتوقع الشركة أن ينتقل جزء متزايد من أحمال الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الأجهزة الشخصية والطرفية داخل السعودية، خصوصاً في الاستخدامات التي تتطلب استجابة فورية، أو معالجة محلية للبيانات الحساسة. ويلفت خليفة إلى المساعدين الأذكياء، ومعالجة المستندات، والاجتماعات، وتطبيقات الأمن السيبراني، باعتبارها من الاستخدامات المرشحة لهذا التحول. كما تبرز قطاعات مثل السلامة العامة، والخدمات المالية، حيث تكون الحاجة إلى معالجة البيانات محلياً، وبسرعة أكبر. ويقدم تعاون «إنتل» مع «موبايلي» و«iOmniscient» في تحليلات الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمدن الأكثر أماناً واستجابة مثالاً على هذا النوع من التطبيقات.

«stc» والانتقال إلى حالات استخدام محددة

يأخذ التعاون مع مجموعة «stc» مساراً مشابهاً. وتشمل مذكرة التفاهم بين الطرفين استكشاف حواسيب الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الطرفي، والذكاء الاصطناعي الهجين، إضافة إلى بنية تحتية من الجيل التالي لمراكز البيانات، مع تحسين استهلاك الطاقة.

أما المرحلة التالية، فإنها تبدأ بتحديد حالات استخدام واضحة، مثل تحليل الشبكات، والصيانة التنبئية، والمساعدين الأذكياء المحليين، بهدف تحسين الإنتاجية، وبيئات الأعمال.

ويرى خليفة أن أكبر فرصة تكمن في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، نظراً إلى قاعدة عملاء «stc» الواسعة، وبنيتها التحتية، ما قد يجعلها قناة لنشر حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع عبر قطاعات متعددة.


مقالات ذات صلة

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

تكنولوجيا صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب) p-circle

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

رفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سيدة مصابة بمرض ألزهايمر تستخدم هاتفاً للتحدث مع برنامج الدردشة «ليفانا» (أ.ف.ب)

أصوات مألوفة وحيوانات أليفة... الذكاء الاصطناعي في خدمة مرضى ألزهايمر

يُساعد الذكاء الاصطناعي على تهدئة المسنّين خلال نوبات الانفعال الشديد من دون الحاجة إلى أدوية، كما يشكل وسيلة لإبقاء المريض منشغلاً ريثما يتوفر أحد المتخصصين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سرطان الثدي تحت عين العلم... حتى ما بعد التعافي (معهد كارولنسكا في السويد)

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعودة سرطان الثدي قبل سنوات

بيّنت دراسة أميركية أنّ اختباراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبّؤ بخطر عودة سرطان الثدي في مراحله المبكرة بدقة أكبر من اختبار جيني شائع...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تكنولوجيا يحذّر باحثون من أن بلوغ الذكاء الاصطناعي مستوى يفوق القدرات البشرية قد يهدد مستقبل البشرية... صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي (الشرق الأوسط) p-circle 03:08

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقضي على البشرية؟

يحذّر باحثون من احتمال تهديد الذكاء الاصطناعي للبشرية مستقبلاً، فيما تظل سيناريوهات الأوبئة والروبوتات والأسلحة النووية افتراضات تتجاوز قدراته الحالية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
TT

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم، التي تعد الشريان الأساسي للتبادلات المصرفية عبر الإنترنت والتراسل وخدمات الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح القدرة على ضبط النفس شرطاً لا غنى عنه.

في سنغافورة، وتحديداً في مركز قيادة تابع لشركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية، التي تشغل مراكز بيانات حول العالم، يجلس المحللون محاطين بخرائط رقمية وشاشات لمراقبة المراكز الشبيهة بمستودعات تملؤها خوادم تصدر طنيناً مستمراً.

ولا تقتصر مهمة العاملين على الاستجابة للأعطال لدى وقوعها، بل رصد أي مؤشرات مبكرة مثل الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة، لتجنب أي توقف في الخدمات.

ويتلقى دانيال ناينغ (37 عاماً) وزملاؤه آلاف الإنذارات أسبوعياً. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «إذا ظهرت عليّ علامات الخوف، فسيتملك الذعر أعضاء فريقي أيضاً. لذا، حتى لو كنت أشعر بالتوتر، فأنا أحرص على إخفاء ذلك».

ويتولى مركز القيادة هذا، إلى جانب مركزين آخرين في أوروبا والولايات المتحدة، مراقبة أكثر من 300 مركز بيانات تتوزع على قارات العالم الست على مدار الساعة.

دانيال ناينغ رئيس مركز القيادة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

وتقدم «ديجيتال ريالتي» خدمات لنحو 6 آلاف شركة كبيرة وصغيرة، فيما يعد انقطاع التيار الكهربائي والأعطال التي تصيب المعدات من المشاكل الأكثر شيوعاً. وللشركة أيضاً بروتوكولات تفصيلية للتعامل مع الزلازل والأعاصير، إذ إن رصد عاصفة على بعد آلاف الكيلومترات كافٍ لوضع الفريق بأكمله في حالة من التأهب.

ومع ازدياد الحاجة إلى إنشاء مزيد من مراكز البيانات، يزداد الجدل السياسي المحيط بها في العديد من مناطق العالم مع احتدام السباق على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي والذي يتطلب قدرات حوسبة هائلة.

وتقول سيرين ناه، المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» إنه من دون هذه المراكز «سيتوقف كل شيء عن العمل» في عالم أصبح يعتمد على التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير.

وحسب ناه، فإن مراكز البيانات أصبحت بمثابة بنية تحتية أساسية ومسألة «لا تقل أهمية ربما عن الأمن القومي»، مضيفة: «علينا أن نضمن على الدوام عدم توقف هذه المراكز عن العمل». وأشارت ناه إلى أن «هناك الكثير من سوء الفهم يحيط بعملنا» وسط معارضة من الرأي العام الذي يرى أن مراكز البيانات تتسبب في انبعاث «كميات كبيرة من الكربون والحرارة وتستهلك كثيراً من المياه».

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتابعت: «وفي نفس الوقت، الجميع يتصفح هاتفه يومياً»، ومع كل مرة يضغطون فيها على الشاشة «لا بد للبيانات أن تذهب إلى مكان ما»، مشيرة إلى أن الشركة «تعطي الأولوية للطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأنظمة تبريد الخوادم المغلقة التي تعيد تدوير المياه بشكل مستمر».

إنذارات كاذبة

وعلى الرغم من اعتماد البشرية على مراكز البيانات، اتضح أن مخاطر عدة تحدق بهذا القطاع، لاسيما بعدما تعرضت مراكز بيانات يديرها الفرع المتخصص في تقديم خدمات الحوسبة التابع لشركة «أمازون» لضربات خلال الحرب في الشرق الأوسط.

وحول العالم، تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «مايكروسوفت» و«علي بابا» لبناء مراكز البيانات الخاصة بها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، في سباق عالمي تقدر تكاليفه بترليونات الدولارات.

ويتخذ مركز القيادة العالمي التابع ل«ديجيتال ريالتي» من سنغافورة مقرا له، وهو يقع داخل واحد من ثلاثة مراكز بيانات تديرها الشركة هناك.

شعار شركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية التي تشغل مراكز بيانات حول العالم (أ.ف.ب)

ويحظر الدخول إلى معظم أقسام مركز البيانات لأسباب أمنية. إلا أن صحافيي وكالة الصحافة الفرنسية شاهدوا خلال جولة لهم في إحدى الغرف خزائن خوادم سوداء تحيط بممرات ضيقة طويلة وحزما من الكابلات الصفراء، وسط صوت هدير خفيف قادم من المراوح فائقة السرعة المستخدمة للتبريد.

سيرين ناه المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

ويسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو مراكز البيانات وإدخال تقنيات معقدة على عملها. ومع ذلك، لا يزال من غير الممكن الاستغناء عن العنصر البشري في قيادة هذه المراكز، حسب تيرنس تانغ، مسؤول منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مركز القيادة العالمي التابع لـ«ديجيتال ريالتي»، وأوضح تانغ لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا بحاجة إلى تدخل بشري للتحقق من وجود خلل فعلي وما إذا كانت هذه الإنذارات حقيقية، لأن الأنظمة التي تعمل أوتوماتيكياً أو تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تعطي أحيانا إنذارات كاذبة».


دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
TT

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)

رُفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

وتزعم الدعوى، التي رُفعت يوم الجمعة في محكمة المقاطعة الشمالية لولاية كاليفورنيا، أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار عندما اتفقت على تنسيق جهود إبطاء وتيرة التطوير، وأن ذلك سيقلل من القيمة التي يحصل عليها المستهلكون مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي المدفوعة، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».

وتشير الدعوى إلى أن التنسيق جرى في معظمه في 12 سبتمبر (أيلول)، عندما نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً يحث فيه على تعاون القطاع بأكمله في إبطاء وتيرة التطوير لصالح تعزيز إجراءات السلامة. وفي اليوم نفسه، رد كل من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس إيه آي»، وديميس هاسابيس، المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة «غوغل ديب مايند»، علناً على مقترحات أمودي مؤيدين لها.

مزاعم بأن التنسيق بدأ يتشكل منذ أشهر

غير أن الدعوى القضائية تزعم أيضاً أن هذا التنسيق بدأ يتشكل قبل ذلك بأشهر؛ إذ تشير إلى بيان صدر في يوليو (تموز) 2026 وقّعه موظفون رفيعو المستوى في العديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، أقروا فيه بوجود «ضغط تنافسي شديد يحول دون إبطاء» وتيرة التطوير بشكل أحادي الجانب. وقد دعا ذلك البيان الحكومة إلى دعم جهود عالمية لإبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الآلية.

ويجادل المدعون بأنه من الواضح أن التوصل إلى اتفاق بين المنافسين الرئيسيين في مجال الذكاء الاصطناعي - يقضي بأن يكون تقدمهم «أبطأ مما كانت ستفرزه المنافسة الطبيعية» - ينطوي على أثر يحد من المنافسة ويضر بالمستهلكين.

ويتولى محامون يمثلون أربعة مدعين محددين - وهم مشتركون يدفعون مقابل خدمات «شات جي بي تي» أو «كلاود» أو «غروك» أو «جيميناي» - رفع هذه الدعوى نيابةً عن فئة مقترحة تشمل مشتركين آخرين في تلك الخدمات على مستوى البلاد.

ولا يعترض المدّعون على أن تقرر الشركات، كلٌّ على حدة، إبطاء وتيرة تقدمها لصالح تعزيز السلامة. لكنهم يجادلون في الدعوى بأن قوانين مكافحة الاحتكار تمنعها من اتخاذ هذا «الاختصار» المتمثل في الاتفاق على «استبدال المسؤولية الفردية بقيود جماعية». وتؤكد الدعوى أن وجود سوق تنافسية يتيح تحمّل المسؤولية وتحقيق تقدم حقيقي.

معايير مشتركة بين الشركات التقنية

وقال نيك رولي، المحامي الرئيسي للمدّعين: «سيفلت الذكاء الاصطناعي سريعاً من سيطرة البشر، وقد يقضي علينا جميعاً إذا سمحنا بأن تخضع سلامة الذكاء الاصطناعي وبروتوكولاته لاتفاقات خاصة تخدم مصالح أطرافها، تبرمها أقوى شركات التكنولوجيا الربحية في العالم».

وفي مقاله الأول الذي اقترح فيه إبطاء وتيرة التطوير، أقر أمودي بإمكانية ظهور تحديات تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار، وكتب أنه سيكون من المفيد أن تتوسط الحكومة الأميركية في هذه المناقشات بين مختبرات الذكاء الاصطناعي، «أو على الأقل تتيحها». وأوضح أن الحكومة لن تحتاج إلى المشاركة فيها، لكنها ستحتاج إلى «إصدار إعفاء محدود لأنواع معينة من المناقشات المتعلقة بالسلامة».

ورد ألتمان عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن «أوبن إيه آي ترحب بفكرة وجود إطار اتحادي يضع متطلبات موحدة للسلامة»، لكنه أضاف: «لا نعتقد أننا بحاجة إلى انتظار الحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار أو صدور تشريع للبدء في العمل على توفير هذه الثقة».

وفي حين جاءت المناقشات الأخيرة بشأن إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مدفوعة بتزايد المخاوف من إفلاته من السيطرة البشرية، تحدث عدد من قادة قطاع الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة عن وضع مجموعة مشتركة من المعايير، أو تنسيق الجهود بطرق أخرى، لضمان بقاء إجراءات السلامة على رأس الأولويات.

ويؤكد المدّعون في الدعوى أنهم لا يعارضون طلب شركات الذكاء الاصطناعي من الكونغرس أو البيت الأبيض أو أي جهة حكومية أخرى وضع لوائح لتنظيم الذكاء الاصطناعي، كما أنهم لا يعارضون طلب الشركات للحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار، لكن تحقيق هذا النوع من التعاون مع الحكومة الفيدرالية قد يكون مهمة شاقة.

رفض ترمب

ورفض الرئيس دونالد ترمب الدعوات إلى تنظيم القطاع عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، زاعماً أن أي جهود للحد من هذه التكنولوجيا تندرج ضمن «مؤامرة». وتساءل عن سبب دعوة قادة القطاع إلى فرض تنظيمات قال إنها، «إذا طُبقت بشكل صارم، ستقودهم إلى الزوال والإفلاس». وقال ترمب، (السبت)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يشكل فريق عمل للذكاء الاصطناعي وسيعيّن «قيصراً للذكاء الاصطناعي»، لكنه لم يقدم تفاصيل تُذكر.

وكانت إدارة ترمب قد عبَّرت صراحة عن رغبتها في أن تتفوق مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية على نظيراتها الصينية وأن تحقق تقدماً أكبر منها. وفي حين دعا عدد من القادة والمرشحين الديمقراطيين إلى اتخاذ إجراءات واسعة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، اتخذ الجمهوريون إلى حدٍ كبير موقفاً مماثلاً لموقف ترمب.

وفي هذا الصدد، قال السيناتور جوش هاولي، «الجمهوري» عن ولاية ميزوري، خلال جلسة استماع حديثة في مجلس الشيوخ، إنه «لا يوجد عالم» يمكن أن يوافق فيه على منح «أقوى الشركات في تاريخ العالم» إعفاءً من قوانين مكافحة الاحتكار للتعاون فيما بينها، بحجة أن ذلك قد يتيح لها التواطؤ وخنق المنافسة.


ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»: «لن نعرقل أو نكبح بأي حال من الأحوال نمو هذه الصناعة المذهلة؛ بل سنحتضنها وندعمها ونرعاها في أثناء نموها ومع ذلك، سنراقب أيضاً أي ممارسات سيئة، ويمكننا القيام بذلك بسهولة تامة من خلال نظام العدالة الجنائية والمدنية القائم لدينا بالفعل».

وتابع ترمب في مواجهة تزايد الشكوك العامة بشأن الذكاء الاصطناعي والتحذيرات الخطيرة المتعلقة بالسلامة الصادرة عن قادة في المجال، إن الليبراليين يريدون «القضاء على الذكاء الاصطناعي أو تدميره».

وأوضح أنه بصدد تشكيل فريق خاص بالذكاء الاصطناعي مهمته «رصد المساوئ»، وأنه سيعلن قريبا عن تعيين منسق حكومي لشؤون الذكاء الاصطناعي.

جاءت تصريحات ترمب عن الذكاء الاصطناعي رغم إظهار استطلاعات الرأي معارضة واسعة النطاق بين الأميركيين لإنشاء مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتُعد المحرك الأساسي للذكاء الاصطناعي.
يتبنى ترمب هذه التكنولوجيا بقوة، رغم التحذيرات الواسعة النطاق من أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي تتسارع بشكل مفرط، وأن هذه التقنية قد تهدد البشر قريبا مع تكرر حوادث خروج البرمجيات التي تزداد ذكاء عن سيطرة مصمميها.

واعتبر الرئيس الجمهوري أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمل خسارة السباق التكنولوجي أمام الصين، مشددا على أن الضمانات الوحيدة اللازمة هي وجود «رئيس قوي وذكي (يتمتع بمعدل ذكاء مرتفع!)، وهو ما تمتلكه الولايات المتحدة وبوفرة هائلة!».

وفي منشور آخر على وسائل التواصل الاجتماعي السبت، تساءل ترمب عما إذا كان مصطلح «الذكاء الاصطناعي» دقيقا، وطرح ثلاثة بدائل في ما وصفه بأنه استطلاع للرأي، وطلب من الناس إبداء آرائهم.
كتب ترامب أن البدائل الثلاثة هي: الذكاء المتفوق، والذكاء الفائق، والذكاء الأسمى.

وأضاف «هذا استطلاع للرأي، وسأكون ممتنا لمشاركة الجميع في التصويت! ما هو الاسم الأفضل لهذه (الثورة) التي تتنامى باستمرار؟».

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

وصرح مسؤولون أميركيون بأنهم سيطرحون موضوع الذكاء الاصطناعي خلال المحادثات مع الصين، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأميركي للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ، الأسبوع المقبل.

وتنظر كل من واشنطن وبكين إلى التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها أمراً حاسماً لتنافسيتهما الاقتصادية والعسكرية، إلا أنهما لا تزالان على خلاف بشأن قضايا تشمل الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومزاعم نسخ التكنولوجيا، وتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي.